في ظل تعقيدات المشهد السياسي العربي خلال القرن العشرين، برز الخلاف بين جناحي حزب البعث في العراق وسوريا بوصفه أحد أكثر الصراعات السياسية تعقيدًا وتشابكًا، فلم يقتصر هذا الخلاف على التنافس السياسي، بل انعكس في تطورات داخلية عميقة أدت إلى انقسام الحزب وتباعد رؤاه واستراتيجياته.
ورغم انطلاق الحزبين من خلفية أيديولوجية واحدة يفترض أن تكون أساسًا للتكامل والوحدة العربية، فإن الانقسامات الداخلية والطموحات الشخصية والتنافس الإقليمي والدولي دفعت العلاقة بينهما نحو صراع مستمر، بلغ حد العداء الاستراتيجي، وأثر بصورة مباشرة في المشهد السياسي للمنطقة.
النشأة والانقسام الداخلي
تأسس حزب البعث العربي عام 1947 في دمشق على يد ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار، بوصفه مشروعًا قوميًّا وحدويًّا يسعى إلى تحقيق الوحدة والحرية والعدالة بين أبناء الأمة العربية.
وفي خمسينيات القرن العشرين اندمج الحزب مع الحزب العربي الاشتراكي بقيادة أكرم الحوراني، فأصبح اسمه "حزب البعث العربي الاشتراكي"، واتجه بصورة أوضح نحو تبني السياسات الاشتراكية.
وأدى هذا التحول إلى بروز توجهات أكثر راديكالية في قضايا مثل الإصلاح الزراعي وتأميم بعض المؤسسات، في وقت كانت فيه داخل الحزب خلافات حول طبيعة المشروع السياسي وأولوياته، ومع توسع نفوذ التيارات المختلفة، تحولت الاختلافات الفكرية والتنظيمية تدريجيًا إلى صراعات على القيادة والنفوذ.
وبعد وصول البعث إلى السلطة في العراق وسوريا عام 1963 عبر انقلابين عسكريين، تعمقت الانقسامات بين البلدين، ففي العراق ارتبط تثبيت السلطة بشبكات من الولاءات العشائرية والمناطقية، بينما برز في سوريا نفوذ اللجنة العسكرية والضباط داخل الحزب.
وأدى الانقلاب السوري عام 1966 إلى إبعاد عدد من قيادات البعث التاريخية، ومن بينهم ميشيل عفلق، الذي انتقل لاحقًا إلى العراق، وأسهم ذلك في تعميق الانقسام بين الفرعين العراقي والسوري، خصوصًا بشأن شرعية القيادة القومية ومركزها، لتتحول الحركة تدريجيًا من مشروع وحدوي إلى ساحة للتنافس السياسي والإقليمي.
الشخصنة والصراع على الزعامة
أسهمت الطموحات الشخصية والصراع على الزعامة في تعميق الخلاف بين حافظ الأسد وصدام حسين، إذ سعى كل منهما إلى تعزيز موقعه بوصفه قائدًا عربيًا، ما جعل مشروع الوحدة بين البلدين يصطدم بمصالح القيادتين.
وفي عام 1978 وقع العراق وسوريا "ميثاق العمل القومي المشترك"، الذي هدف إلى تعزيز التعاون وصولًا إلى وحدة سياسية واقتصادية وعسكرية، إلا أن هذه المحاولة انهارت سريعًا بعد وصول صدام حسين إلى الرئاسة عام 1979 وما رافق ذلك من أحداث داخل حزب البعث العراقي.
وخلال اجتماع في قاعة الخلد ببغداد، أعلن صدام اكتشاف مؤامرة داخل الحزب واتهم عددًا من قياداته بالتعاون مع القيادة السورية، وانتهت الأحداث بإعدام عدد من القيادات البعثية. وأدت هذه الواقعة إلى تدمير ما تبقى من الثقة بين النظامين وتعميق العداء بينهما.
الحرب العراقية الإيرانية وتفاقم الخلاف
مع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية عام 1980، بلغت الخلافات بين بغداد ودمشق مرحلة غير مسبوقة، فقد اتخذت سوريا موقفًا داعمًا لإيران، رغم تبني النظامين البعثيين خطاب القومية العربية.
ورأت القيادة العراقية أن الحرب تمثل مواجهة مع طموحات إيران الإقليمية، ولذلك اعتبرت دعم دمشق لطهران تحديًا مباشرًا لها، ولم يقتصر الدعم السوري على الموقف السياسي، بل أغلقت دمشق خط أنابيب النفط العراقي الذي كان يمر عبر أراضيها، ما حرم العراق من أحد مسارات تصدير النفط وألحق ضررًا باقتصاده خلال الحرب.
كما استضافت سوريا ودعمت قوى معارضة للنظام العراقي، بما فيها فصائل شيعية وكردية، في حين ردت بغداد بدعم جماعات معارضة للنظام السوري، بما في ذلك فصائل من جماعة الإخوان المسلمين وقوى سياسية وقومية مناوئة لحافظ الأسد.
وهكذا تحولت الحرب العراقية الإيرانية إلى مجال إضافي للصراع بين النظامين البعثيين، وكشفت التناقض بين الشعارات الوحدوية التي رفعها الحزب والمصالح السياسية والاستراتيجية التي حكمت علاقات البلدين.
العوامل الدولية والإقليمية
ساهمت الاصطفافات الإقليمية والدولية في تعميق الخلاف، فقد عززت سوريا علاقاتها مع الاتحاد السوفيتي وإيران، في حين اتجه العراق إلى توثيق علاقاته مع دول الخليج، وحصل لاحقًا على دعم من الولايات المتحدة ودول غربية في مراحل مختلفة.
وأدى اختلاف التحالفات إلى تحويل الخلاف بين بغداد ودمشق من تنافس داخل الحركة البعثية إلى صراع مرتبط أيضًا بالتوازنات الإقليمية والدولية، ما جعل فرص التقارب بين النظامين أكثر صعوبة.
معادلة الحكم بين الولاء الشخصي والطائفي
تحول حزب البعث في العراق وسوريا تدريجيًا من حركة قومية إلى أداة لترسيخ حكم فردي شديد المركزية، ففي العراق، أصبح الحزب في عهد صدام حسين يعتمد بصورة متزايدة على شبكات الولاء العائلي والعشائري والمناطقي، ولا سيما المقربين من عشيرته "البو ناصر" ومنطقة تكريت، لضمان السيطرة على مفاصل الدولة والحزب.
ورغم استمرار الهياكل التنظيمية للحزب، أصبح الولاء الشخصي لصدام عاملًا أساسيًا في إدارة النظام واتخاذ القرارات، ما أضعف تدريجيًا الدور السياسي للحزب وحوله إلى أداة للحكم.
وفي سوريا، عزز حافظ الأسد سلطته من خلال توسيع نفوذ المقربين منه داخل الجيش ومؤسسات الدولة والحزب، مع بناء تحالفات مع قوى ومجموعات اجتماعية ومناطقية مختلفة لضمان استقرار حكمه، وأدى التركيز على الولاءات الطائفية والأمنية إلى توترات داخلية، خصوصًا في ظل شعور قطاعات من الأغلبية السنية بالتهميش.
وتحول الحزبان، في البلدين، تدريجيًا من مشروعين قوميين يرفعان شعار الوحدة العربية إلى أداتين لترسيخ أنظمة حكم فردية، مع اختلاف طبيعة شبكات الولاء التي اعتمد عليها كل نظام، وأدى ذلك إلى تراجع البعد القومي الشامل للحزب، وأصبح الانتماء إليه لدى بعض أعضائه وسيلة للوصول إلى السلطة والمناصب، بدل أن يكون تعبيرًا عن مشروع سياسي وفكري موحد.
نهاية حقبة البعث
شهد حزب البعث في العراق وسوريا نهايتين مختلفتين، لكنهما ارتبطتا بانهيار النظامين اللذين قادا البلدين لعقود، ففي العراق، أدى الغزو الأمريكي عام 2003 إلى الإطاحة بنظام صدام حسين، ودخلت القوات الأمريكية بغداد في 9 نيسان/أبريل 2003، لتنهار مؤسسات النظام وتنتهي هيمنة حزب البعث على الدولة.
أما في سوريا، فانتهى حكم حزب البعث في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، بعد سنوات من الحرب والصراع، عندما فقد نظام بشار الأسد السيطرة على دمشق وفرّ إلى روسيا، مع دخول فصائل المعارضة المسلحة العاصمة وانهيار النظام، وبذلك انتهى حكم البعث في سوريا بعد أكثر من ستة عقود من وصوله إلى السلطة، لتطوى صفحة أخرى من تاريخ الحزب في العالم العربي.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام