في أواخر تشرين الأول/أكتوبر 2014، ومع سيطرة تنظيم "داعش" على مناطق في محافظة الأنبار، بدأت حملة إعدامات وملاحقات استهدفت أبناء عشيرة البو نمر، التي قاوم أفرادها التنظيم وساندوا القوات الأمنية العراقية وقوات الصحوة.
وتوزعت عمليات القتل بين هيت ومناطق محيطة بها، والرمادي والصحراء القريبة من بحيرة الثرثار وحديثة، وشملت رجالاً ونساءً وأطفالاً، فضلاً عن أشخاص ارتبطوا بالقوات الأمنية أو عُدّوا من معارضي التنظيم.
وفي أيلول/سبتمبر 2024، خلص تقييم أممي إلى وجود أسباب للاعتقاد بأن تنظيم "داعش" ارتكب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق أفراد من العشيرة ومجتمعات سنية في مناطق من الأنبار خلال الفترة بين عامي 2014 و2016.
وبعد اثني عشر عاماً، لا تزال المجزرة حاضرة في مطالب العشيرة وذوي الضحايا، الذين يطالبون باستكمال التعويضات والمستحقات المالية، وتوثيق أسماء الضحايا والمفقودين، وإنشاء نصب تذكاري يحفظ ذكراهم.
المواجهة مع "داعش" وسقوط مناطق العشيرة
تعود المواجهة إلى الفترة التي حاول فيها تنظيم "داعش" توسيع سيطرته في الأنبار، حيث واجهه أفراد من عشيرة البو نمر، وهي من العشائر التي سبق أن شاركت في قتال تنظيم القاعدة ضمن حركة الصحوة، ثم عارضت تمدد "داعش".
ووفقاً لتقرير فريق التحقيق الأممي لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من جانب "داعش" يونيتاد (UNITAD)، استمرت هجمات التنظيم في مناطق العشيرة منذ أواخر عام 2013، إلى أن سيطر بصورة كاملة على المنطقة يومي 23 و24 تشرين الأول/أكتوبر 2014.
وبعد سقوط مناطق العشيرة، بدأ التنظيم باعتقال أفراد منها وإعدامهم في مواقع متفرقة من الأنبار، وذكر تقرير يونيتاد أن معظم من اعتُقلوا وتعرضوا للتعذيب والقتل كانوا من منتسبي القوات الأمنية العراقية أو المرتبطين بالصحوة، أو من أفراد أسرهم.
كما وثق حالات تهجير قسري لأفراد من العشيرة، بينهم نساء وأطفال، والاستيلاء على ممتلكات أو تدميرها، فضلاً عن منع بعض الأسر من استعادة جثث أقاربهم ودفنهم.
وتشير تقارير صحفية معاصرة للأحداث إلى أن أبناء العشيرة واجهوا نقصاً في الذخيرة والإمدادات خلال المواجهة، بحسب ما نشرته رويترز في 2 تشرين الثاني/نوفمبر 2014.
نفاد الذخيرة وغياب الإسناد الحكومي.. البو نمر في مواجهة مصيرها وحدها
لم يكن سقوط مناطق البو نمر بيد تنظيم "داعش" مجرد نتيجة لتقدم عسكري، بل ارتبط أيضاً بما تحدثت عنه روايات من أبناء العشيرة ومصادر معاصرة بشأن نقص الدعم والإسناد خلال المواجهة.
فبعد أشهر من مقاومة التنظيم، واجه المقاتلون حصاراً ونفاداً للذخيرة، في وقت لم يصلهم فيه الدعم الذي كانوا يحتاجونه لمواصلة القتال، ومع تراجع قدرتهم على الصمود، تمكن "داعش" من دخول مناطقهم، لتبدأ عمليات انتقام وإعدامات جماعية طالت رجالاً ونساءً وأطفالاً.
وتعزز هذه الروايات تقارير صحفية نُشرت آنذاك؛ إذ نقلت وكالة رويترز عن الشيخ نعيم الكعود، أحد شيوخ البو نمر، قوله إنه طلب مراراً من الحكومة المركزية والجيش تزويد مقاتلي العشيرة بالسلاح، من دون اتخاذ إجراء كافٍ، فيما نقلت صحيفة واشنطن بوست عنه وصفه شعور أبناء العشيرة بأنهم "تُركوا وأُهملوا".
كما أشار تقرير لمؤسسة كارنيغي إلى أن الدعم الحكومي للعشائر في الأنبار كان أقل بكثير مما تتطلبه مواجهة تنظيم "داعش"، مستشهداً بحالة البو نمر حين نفدت ذخيرتهم ومؤنهم، وتضع هذه الشهادات مسألة التخلي الحكومي عن العشيرة في صلب التساؤلات التي رافقت المجزرة.
