في الثالث من تشرين الثاني عام 1986، كشفت مجلة "الشراع" اللبنانية عن زيارة سرية قام بها وفد أمريكي إلى طهران، لتفتح بذلك الباب أمام واحدة من أكبر الفضائح السياسية التي واجهت إدارة الرئيس الأمريكي رونالد ريغان.

 لم تكن القضية مجرد اتصالات دبلوماسية خلف الكواليس، بل كشفت عن شبكة من صفقات الأسلحة بين الولايات المتحدة وإيران، جرى بعضها بوساطة إسرائيلية، في وقت كانت فيه طهران وواشنطن تعلنان العداء، وكانت الحرب العراقية الإيرانية مستمرة منذ أكثر من 6 سنوات.

ومع حلول الذكرى الأربعين لانكشاف القضية في تشرين الثاني 2026، تعود "إيران–كونترا" إلى الواجهة بوصفها مثالاً على التناقض بين الخطاب السياسي المعلن والحسابات السرية للدول؛ إذ حصلت إيران على أسلحة أمريكية عبر الاحتلال الإسرائيلي ثم عبر قنوات أمريكية مباشرة، فيما استخدمت أطراف في إدارة ريغان عائدات بعض الصفقات لتمويل قوات "الكونترا" المسلحة في نيكاراغوا، رغم القيود التي فرضها الكونغرس على هذا الدعم.

الحرب العراقية الإيرانية.. الدافع وراء البحث عن السلاح

كانت الحرب العراقية الإيرانية، التي بدأت في أيلول 1980 قد فرضت على طهران حاجة متزايدة إلى السلاح وقطع الغيار، ولا سيما أن جزءاً كبيراً من ترسانتها العسكرية كان أمريكي الصنع، وقد حصلت عليه خلال عهد الشاه محمد رضا بهلوي.

وبعد الثورة الإيرانية عام 1979 وما أظهرته القيادة الجديدة من قطع العلاقات مع واشنطن، واجهت إيران صعوبة في الحصول على قطع غيار لمنظوماتها العسكرية بشكل علني نظرا لموقفها السياسي المعلن من واشنطن، فضلا عن  الحظر الأمريكي المفروض على طهران، حتى لجأت سراً إلى الولايات المتحدة و"إسرائيل"، اللتين كانتا من أبرز خصومها المعلنين.

وبحسب دراسة المؤرخ مالكولم بيرن المنشورة في موسوعة "إيرانيكا"، فإن الاحتلال الإسرائيلي أبلغ واشنطن في تموز 1985 بوجود شخصيات داخل النظام الإيراني مستعدة لإعادة فتح قنوات الاتصال، وأن هذه الشخصيات كانت تسعى إلى الحصول على أسلحة تعزز قدرات إيران في حربها مع العراق. 

الاحتلال الإسرائيلي يفتح قناة التسليح

بدأت المبادرة في صيف عام 1985، عندما اقترحت "إسرائيل" بيع صواريخ لإيران، مقابل المساعدة في إطلاق سراح رهائن أمريكيين محتجزين في لبنان، إلى جانب فتح مجال لتحسين العلاقات بين واشنطن وطهران.

وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك شمعون بيريز من أبرز الداعمين لهذه الاتصالات، فيما شارك مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية دافيد كيمحي، ومستشار مكافحة الإرهاب عميرام نير، في ترتيب القناة السرية. 

كما استعانت العملية بوسطاء وتجار سلاح، بينهم منوشهر قرباني فر، وهو تاجر سلاح إيراني كان على صلة سابقة بوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية.

وبحسب تقرير لجنة التحقيق التي شكلها ريغان، عارض وزيرا الخارجية جورج شولتز والدفاع كاسبر واينبرغر بيع الأسلحة لإيران، وعدّا الصفقة مخالفة للسياسة الأمريكية المعلنة، ولا سيما أن واشنطن كانت تفرض حظراً على تسليح طهران وتعلن الحياد في الحرب العراقية الإيرانية، ومع ذلك، وافق ريغان على المضي في المبادرة الإسرائيلية خلال صيف 1985. 

وفي آب 1985، وصلت إلى إيران أول شحنة تضمنت 96 صاروخاً أمريكياً مضاداً للدروع من طراز "تاو"، نقلتها "إسرائيل" على متن طائرة غير معلّمة، ولم تسفر هذه الشحنة عن إطلاق أي رهينة، لكن العملية استمرت، ووصلت شحنة أخرى في أيلول ضمت 408 صواريخ من الطراز نفسه، أعقبها إطلاق سراح القس الأمريكي بنيامين وير.

وفي تشرين الثاني من العام ذاته، جرت محاولة لنقل صواريخ دفاع جوي من طراز "هوك" إلى إيران. إلا أن العملية واجهت مشكلات فنية ولوجستية، من بينها وصول صواريخ لا تتطابق مع المواصفات التي طلبتها طهران، فضلاً عن ظهور علامات "إسرائيلية" عليها، ولم تؤد هذه الشحنة إلى إطلاق رهائن، لكنها كشفت حجم التعقيد الذي أحاط بعمليات النقل والتمويه.

واشنطن تتولى إدارة الصفقات

بعد تعثر شحنة صواريخ "هوك" في تشرين الثاني 1985، اتجهت الإدارة الأمريكية إلى تقليص دور الوسطاء الإسرائيليين الخاصين وتولي إدارة العمليات بصورة مباشرة، وفي 17 كانون الثاني 1986، وقّع ريغان تفويضاً سرياً جديداً سمح بمواصلة المبادرة تحت إشراف أمريكي.

وأوكل تنفيذ جانب أساسي من العملية إلى المقدم أوليفر نورث، المسؤول في مجلس الأمن القومي الأمريكي، الذي عمل مع الجنرال المتقاعد ريتشارد سيكورد ورجل الأعمال ألبرت حكيم، ضمن شبكة شركات وحسابات مصرفية خارج الولايات المتحدة عُرفت باسم "المؤسسة" أو "The Enterprise"، واستخدمت لإخفاء مسارات الأموال والجهات المشاركة في العمليات.

وفي شباط 1986، أرسلت الولايات المتحدة إلى إيران ألف صاروخ "تاو" على دفعتين، كما تضمنت الترتيبات تزويد الإيرانيين بمعلومات استخبارية أمريكية تتعلق بالحرب مع العراق.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في سياق الحرب العراقية الإيرانية؛ إذ لم يقتصر على ما حصلت عليه طهران من المعدات العسكرية، بل شمل أيضاً معلومات استخبارية مرتبطة بمواجهتها مع بغداد، وتذكر دراسة مالكوم بيرن أن هذه المعلومات كانت جزءاً من التنازلات التي قدمها الجانب الأمريكي خلال إحدى مراحل التفاوض.

زيارة الوفد الأمريكي إلى طهران

في أيار 1986، وصل وفد أمريكي سري إلى طهران، ضم مستشار الأمن القومي السابق روبرت ماكفارلين، وأوليفر نورث، إلى جانب مسؤولين آخرين، وبمشاركة المستشار الإسرائيلي عميرام نير.

وكانت الزيارة تهدف إلى فتح اتصالات مباشرة مع مسؤولين إيرانيين، ودفع المفاوضات بشأن الأسلحة والرهائن إلى مستوى سياسي أعلى، واستخدم أعضاء الوفد جوازات سفر إيرلندية بأسماء مستعارة، في محاولة لإخفاء هوياتهم، كما أقاموا في طابق معزول من فندق هيلتون السابق في طهران.

لكن الزيارة لم تحقق النتائج التي كان الوفد يأملها؛ إذ غادر أعضاؤه بعد 3 أيام ونصف من دون التوصل إلى اتفاق سياسي واسع، فيما تركوا وراءهم شحنة من قطع غيار صواريخ "هوك"، واستمرت الاتصالات بعد ذلك عبر قنوات أخرى، مع بقاء ملف الرهائن والأسلحة في صلب المفاوضات. 

