عند زيارة مدينة الموصل، خاصة الجانب الأيمن منها، تتجلى أمامك أزقة ضيقة ومنازل قديمة يعود عمرها إلى مئات السنين، هذه الأزقة تحمل بين جدرانها تاريخ مدينة الموصل وتحتضن عائلات موصلية أصيلة، مما يجعلها شاهداً حياً على ماضي الموصل.
موقع المدينة القديمة
تقع المدينة القديمة على ضفاف نهر دجلة من الجهة الغربية، وتمتد على مسافة تقارب 4 كيلومترات تُعرف بأنها قلب الموصل، الذي توسعت منه لتصبح ثاني أكبر مدينة عراقية من حيث عدد السكان، وبفضل موقعها الاستراتيجي كانت مركزاً للتجارة والثقافة والتفاعل الاجتماعي على مر العصور.
تاريخ الموصل
أكد أستاذ التاريخ في جامعة الموصل، الدكتور أحمد قاسم جمعة، أن "تاريخ الموصل القديمة يمتد لآلاف السنين"، مبيناً أن "الأبحاث تشير إلى أن منطقة القليعات تحتوي على أولى القرى الزراعية التي تعود إلى الألف السادس قبل الميلاد".
وتأثرت الموصل القديمة وأزقتها بالحضارات المختلفة التي مرت عليها، ولا سيما الحضارة العربية الإسلامية بدولها المتعددة، ومن الجدير بالذكر أن أول مسجد جامع ودار إمارة شُيد في الموصل عام 16هـ (637 م)، مما يبرز الأهمية الدينية والإدارية للمدينة منذ ذلك الحين.
المعالم التاريخية للمدينة القديمة
تحتضن المدينة القديمة العديد من المعالم التاريخية الإسلامية والمسيحية واليهودية، التي تُعد شاهداً على الحضارات المختلفة التي نشأت فيها، من أبرز هذه المعالم الجامع النوري الكبير ومنارته الحدباء، التي بُنيت في العهد الأتابكي ودُمِّرت خلال الحرب، هذا الجامع كان رمزاً تاريخياً ودينياً مهماً وجذب انتباه العالم عندما تعرض للتدمير.
كما تضم المدينة العديد من المعالم والآثار التاريخية مثل سور نينوى، وكنائس عدة، وقلعة باشطابيا، وكنيسة مار أحوادمة، وشارع النجفي، وهذه المعالم ليست فقط رموزاً دينية وثقافية، بل هي أيضاً نقاط جذب سياحي تعكس التنوع والتعدد الثقافي الذي شهدته الموصل عبر العصور كما تحتوي على نحو 12 ألف بيت قديم، تتميز هذه البيوتات بالإيوانات والقبب ذات اللمسات الفنية والمعمارية الخاصة، والتي تشهد على مهارة البنائين الموصلين.
مرت بالمدينة العديد من الرحالة العرب والأجانب، ودوّنوا مآثرها وأبدوا إعجابهم بجمالها وتنظيمها الداخلي، لتنوع أسواقها ومحلاتها السكنية ودروبها الضيقة، وتناسق شوارعها وقيصرياتها وجوامعها ومساجدها وأديرتها وحماماتها ومقاهيها وخاناتها وسكلاتها وحتى سورها وأبوابها.
تداعيات حرب التحرير
تأثرت المدينة القديمة في الموصل بشكل كبير بالحرب بسبب المعارك العنيفة التي دارت خلال عملية تحرير المدينة من تنظيم داعش في عام 2017، مما أدى إلى دمار واسع في البنية التحتية والمباني التاريخية.
كانت المنطقة القديمة مسرحًا لمعارك شديدة نظرًا لأزقتها الضيقة وكثافة السكان، مما جعل القتال معقدًا وصعبًا، استخدم داعش المدنيين كدروع بشرية وزرع الألغام والعبوات الناسفة، مما دمر العديد من المباني التاريخية، مثل منارة الحدباء وجامع النوري.
الدمار شمل أيضًا البنية التحتية الأساسية مثل شبكات المياه والكهرباء والطرقات، كما تسببت الحرب بموجة نزوح لعشرات الآلاف من السكان، وعاد الكثير ليجدوا منازلهم مدمرة رغم مرور سنوات على التحرير.
لا تزال آثار الحرب واضحة مع استمرار جهود إعادة الإعمار التي تواجه تحديات كبيرة في إعادة توطين السكان وترميم المواقع التاريخية.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام