11:24:52 2026-01-19 : اخر تحديث
11:24:52 2026-01-19 : نشر في
سعد عواد ـ شبكة الساعة
في النقاشات الاقتصادية العراقية، لا تُطرح زيادة الصادرات النفطية عادة بوصفها خيارًا مفتوحًا بقدر ما تُناقش بوصفها سقفًا مفروضًا، لكن ماذا لو توقفنا قليلًا عند فرضية رقمية بحتة، وسألنا: ماذا سيحدث فعليًا لو صدر العراق 5 ملايين برميل يوميًا؟ كم ستبلغ الإيرادات؟ هل يمتلك القدرة؟ وما الذي يمنعه؟ وهل تعكس حصته الحالية موقعه الحقيقي داخل منظمة أوبك؟
هذه الأسئلة لا تنطلق من برنامج حكومي معلن، ولا من وعد سياسي، بل من محاولة لفهم العلاقة بين النفط والميزانية، وبين السوق والعدالة، بلغة الأرقام لا الشعارات.
حاليًا، يصدر العراق ما بين 3.4 إلى 3.6 ملايين برميل يوميًا من النفط الخام، معظمها عبر موانئ الجنوب في البصرة، هذا الرقم يشكل العمود الفقري لإيرادات الدولة، إذ تعتمد الموازنة العامة بنسبة تتجاوز 90% على العوائد النفطية.
بهذه الكمية، تُدار المالية العامة بحساسية عالية تجاه الأسعار، أي ارتفاع يمنح هامش تنفس مؤقت، وأي انخفاض يعيد شبح العجز والاقتراض إلى الواجهة، بمعنى آخر العراق لا يملك ترف الخطأ السعري، لأن حجم الصادرات الحالي لا يسمح بتعويض الخسائر بسهولة.
من حيث القدرة الإنتاجية، الجواب المختصر: نعم، نظريًا.
الحقول الجنوبية الكبرى طُورت خلال السنوات الماضية لتصل إلى طاقات إنتاجية تقترب من هذا الرقم المشكلة ليست تحت الأرض، بل فوقها.
العائق الحقيقي يتمثل في البنية التحتية للتصدير منظومة الموانئ والمنصات البحرية تعمل عند حدودها القصوى، فيما لا يزال نفط الشمال خارج المعادلة بسبب توقف خط جيهان، رفع الصادرات إلى 5 ملايين برميل يوميًا يتطلب توسعة الموانئ وإضافة أنابيب بحرية جديدة، وتحديث شبكة النقل الداخلية، وهي مشاريع تحتاج وقتًا واستثمارات ضخمة.
بمعنى أدق العراق يستطيع أن ينتج، لكنه لا يستطيع أن يصدر هذه الكمية فورًا دون اختناقات.
العراق عضو مؤسس في منظمة "أوبك" وملتزم باتفاقات "أوبك بلس" التي تهدف إلى ضبط المعروض النفطي ومنع انهيار الأسعار.
بموجب هذه الاتفاقات، يخضع العراق لسقوف إنتاجية محددة، ويُطالب أحيانًا بتعويض أي تجاوزات سابقة هذا الإطار يجعل أي زيادة كبيرة في الصادرات مشروطة بتوافق جماعي، لا بقرار أحادي.
من منظور السوق، هذا الالتزام يمنح العراق استقرارًا سعريًا نسبيًا لكنه في الوقت ذاته يقيّده ضمن حصة لا تعكس دائمًا طموحه أو احتياجاته المالية.
لو افترضنا – جدلًا – أن العراق تمكن من تصدير 5 ملايين برميل يوميًا وبسعر متوسط يبلغ 75 دولارًا للبرميل، فإن الإيرادات النفطية السنوية قد تصل إلى نحو 137 مليار دولار.
هذا الرقم يتجاوز الإيرادات الفعلية للموازنات العراقية الأخيرة بفارق كبير، عمليًا يمكن لمثل هذه الزيادة أن:
تقلص العجز المالي بشكل كبير أو تلغيه،
تخفف الاعتماد على الاقتراض الداخلي والخارجي،
وتمنح الحكومة قدرة أكبر على تمويل مشاريع البنى التحتية.
لكن هذه الفائدة تبقى مشروطة بسعر مستقر، فإذا أدت زيادة المعروض إلى ضغط سعري وانخفاض الأسعار، فإن العائد الإضافي قد يتآكل أو يختفي بالكامل.
عند مقارنة العراق بجيرانه داخل "أوبك"، تظهر فجوة يصعب تجاهلها.
العراق يُعد أكبر بلد من حيث عدد السكان داخل المنظمة، مع كتلة بشرية أكثر من 46 مليون نسمة، أغلبهم يعتمدون على الدولة في الوظائف والخدمات.
السعودية، بنحو 30 مليون نسمة (قرابة نصفهم غير سعوديين)، تصدر قرابة 10 ملايين برميل يوميًا.
الإمارات، بعدد سكان يقارب 11 مليونًا (نسبة المواطنين منهم محدودة)، تنتج نحو 3 ملايين برميل يوميًا.
الكويت، بعدد سكان يقارب 4 ملايين، تنتج بين 2.4 و2.8 ملايين برميل يوميًا.
هذه المقارنة لا تهدف إلى الطعن بشرعية حصص الآخرين، بل إلى إبراز أن نصيب الفرد من الثروة النفطية في العراق أقل بكثير، رغم ضخامة الاحتياطي وحجم الالتزامات السكانية.
من الناحية الفنية، تعتمد "أوبك" على معايير تاريخية وقدرات إنتاجية عند تحديد الحصص لكنها لا تأخذ في الحسبان عامل عدد السكان أو حجم الاحتياجات التنموية.
بهذا المعنى، يمكن القول إن العراق يواجه ظلمًا نسبيًا لا لأنه يُمنع من الإنتاج، بل لأن معادلته السكانية مختلفة جذريًا عن دول أخرى داخل المنظمة، نفس البرميل الذي يموّل رفاهية عدد محدود من السكان في دولة ما، يُطلب منه في العراق تمويل دولة كاملة ذات أعباء ثقيلة.
هذا الاختلال لا يظهر في الجداول الرسمية، لكنه حاضر بقوة في نتائج الموازنات.
رفع الصادرات قد يمنح العراق متنفسًا ماليًا، لكنه في الوقت نفسه يحمل مخاطر سوقية حقيقية، النفط مورد ناضب والأسعار لا تخضع لإرادة دولة واحدة، أي اندفاع غير محسوب قد يؤدي إلى استنزاف أسرع للثروة مقابل عائد أقل.
لذلك، فإن السؤال لا يجب أن يكون: لماذا لا يصدر العراق خمسة ملايين برميل؟
بل: هل يستطيع أن يفعل ذلك دون أن يدفع ثمنًا أعلى في السوق؟
لتكشف أن المشكلة ليست في الكمية وحدها، بل في التوازن بين السعر، والسوق، والعدالة النسبية داخل منظمة يفترض أنها تحمي مصالح أعضائها جميعًا.
في النهاية، النفط يمكن أن يخفف الضغط عن الميزانية، لكنه لا يحل معضلة الاقتصاد العراقي وحده، أما السؤال المفتوح، الذي يبقى بلا إجابة حاسمة، فهو:
هل سيبقى العراق يدير أزمته بالنفط، أم يستطيع يومًا أن يخرج منها به؟
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على التليكرام2024-07-24 11:29:54
محامية عراقية ضمن حملة ترامب!
2024-07-24 11:25:30
الحكومة العراقية تنفي صلتها بصفحات "التطبيل"
2024-07-24 11:21:23
طائرات مسيرة تجوب سماء العاصمة بغداد وتقصف مخزن أسلحة يتبع فصيلا مسلحا
2024-07-24 11:17:27
اتهامات للسياسيين السنة بالمتاجرة بنازحيهم