تحويل عائدات السلاح إلى الكونترا

لم تكن صفقات الأسلحة لإيران هي الجانب الوحيد من القضية؛ إذ ارتبطت بها عملية سرية أخرى تتعلق بتمويل قوات "الكونترا" في نيكاراغوا، وهي جماعات مسلحة كانت تقاتل حكومة الساندينيستا.

وكان الكونغرس الأمريكي قد فرض قيوداً على تمويل العمليات العسكرية لهذه القوات بموجب تعديل "بولاند" الذي أُقر عام 1984، وعلى الرغم من ذلك، واصلت شخصيات في إدارة ريغان البحث عن مصادر بديلة لدعمها، عبر مساهمات من دول أخرى ومتبرعين من القطاع الخاص، ثم من خلال شبكة مالية تولت إدارة الأموال والعمليات خارج القنوات الحكومية المعتادة.

وبحسب تقرير لجان التحقيق في الكونغرس، استخدم أوليفر نورث وريتشارد سيكورد وألبرت حكيم شبكة "المؤسسة" لإدارة الأموال، كما حُوّل جزء من عائدات صفقات الأسلحة الإيرانية إلى دعم الكونترا، وبدأ هذا المسار، وفق التقرير، مع الأموال المتبقية من إحدى عمليات صواريخ "هوك" في تشرين الثاني 1985، ثم اتسع مع الصفقات الأمريكية المباشرة اللاحقة.

وقد أشار تقرير المحقق المستقل لورانس والش إلى أن المبلغ الذي أمكن إثبات تحويله إلى الكونترا في المحاكمات بلغ 3.6 ملايين دولار، مع تقدير أن المبلغ الفعلي قد يزيد على ذلك بنحو 1.1 مليون دولار على الأقل، بسبب تعقيدات الحسابات وتداخل الأموال المستخدمة في العمليات المختلفة.

وبذلك لم تعد القضية مقتصرة على بيع أسلحة إلى دولة خاضعة للحظر الأمريكي، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بتجاوز قيود الكونغرس على تمويل جماعات مسلحة في أمريكا الوسطى، واستخدام عائدات الصفقات السرية في نشاطات لم تكن تمر عبر آليات الرقابة الحكومية المعتادة.

انكشاف القضية في تشرين الثاني 1986

في الثالث من تشرين الثاني 1986، انتشرت معلومات تكشف عن زيارة ماكفارلين السرية إلى طهران، إرسال أسلحة وقطع غيار أمريكية إلى إيران، وأدى نشر المعلومات إلى اتساع التساؤلات بشأن طبيعة الاتصالات بين واشنطن وطهران، ولا سيما أن الإدارة الأمريكية كانت تنفي وجود أي تعامل عسكري مع النظام الإيراني.

وفي 13 تشرين الثاني، أقر ريغان بأن الولايات المتحدة أرسلت أسلحة إلى إيران، لكنه نفى أن تكون العملية صفقة لتبادل السلاح بالرهائن، ثم اتسعت القضية في 25 تشرين الثاني، عندما أعلن البيت الأبيض أن جزءاً من عائدات مبيعات الأسلحة حُوّل لمساعدة قوات الكونترا في نيكاراغوا.

وبذلك انكشفت القضية على مرحلتين أساسيتين: الأولى كشفت الاتصالات والصفقات السرية مع إيران، والثانية كشفت تحويل الأموال إلى الكونترا، وهو ما حوّل القضية إلى أزمة سياسية وقانونية داخل الولايات المتحدة.

التحقيقات الأمريكية وموقف ريغان

أمام اتساع الفضيحة، شكّل ريغان في الأول من كانون الأول 1986 لجنة خاصة برئاسة السيناتور السابق جون تاور، عُرفت باسم "لجنة تاور"، للتحقيق في آليات اتخاذ القرارات داخل مجلس الأمن القومي ودور موظفيه في صفقات الأسلحة مع إيران والعمليات المرتبطة بالكونترا.

وفي تقريرها الصادر في شباط 1987، انتقدت اللجنة ضعف الرقابة داخل الإدارة الأمريكية، وتضارب السياسات التي كانت تتبعها واشنطن، مشيرة إلى أن صفقات السلاح مع إيران تناقضت مع الحظر الأمريكي المعلن وسياسة الحياد في الحرب العراقية الإيرانية، كما انتقدت طريقة إدارة العملية، وتجاوز القنوات الرسمية في اتخاذ القرارات وتنفيذها.

وفي آذار 1987، ألقى ريغان خطاباً إلى الشعب الأمريكي أقر فيه بأن الوقائع والأدلة أثبتت أن العملية تحولت في تنفيذها إلى مبادلة أسلحة بالرهائن، خلافاً لما كان قد أعلنه سابقاً، كما أعلن تحمله المسؤولية عن تصرفات إدارته، لكنه قال إنه لم يكن على علم بتحويل الأموال إلى الكونترا.

أما التحقيق الذي قاده المحقق المستقل لورانس والش، فقد استمر لسنوات، وأفضى إلى توجيه اتهامات وإدانات بحق عدد من المشاركين، غير أن بعض الأحكام الصادرة بحق مسؤولين بارزين، ومنهم نورث وبويندكستر، أُلغيت بسبب استخدام شهاداتهم التي أدلوا بها أمام الكونغرس بعد منحهم الحصانة. 

واشنطن وبغداد.. مسارات متناقضة خلال الحرب

تكتسب قضية إيران–كونترا بعداً إضافياً عند وضعها في سياق السياسة الأمريكية تجاه العراق خلال الحرب، فواشنطن لم تكن تتبع سياسة ثابتة تقوم على دعم طرف واحد بصورة مطلقة؛ إذ تشير وثائق الأرشيف الوطني للأمن في جامعة جورج واشنطن إلى أن الولايات المتحدة اتجهت منذ عام 1982 إلى دعم العراق سياسياً ودبلوماسياً واستخبارياً، خشية انتصار إيران وتوسعها في المنطقة.

وتظهر الوثائق أن الدعم الأمريكي لبغداد شمل تبادل المعلومات الاستخبارية، وتسهيلات مالية وتجارية، إلى جانب استعادة العلاقات الدبلوماسية الرسمية في تشرين الثاني 1984، وفي المقابل، جرت صفقات تسليح سرية مع إيران خلال عامي 1985 و1986، رغم الحظر المعلن عليها.

وكشف هذه الوقائع عن مسارات متوازية ومتناقضة في إدارة المصالح الأمريكية خلال الحرب، إذ سعت الإدارة إلى منع انتصار إيران، لكنها تعاملت معها سراً لتزويدها بالسلاح وفتحت قنوات سياسية، فضلاً عن تزويدها معلومات استخبارية في مراحل محددة، مما يشير الى رغبة أمريكية بأستمرار الحرب لأطول مدة ممكنة بين العراق وإيران دون أنتصار أي من الدولتين. 

أربعون عاماً على فضيحة كشفت تناقضات السياسة

بعد أربعة عقود على انكشافها، تظل قضية "إيران–كونترا" واحدة من أبرز الوقائع التي كشفت التباعد بين الخطاب السياسي والممارسة السرية في العلاقات الدولية، فقد حصلت طهران التي كانت ترفع شعار العداء للولايات المتحدة وإسرائيل، على أسلحة أمريكية عبر إسرائيل ثم عبر قنوات أمريكية مباشرة.

وفي المقابل، خالفت إدارة ريغان سياستها المعلنة تجاه إيران، وأدارت مفاوضات سرية ارتبطت بالرهائن، فيما استخدم مسؤولون فيها جزءاً من عائدات السلاح لدعم الكونترا، متجاوزين القيود التي فرضها الكونغرس.

وتكشف القضية، في جانبها المتصل بالعراق، أن الحرب لم تكن ساحة مواجهة بين بغداد وطهران فحسب، بل كانت أيضاً مجالاً لتقاطعات المصالح الدولية والصفقات السرية، التي لم تتطابق بالضرورة مع المواقف المعلنة للدول.