إعدامات جماعية في هيت ورأس الماء
لم تقع المجزرة في يوم واحد أو في موقع منفرد، بل توزعت الإعدامات على حوادث متتابعة خلال أواخر تشرين الأول وتشرين الثاني/نوفمبر 2014، ففي 29 تشرين الأول/أكتوبر، وثق تقييم يونيتاد إعدام 48 من أبناء العشيرة في وسط مدينة هيت، ضمن سلسلة من عمليات القتل التي استهدفت أفراداً عُدّوا معارضين للتنظيم.
وفي قرية رأس الماء شمالي الرمادي، أفادت تقارير صحفية نشرتها وكالة أسوشيتد برس في 1 و2 تشرين الثاني/نوفمبر 2014 بأن مسلحي داعش أعدموا ما لا يقل عن 50 شخصاً من أبناء العشيرة، بينهم 40 رجلاً وست نساء وأربعة أطفال، بعد اصطفافهم وإطلاق النار عليهم.
كما أكد الشيخ نعيم الكعود أن التنظيم اختطف أيضاً 17 شخصاً في ذات الحادثة، كما أوردت تقارير أخرى في الأيام نفسها حصائل مختلفة لعمليات قتل إضافية، ما يعكس تعدد الحوادث وعدم استقرار الأرقام المعلنة آنذاك.
وفي 3 تشرين الثاني/نوفمبر، قتل التنظيم 36 شخصاً آخرين، بينهم نساء وأطفال، في قرية رأس الماء، بينما أفادت مصادر عشائرية وأمنية أعداداً مختلفة للضحايا والمفقودين، وتؤكد هذه التقارير أن عمليات الإعدام تكررت على مدى أيام، وأن حصائل القتلى التي أُعلنت تباعاً كانت تتغير مع ورود معلومات عن مواقع جديدة للقتل أو اكتشاف جثث إضافية.
شهادات الناجين وملاحقة الفارين
في 6 تشرين الثاني/نوفمبر 2014 كشفت شهادات عن ظروف ملاحقة أفراد العشيرة أثناء محاولتهم الفرار من مناطق سيطرة "داعش"، وروى، أحد أبناء العشيرة، أنه كان ضمن مجموعة اختبأت في أعشاب مرتفعة، قبل أن تكشف أضواء سيارات التنظيم مكانهم، وأطلق المسلحون النار على المجموعة، فقُتل معظم أفرادها، فيما أُسر آخرون.
وقال إنه أصيب في ذراعه وساقه، وتمكن من النجاة بعدما غطى جسده بالدماء وتظاهر بالموت بين الجثث، وأضاف أنه شاهد جثثاً أخرى، بينها جثث أطفال وكبار في السن، ملقاة على جانب الطريق.
وتقدم هذه الشهادة صورة عن ملاحقة الفارين واستهداف أشخاص لم يعودوا في وضع يسمح لهم بالمقاومة، كما توثق الظروف التي واجهها بعض الناجين أثناء محاولتهم الوصول إلى مناطق أكثر أمناً.
وتتوافق هذه الشهادات مع ما أورده تقييم يونيتاد لاحقاً عن اعتقال أفراد من العشيرة وتعذيبهم وقتلهم، وعن حالات نزوح قسري شملت عائلات بأكملها.
حصيلة الضحايا.. أرقام متعددة ونطاقات مختلفة للتوثيق
تباينت أعداد الضحايا التي أُعلنت خلال المجزرة وبعدها، نتيجة تعدد مواقع القتل، واستمرار ورود البلاغات عن المفقودين، وصعوبة الوصول إلى المناطق التي سيطر عليها التنظيم.
وفي 2 تشرين الثاني/نوفمبر 2014، أعلنت وزارة حقوق الإنسان العراقية مقتل 322 شخصاً بينهم نساء وأطفال عُثر على جثث بعضهم داخل بئر، فضلا عن مقتل 70 بهجوم انتقامي، وفي الفترة نفسها، تحدث زعماء عشائريون عن استمرار عمليات القتل وعن صعوبة الوصول إلى المناطق التي سيطر عليها التنظيم.
وفي تقارير معاصرة أخرى، تحدث شيوخ عشائر ومسؤولون عن مقتل مئات الأشخاص خلال أيام، وعن مئات آخرين لم يُعرف مصيرهم.
وأفاد تحقيق أممي صدر في آذار/مارس 2015 بمقتل 602 على الأقل من أبناء العشيرة في 6 حوادث بين أيلول/سبتمبر 2014 وكانون الثاني/يناير 2015، كما نقل التقرير عن تقييم يونيتاد الصادر في أيلول/سبتمبر 2024 تقديرات لممثلين عن العشيرة تفيد بأن نحو 1200 شخص، بينهم نساء وأطفال، قُتلوا أو فُقدوا خلال حملة التنظيم الأوسع ضدها.
التقييم القانوني الأممي.. جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية
في 10 أيلول/سبتمبر 2024، سلّم فريق التحقيق الأممي لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من جانب "داعش" تقريره بشأن الجرائم التي استهدفت أفراد عشيرة البو نمر إلى مجلس القضاء الأعلى العراقي، ضمن مجموعة من التقارير والأدلة التي أعدها الفريق قبل انتهاء ولايته، ونشرت الأمم المتحدة خلاصة التقييم في 14 أيلول/سبتمبر 2024.
وخلص التقرير إلى أن تنظيم "داعش" ارتكب، بين عامي 2014 و2016، جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق أفراد من البو نمر ومكونات من المجتمع السني في مناطق من الأنبار، وشملت الجرائم التي تناولها التقييم القتل والتعذيب والسجن والنقل القسري والاضطهاد، إلى جانب أفعال أخرى صنفها التقرير ضمن الجرائم الدولية.
واستند التحقيق إلى شهادات ناجين وشهود عيان، وأدلة سمعية وبصرية، وأدلة وثائقية وتحليلات جنائية ومعلومات من مصادر مفتوحة، كما تناول نطاقاً جغرافياً شمل المناطق الواقعة بين هيت ونهر الفرات وبحيرة الثرثار في صحراء الجزيرة.
ووضع الفريق التحقيق تحت تعبير وجود "أسباب معقولة للاعتقاد" وذلك يعني أن فريق التحقيق وجد أساساً يدعم استنتاجاته وفق معيار التقييم الذي اعتمده؛ لكنه لا يمثل حكماً قضائياً نهائياً بإدانة أشخاص محددين، وقد سُلّمت الأدلة إلى السلطات القضائية العراقية لتوظيفها في إجراءات المساءلة وفق القانون.
الذكرى الثانية عشرة.. مطالب بالتعويض وتخليد الضحايا
في 28 تشرين الأول/أكتوبر 2026، أحيت عشيرة البو نمر الذكرى الثانية عشرة للمجزرة في ناحية الفرات التابعة لقضاء هيت بمحافظة الأنبار، بحضور النائب الأول لمحافظ الأنبار، وأعضاء من مجلس المحافظة ومسؤولين محليين وشيوخ عشائر وعائلات الضحايا، وجدد المشاركون مطالبهم بإنصاف ذوي الضحايا وصرف المستحقات المالية المتوقفة، وإنشاء نصب تذكاري يوثق المجزرة ويحفظ أسماء القتلى وذكراهم للأجيال المقبلة.
كما طالب شيخ العشيرة سمير الدليمي استكمال التعويضات والامتيازات القانونية والمالية المستحقة، وتوفير الدعم المعيشي والاجتماعي للأسر المتضررة، كما أكد الناشط المدني يوسف سعد أهمية توثيق ما جرى وحفظ أسماء الضحايا وقصصهم، مشيراً إلى ضرورة أن تقترن مراسم إحياء الذكرى بإجراءات عملية لمتابعة حقوق العائلات.
وتعكس هذه المطالب استمرار الأعباء التي تواجهها أسر الضحايا بعد سنوات من وقوع المجزرة، ولا سيما في ما يتعلق بالتعويضات والحقوق المالية والتوثيق، كما تضع ملف المفقودين والتعرف على الرفات ضمن القضايا التي تحتاج إلى متابعة من الجهات المختصة، إلى جانب استكمال الإجراءات القضائية المتعلقة بالأدلة التي جُمعت عن الجرائم.
ملف مفتوح بعد اثني عشر عاماً
لا تقتصر مجزرة البو نمر على وقائع الإعدام الجماعي التي شهدتها الأنبار في خريف 2014، بل تشمل سلسلة من الجرائم التي امتدت إلى الاعتقال والتعذيب والاختفاء والتهجير القسري، وتركت آثاراً مستمرة في حياة عائلات الضحايا والناجين. وقد وفّر التحقيق الأممي إطاراً قانونياً لتوثيق جانب من هذه الجرائم، وأحال الأدلة إلى القضاء العراقي، فيما تواصل العائلات المطالبة بالتعويضات وتحديد مصير المفقودين وتخليد الضحايا.
وبعد اثني عشر عاماً على بدء عمليات القتل، تبقى دقة توثيق أسماء الضحايا، والتمييز بين القتلى والمفقودين والتقديرات الإجمالية، ومتابعة الأدلة والإجراءات القضائية، عناصر أساسية في حفظ سجل المجزرة، كما أن مطالب العائلات التي تجددت في ذكرى عام 2026 تُظهر أن إحياء الذكرى يرتبط، بالنسبة إلى ذوي الضحايا، بمسائل الحقوق والإنصاف والتوثيق، وليس باستعادة الأحداث وحدها.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام