تنتشر في محافظة نينوى مجموعة من القلاع والتحصينات التي تختصر جانبًا مهمًا من تاريخ شمال العراق، من الأسوار الآشورية التي أحاطت بمدينة نينوى القديمة، إلى قلعة باشطابيا التي ارتبطت بالدفاع عن الموصل، وصولًا إلى قلعة تلعفر التي ظلت لقرون مركزًا عسكريًا وإداريًا للمدينة.
ورغم اختلاف العصور التي تنتمي إليها هذه المواقع وتباين وظائفها، فإنها تشترك في عامل أساسي هو الموقع الاستراتيجي؛ فقد أقيمت فوق تلال ومرتفعات أو بالقرب من نهر دجلة والطرق التي تربط المنطقة ببلاد الشام والأناضول، بما أتاح مراقبة المداخل والتحكم في حركة الجيوش والقوافل والسكان.
حصون نينوى.. دفاعات العاصمة الآشورية
على الضفة الشرقية لنهر دجلة، مقابل مدينة الموصل الحالية، تقع بقايا مدينة نينوى الآشورية، التي قامت على تلّي قوينجق والنبي يونس، وكانت نينوى عاصمة للإمبراطورية الآشورية الحديثة وأحد أهم المراكز السياسية والعسكرية في الشرق الأدنى القديم.
أحاط بالمدينة سور دفاعي ضخم امتد لنحو 12 كيلومترًا، وتخللته بوابات رئيسية، من بينها نركال وشمش وماشكي وآشور، ولم يكن السور مجرد جدار محيط بالمدينة، بل منظومة دفاعية متكاملة ضمت الأسوار والأبراج والبوابات والخنادق، صُممت لحماية العاصمة ومراقبة الطرق المؤدية إليها.
بلغت التحصينات أوج تطورها في عهد الملك سنحاريب، الذي حكم في أواخر القرن الثامن وأوائل القرن السابع قبل الميلاد، وجعل نينوى عاصمة للإمبراطورية ووسع عمرانها ومنشآتها الدفاعية.
وتكوّنت أجزاء من منظومة التحصين من قواعد حجرية تعلوها جدران من اللبن، تدعمها أبراج دفاعية موزعة على امتداد السور، فيما شكلت البوابات نقاطًا استراتيجية للتحكم في حركة الأشخاص والبضائع والجيوش.
وسقطت نينوى عام 612 ق.م على يد تحالف مادي-بابلي، لتتعرض أجزاء واسعة منها للدمار والحريق، ومع مرور القرون تآكلت أجزاء من أسوارها وتحول الموقع إلى أطلال، قبل أن تكشف أعمال التنقيب الأثري منذ القرن التاسع عشر عن جانب كبير من معالم المدينة القديمة.
الأضرار لم تتوقف عند حدود الزمن القديم؛ إذ تعرضت بعض بوابات نينوى وأجزاء من تحصيناتها للتخريب خلال سيطرة تنظيم داعش على الموصل بين عامي 2014 و2017، قبل أن تبدأ جهود عراقية ودولية لتوثيق المواقع المتضررة وترميم عدد منها.
باشطابيا.. حصن الموصل المطل على دجلة
في الجانب الأيمن من الموصل القديمة، وعلى مرتفع يشرف على نهر دجلة، تقع قلعة باشطابيا، إحدى أبرز المنشآت الدفاعية المرتبطة بتاريخ المدينة.
تعود جذور القلعة، وفق روايات تاريخية، إلى عصور إسلامية مبكرة، قبل أن تتطور تحصيناتها وتتعرض لإعادة البناء والترميم خلال مراحل تاريخية مختلفة، وصولًا إلى العهد العثماني، عندما أضيفت إليها عناصر دفاعية تتناسب مع تطور الأسلحة وأساليب الحرب.
وساعد موقعها المرتفع على مراقبة نهر دجلة والمداخل المؤدية إلى الموصل، بينما اعتمد تصميمها على برج أسطواني بارز إلى جانب غرف ومنشآت دفاعية أخرى.
وبرز دور باشطابيا خلال حصار نادر شاه للموصل عام 1743، حين كانت جزءًا من منظومة الدفاع عن المدينة، ومنذ ذلك الحين ارتبط اسمها في الذاكرة الموصلية بتاريخ مقاومة الحصارات والجيوش التي حاولت السيطرة على المدينة.
ومع تطور تقنيات الحرب تراجع دور القلعة العسكري، لكنها احتفظت بقيمتها التاريخية والرمزية، كما تعرضت لأضرار وإهمال خلال العقود الأخيرة، لتتحول بعد ذلك إلى أحد المواقع التي ترتبط جهود حمايتها وإعادة تأهيلها باستعادة المشهد التراثي لمدينة الموصل.
قلعة تلعفر.. حصن المدينة وذاكرتها
إلى الغرب من الموصل، تقع قلعة تلعفر فوق تل مرتفع في قلب المدينة، في موقع منحها أهمية استراتيجية بحكم إشرافها على المنطقة والطرق الممتدة باتجاه سوريا وتركيا، وبمرور الوقت لم تعد القلعة مجرد منشأة دفاعية، بل أصبحت جزءًا من هوية المدينة وذاكرتها.
يرتبط الشكل الحالي للقلعة بصورة أساسية بالعهد العثماني، ولا سيما خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، فيما تشير المعطيات التاريخية إلى وجود طبقات أقدم للاستيطان في التل الذي تقوم عليه، ما يعكس امتداد تاريخ الموقع عبر عصور مختلفة.
وضمت القلعة مباني ومرافق ونقاط مراقبة، واستخدمت لأغراض عسكرية وإدارية، ثم استمرت وظيفتها الأمنية في العصر الحديث، وبعد عام 2003 استُخدمت لأغراض شرطية وبلدية ومحلية، كما ارتبطت بالعمليات العسكرية خلال معارك تلعفر عام 2005.
جاءت أكثر مراحل القلعة قسوة خلال سيطرة تنظيم داعش على تلعفر عام 2014، فقد استخدم التنظيم الموقع لأغراض عسكرية واحتجازية، وتعرضت أجزاء منه للحفر والتخريب، قبل أن يفجّر في كانون الأول/ديسمبر من العام نفسه أجزاء واسعة من أسواره، خصوصًا في الجهتين الشمالية والغربية، ما أدى إلى انهيار قطاعات كبيرة منها.
وفي صيف 2017 استعادت القوات العراقية مدينة تلعفر، ورفعت العلم العراقي فوق القلعة، في مشهد حمل دلالة رمزية على انتهاء سيطرة التنظيم على المدينة، إلا أن استعادة الموقع عسكريًا لم تعنِ استعادة القلعة نفسها؛ فقد بقيت أجزاء واسعة منها مهدمة، وأصبحت إعادة تأهيلها ملفًا تراثيًا يحتاج إلى التوثيق والدراسات والتمويل وأعمال الترميم المتخصصة.
ثلاث طبقات من تاريخ التحصين
تكشف حصون نينوى وباشطابيا وتلعفر عن مراحل مختلفة من تاريخ الدفاع عن مدن شمال العراق، ففي نينوى الآشورية ظهرت منظومة دفاعية هائلة تحيط بعاصمة إمبراطورية، بينما مثّلت باشطابيا حصنًا استراتيجيًا لحماية الموصل ومراقبة دجلة، في حين جمعت قلعة تلعفر بين الوظائف العسكرية والإدارية واستمرت في أداء أدوار أمنية حتى العصر الحديث.
ومع اختلاف الأزمنة، ظل الموقع الجغرافي عاملًا مشتركًا بينها؛ فالمرتفعات والأنهار والطرق التي تربط العراق بمحيطه الإقليمي جعلت من هذه المواقع نقاطًا مناسبة للمراقبة والدفاع والسيطرة.
أهمية هذه الحصون لم تعد عسكرية، فقد تحولت من منشآت لحماية المدن إلى شواهد على تاريخها؛ فأسوار نينوى توثق قوة إحدى أبرز إمبراطوريات العالم القديم، وباشطابيا تستحضر تاريخ الموصل وحصارها، بينما تختصر قلعة تلعفر مراحل متعاقبة من تاريخ المدينة وصولًا إلى الصراعات الحديثة التي طالتها.
ومن هنا، فإن حماية هذه المواقع وترميم ما يمكن ترميمه منها لا يتعلق بالحفاظ على أبنية قديمة فحسب، بل بصون الذاكرة المادية لمدن شمال العراق، وإبقاء الشواهد التي تساعد الأجيال المقبلة على قراءة تاريخ المنطقة، بما حمله من إمبراطوريات وحصارات وتحولات سياسية وعسكرية متعاقبة.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام