12:10:05 2026-02-26 : اخر تحديث
11:58:31 2026-02-26 : نشر في
سعد عواد - شبكة الساعة
لم تعد قضية ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة العراقية مجرد ملف داخلي تتداوله الكتل البرلمانية في أروقة المفاوضات المغلقة، بل تحولت في غضون أسابيع قليلة إلى اختبار حقيقي لقدرة القوى الشيعية على صون تماسكها في مواجهة ضغوط خارجية غير مسبوقة منذ سنوات.
وبعد أن أعلن الإطار التنسيقي رسمياً ترشيح زعيم ائتلاف دولة القانون، تكشّف المشهد على انقسام غير متوقع في عمقه وسرعته، يدفع بالسؤال إلى الواجهة: هل بات المالكي أول ضحايا الضغط الأميركي على العراق؟
في مواجهة موجة الضغوط اختار المالكي خط الثبات علناً، وفي مقابلة مع وكالة الصحافة الفرنسية، كان صريحاً حين قال: "لا نية عندي للانسحاب أبداً؛ لأن لي احترامي للدولة التي أنتمي إليها ولسيادتها وإرادتها، وليس من حق أحد أن يقول لا تنتخبوا فلاناً وانتخبوا فلاناً".
أكثر من ذلك، حرص المالكي على توظيف ورقة تقاطع المصالح مع واشنطن، إذ أكد أن "مطلب حصر السلاح بيد الدولة الذي ترفعه الإدارة الأميركية هو في الحقيقة موقفه الثابت منذ سنوات"، قائلاً: "نحن نريد جيشاً واحداً تحت قيادة واحدة ومؤتمراً بأمر الدولة بشكل مباشر، من دون تعدد في إدارة السلاح الموجود".
كما أعلن عن رفضه لأي تعدٍّ على المقار الدبلوماسية في العراق من قِبَل أي جهة، في رسالة ضمنية للأميركيين بأنه ليس الخصم الذي يصورونه.
غير أن مسعى المالكي في تقديم نفسه شريكاً لا خصماً اصطدم بجدار واشنطن، فالرسائل الأميركية لم تكن تبحث عن تطمينات، بل كانت تضع شرطاً واحداً: اسم آخر.
الرسالة الأميركية لم تأتِ عبر القنوات الدبلوماسية المعتادة فحسب، بل سبقتها تغريدة علنية من الرئيس دونالد ترامب قبيل الترشيح الرسمي، إذ كتب على منصة "تروث سوشيال" أنه "سمع معلومات تفيد بإمكانية أن يتخذ العراق خياراً سيئاً للغاية"، محذراً من أن "سياسات المالكي أدت إلى تدهور الأوضاع في العراق ولا ينبغي السماح بحدوث ذلك مرة أخرى".
ثم جاءت رسالة وزير الخارجية ماركو روبيو إلى رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، إذ أبلغه أن أي حكومة في بغداد تسيطر عليها إيران لا يمكنها وضع مصالح العراق في المقام الأول، وتضر بالعلاقات مع الولايات المتحدة.
وعلى مستوى أكثر تفصيلاً، أكدت وزارة الخارجية العراقية تلقيها رسائل أميركية شفوية تتضمن رفض ترشيح المالكي، مع تلويح صريح بعقوبات تستهدف أفراداً ومؤسسات عراقية، وتهديد بإعادة النظر في طبيعة العلاقة الأميركية-العراقية برمتها.
وتولى المبعوث الأميركي توم براك نقل هذه الرسائل مباشرةً حين التقى بالسوداني في بغداد، فيما أشارت مصادر إلى أن واشنطن حددت مهلة لاستبدال المالكي بمرشح آخر، وتنتهي يوم الجمعة.
الباحث السياسي إبراهيم الصميدعي كان حاسماً في تقييمه؛ إذ أشار إلى أن "الرسالة الأميركية فيها عقوبات تصل إلى شخصيات ومؤسسات"، مبيناً أن "كل من يتحدث عن عدم الاستجابة للمطالب الأميركية غير واقعي"، مؤكداً أن "الولاية الثالثة للمالكي أصبحت بحكم الماضي".
ومن جهته حذّر رئيس تحالف الصقور يزن مشعان الجبوري من أن "العقوبات الأميركية ستعيدنا إلى حصار التسعينات وهي صورة قاسية كفيلة بإيقاظ ذاكرة جماعية مؤلمة عميقاً في الوجدان العراقي".
هذا الضغط الخارجي المتصاعد لم يبقَ عند حدود بغداد-واشنطن؛ بل وجد طريقه إلى القلب الشيعي نفسه، وبدأ يُنتج تشققات لم تكن مرئية قبل أسابيع.
ربما كان الأكثر كشفاً في هذه الأزمة ليس الموقف الأميركي في حد ذاته، بل السرعة التي تحولت بها هذه الضغوط إلى تصدعات داخل بنية الإطار التنسيقي فقد كشفت مصادر متعددة لصحيفة الشرق وتابعتها شبكة "الساعة" عن أن "جبهة الرافضين لترشيح المالكي باتت تضم 6 أعضاء من أصل 12 يشكلون قوام الكتلة الأكبر في البرلمان، وهم: الأمين العام لعصائب أهل الحق قيس الخزعلي، ورئيس تيار الحكمة الوطني عمار الحكيم، ورئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، ورئيس تحالف النهج الوطني عبد الحسين الموسوي، ورئيس كتلة السند أحمد الأسدي، ورئيس ائتلاف النصر حيدر العبادي".
موقف هؤلاء الستة يقوم، وفق المصادر، على "قناعة بضرورة تجنّب الدفع بمرشح قد يواجه صعوبة في تمرير حكومته داخل مجلس النواب أو يعمّق الانقسام داخل الإطار في ظل تعقيدات المشهد السياسي وحساسية التفاهمات مع القوى الكردية والسنية".
وأبعد من ذلك ذهب النائب كاظم الشمري من تحالف خدمات إلى القول إن "90% من الإطار التنسيقي يرفض ترشيح المالكي، في حين أكد القيادي في تيار الحكمة الوطني حسن فدعم أن "أكثر من نصف الإطار يرفض تمرير المالكي"، مضيفاً أن "الموقف الأميركي عقّد المشهد بترشيح المالكي".
اللافت أن تحالف الإعمار والتنمية برئاسة السوداني، الذي كان من أوائل الداعمين للترشيح، بات يدعو صراحةً إلى إعادة التقييم، وكتب رئيس الكتلة بهاء الأعرجي على منصة "إكس" أن "الرفض المحلي والإقليمي والدولي لترشيح المالكي يفرض ضرورة إعادة تقييم الأدوات والآليات بمنأى عن الانحيازات والمصالح الشخصية".
وقد جاءت هذه المراجعة المعلنة متزامنةً مع اجتماعات مكثفة بين أقطاب الإطار قبيل وصول المبعوث الأميركي توم براك إلى بغداد، في ما بدا تهيؤاً لمرحلة جديدة.
لكن الصورة الرسمية لقيادات الإطار لا تعكس بالضرورة ما يُقال بعيداً عن الكاميرات، ثمة أصوات من داخل التحالف بات بعضها يتحدث بصراحة غير معتادة.
في خضم هذا الانقسام، برزت أصوات داخل الإطار تكشف عن عمق الأزمة بصورة أكثر صراحة مما تُقرّه القيادات الرسمية، المتحدثة باسم كتلة بدر النيابية النائبة زهراء لقمان عبّرت عن استيائها من فشل الإطار في حسم الملف، مؤكدةً أن "القوى العشر التي دعمت ترشيح المالكي داخل الإطار انسحبت وبقي ائتلاف دولة القانون وحده يريد المالكي رئيساً للوزراء".
وقالت لقمان بوضوح إن "الإطار أخفق في التوصل إلى اتفاق نهائي"، مضيفةً أن "وقت المفاوضات انتهى والقرار الآن بيد الإطار"، محذرةً من أن "البلاد مقبلة على تحديات اقتصادية"، مشيرةً إلى أن "الإطار قادر عدديًا على تمرير أي مرشح داخل مجلس النواب في حال الاتفاق عليه".
الأكثر دلالةً جاء من المتحدث باسم تحالف خدمات حسام الربيعي، الذي قوّض الرواية الرسمية لمعسكر المالكي من الداخل حين أكد أن "خطاب المالكي الرافض للانسحاب كان موقفاً فردياً ولم يعبر عن رأي جميع القوى التي أعلنت تأييدها له"، مبيناً أن "المرحلة الحالية تتطلب خطاباً توافقياً ينسجم مع طبيعة الاستحقاقات".
وأشار إلى أن 'غياب البرنامج الواضح أحد الأسباب التي دفعت بعض الأطراف إلى عدم تبني الترشيح بصورة نهائية".
في المقابل، لا تزال جبهة المؤيدين تتحدث عن أغلبية، القيادي في دولة القانون جاسم محمد جعفر أكد أن "سحب الثقة يستلزم موافقة 80% من كتل الإطار وأن غالبية قوى الإطار حتى الآن مع ترشيح المالكي".
وفيما تتصاعد هذه الأصوات الداخلية، دخل على الخط عامل يتجاوز حسابات الكتل ويمس بنية الشرعية الدينية التي طالما شكّلت سقفاً للسياسة الشيعية في العراق.
في تطور لافت أضاف ثقلاً رمزياً استثنائياً إلى المشهد، أفاد ائتلاف النصر برئاسة حيدر العبادي، نقلاً عن تقرير لوكالة "مونت كارلو"، بوصول رسالة من المرجع الديني الأعلى علي السيستاني تطلب بوضوح إلغاء ترشيح المالكي تجنباً لمواجهة مع الولايات المتحدة، وأشار الائتلاف إلى أن الإطار التنسيقي اتخذ قراراً بإلغاء الترشيح، وأن الإعلان عنه مسألة وقت.
وتكشف المعلومات التي نقلها ائتلاف العبادي أن "توجه الإطار لإلغاء الترشيح يعود إلى تطورين متزامنين، انتهاء المهلة الأميركية الممنوحة للإطار لاستبدال المالكي، ووصول رسالة السيستاني".
ويدور السجال السياسي داخل الإطار، وفق المصادر ذاتها، حول آلية الإعلان لا حول القرار نفسه، بين أن يُعلن المالكي انسحابه شخصياً أو أن يصدر القرار رسمياً عن الإطار، وتشير المصادر إلى أن "عدداً من قادة الإطار يفضلون الإعلان قبل أي هجوم عسكري أميركي محتمل ضد إيران".
السؤال الأدق في هذه المرحلة ليس هل سيبقى المالكي مرشحاً؟ بل ما الثمن السياسي لكل خيار متاح؟ وهنا تتباين المسارات ليس في الشكل، بل في ما تعنيه لموازين القوى الشيعية على المدى البعيد.
المسار الأول وهو الأعلى احتمالاً في ضوء المعطيات، أن تنجح الأطراف المعارضة في تجميع 8 أعضاء لسحب الترشيح رسمياً والدفع بالسوداني مرشحاً للولاية الثانية هذا المسار يُريح الإطار من الضغط الخارجي لكنه يُفتح على سؤال عميق: ما الضمانات التي سيطلبها المالكي في مقابل القبول بالتنحي؟ وكيف سيُعاد ترتيب التوازن داخل الإطار بعد أن يكشف هذا المشهد عن حجم عزلته السياسية؟
المسار الثاني أن تنتهي المهلة الأميركية دون حسم، مما يضع الإطار أمام استحقاق مختلف تماماً اختيار بين المضي بالمالكي ومواجهة العقوبات أو التراجع تحت الضغط وما يعنيه ذلك من اعتراف علني بأن القرار السيادي العراقي يقف عند حدود التغريدة الأميركية، هذا المسار هو الأكثر تكلفةً على الجميع، ولا يبدو أن أحداً داخل الإطار يريده فعلاً.
أما المسار الثالث الأكثر دقةً سياسياً أن يُعلن المالكي انسحابه بصياغة يختارها هو، قبل أن يُفرض عليه بصياغة يختارها الآخرون، هذا الخيار يحفظ ماء وجهه ويُبقيه لاعباً مؤثراً في تشكيل الحكومة القادمة بدلاً من أن يكون طرفاً خارجها، غير أنه يتطلب تحولاً في الخطاب أبدى المالكي حتى الآن إحجاماً واضحاً عن الاقتراب منه.
ما يجمع المسارات الثلاثة هو أن البيت الشيعي دخل مرحلة لن تعود بعدها حسابات الترشيح كما كانت، الضغط الأمريكي كشف هشاشة التوافق الداخلي، وأثبت أن الكتلة الأكبر في البرلمان تستطيع أن تتفق على اسم لكنها لا تستطيع دائماً أن تحمي هذا الاسم من الخارج وهذه معادلة ستظل مفتوحة في الاستحقاقات القادمة، بغض النظر عن مآل هذه الأزمة.
في السياسة العراقية التي اعتادت المناورة حتى اللحظة الأخيرة، تتراكم المؤشرات باتجاه واحد؛ فالثمن السياسي لاستمرار هذا الترشيح يرتفع بوتيرة تفوق قدرة مؤيديه على الدفاع عنه، ومع ذلك يبقى الحديث عن تحول المرشح إلى ضحية محسومة سابقاً لأوانه، إذ لم يُسحب الترشيح رسمياً بعد، ولا تزال خارطة الإطار التنسيقي في طور إعادة التشكل غير أن ما يبدو واضحاً حتى الآن هو أن واشنطن نجحت في نقطة أساسية، تحويل هذا الترشيح من ورقة قوة لدى داعميه إلى عبء سياسي عليهم قبل أن يكون مكسباً لمن يدفع باتجاهه.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على التليكرام2024-07-24 11:29:54
محامية عراقية ضمن حملة ترامب!
2024-07-24 11:25:30
الحكومة العراقية تنفي صلتها بصفحات "التطبيل"
2024-07-24 11:21:23
طائرات مسيرة تجوب سماء العاصمة بغداد وتقصف مخزن أسلحة يتبع فصيلا مسلحا
2024-07-24 11:17:27
اتهامات للسياسيين السنة بالمتاجرة بنازحيهم