بعد استكمال التصويت على مرشحي الوزارات الشاغرة والمستحدثة ونواب رئيس الوزراء من قبل البرلمان العراقي، باتت قضية تعديل الدستور من أبرز الملفات التي تطرح في هذه المرحلة، وذلك لمعالجة الأخطاء التي تجذرت طيلة العقدين الماضيين وانحرفت بسببها العملية السياسية في البلاد عن مسارها الصحيح.
ولم تأت الدعوة لتعديل الدستور هذه المرة من جهات سياسية أو برلمانية أو شعبية، وإنما من أعلى سلطة عراقية والمتمثلة برئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي فائق زيدان، الذي دعا مجلس النواب إلى مراجعة الدستور وإجراءات التعديلات اللازمة عليه ولا سيما في المواد والفقرات الجدلية.
وأكد القاضي زيدان في بيان بمناسبة الذكرى الـ 21 للاستفتاء على الدستور والذي جرى في ظل الغزو الأمريكي للعراق عام 2005، أن احترام الدستور والتمسك به يقتضيان معالجة مواطن الخلل وتحديث بعض نصوصه، بعد مرور أكثر من عقدين على صياغته في ظروف انتقالية دقيقة وحساسة.
وقال زيدان: إن "التجربة كشفت عن إشكالات في تطبيق الدستور وتفسيره أسهمت في تعطيل استحقاقات دستورية، أبرزها ما يتعلق بالأغلبيات البرلمانية وانتخاب رئيس الجمهورية وتحديد الكتلة النيابية الأكثر عدداً وغيرها من الفقرات الجدلية".
وشدد زيدان على أن "مجلس النواب اليوم أمام مسؤولية وطنية وتاريخية لمراجعة هذه الأحكام وإجراء التعديلات اللازمة، وفق الآليات التي رسمها الدستور، وبما ينسجم مع القانون وإرادة الشعب، إلى جانب تحديث التشريعات بما يواكب متطلبات الدولة وتطور تجربتها الديمقراطية، ويعزز سيادة الدولة والقانون، ويقوي مؤسساتها، ويصون حقوق المجتمع وحريات الأفراد في ظل النظام الديمقراطي التعددي".
دستور جامد وآليات تعديل معقدة
لكن تعديل الدستور العراقي هدف لا يمكن بسهولة الوصول إليه، على اعتبار أن الدستور في العراق من الدساتير الجامدة والتي يتطلب تعديلها آليات طويلة ومعقدة، وذلك ما يراه الخبير القانوني علي التميمي، الذي أكد أن الدستور العراقي لسنة 2005 من الدساتير الجامدة وليس المرنة، وهذا يعني من الناحية الفقهية أن إجراءات تعديله ليست سهلة ولا تخضع للأغلبية البسيطة، بل تتطلب آليات طويلة ومعقدة رسمها الدستور نفسه.
وقال التميمي في حديث لشبكة "الساعة": إن "الدستور العراقي عالج موضوع تعديل الدستور في مادتين محوريتين هما المادة 142 والمادة 126، وبينهما ترابط وثيق أكدته المحكمة الاتحادية العليا".
وأضاف أن "المحكمة الاتحادية قضت بقرارها المرقم 54 / اتحادية / 2017 بأن تطبيق المادة 142 هو الأساس والمدخل الإلزامي لأي تعديل دستوري"، مبينا أن "هذه المادة التي كان من المفترض أن تطبق خلال الأشهر الأربعة الأولى من تشكيل أول برلمان منتخب، نصت على تشكيل لجنة برلمانية تتولى اقتراح التعديلات الضرورية على الدستور، وبالفعل شكلت تلك اللجنة وقدمت تقريرها المتضمن تعديل نحو 50 مادة، إلا أن هذا التقرير جمد ولم يعرض على الاستفتاء حتى اليوم".
وتابع أن "الآلية الإجرائية للتعديل تتطلب موافقة البرلمان على تلك التعديلات بالأغلبية المطلقة، أي نصف العدد الكلي لأعضاء المجلس زائد واحد بعد تحقق النصاب، ثم يعرض التعديل على الشعب في استفتاء عام، ولا يعد نافذا إلا إذا وافق عليه نصف المصوتين زائد واحد، شريطة ألا يعترض عليه ثلثا المصوتين في ثلاث محافظات"، مشيرا إلى أن "هذا القيد الأخير هو ما يعرف بفيتو المحافظات، وهو ما يجعل تعديل الدستور العراقي من أصعب عمليات التعديل الدستوري في العالم".
وفيما يخص المواد التي باتت بحاجة ماسة للتعديل، أكد التميمي أنه "في مقدمتها شكل النظام السياسي برمته، إذ إن التجربة العملية للسنوات الماضية أثبتت أن النظام البرلماني الحالي بآلية الكتلة الأكثر عددا أنتج أزمات متكررة في تشكيل الحكومات وتعطيلا طويلا لمصالح الدولة، لذا فإن التحول نحو النظام الرئاسي يعد خيارا أفضل وأنسب للواقع العراقي، لأنه يحسم مصدر الشرعية عبر الانتخاب المباشر وينهي جدلية التكليف".
وشدد التميمي على أن "الخيار الثالث الأكثر واقعية في العراق هو النظام المختلط على غرار التجربة الفرنسية، حيث ينتخب رئيس الجمهورية انتخابا مباشرا من الشعب وتكون له صلاحيات واسعة وحقيقية، في حين ينتخب رئيس الوزراء من داخل البرلمان ويكون مسؤولا أمامه، إذ إن هذا النظام يجمع بين استقرار الرئاسة ومرونة العمل البرلماني وقد يكون هو الصيغة الأكثر ملاءمة لتجاوز الانسداد السياسي في العراق".
واستدرك الخبير القانوني: أن "من بين المواد التي لم تعد قابلة للاستمرار بصيغتها الحالية المادة 140 المتعلقة بالمناطق المتنازع عليها، والتي انتهت مدتها الدستورية منذ عام 2007 وبقيت دون حسم، مما خلق فراغا قانونيا وسياسيا مستمرا يتطلب معالجة دستورية جديدة وواقعية، وكذلك المادة 73 المتعلقة بصلاحيات رئيس الجمهورية، فمن الضروري إعادة النظر بها جذريا وتوسيع صلاحيات الرئيس ليكون ضامنا فعليا للدستور وحكما بين السلطات وليس مجرد منصب تشريفي، كما أن شكل البرلمان وآلية تمثيله وعدد أعضائه بحاجة إلى مراجعة شاملة بما يضمن الفاعلية التشريعية ويقلل من الترهل".
وخلص التميمي بالقول: إن "أي حديث عن تعديل الدستور خارج إطار تفعيل المادة 142 يعد حديثا غير ذي جدوى قانونية، فالطريق الدستوري الوحيد والصحيح يبدأ بإعادة إحياء تقرير لجنة التعديلات الجاهز منذ عام 2009 وعرضه على البرلمان والشعب للاستفتاء، وبغير ذلك سيبقى الدستور جامدا بجمود واقعه السياسي".
التعديل ضرورة والتطبيق أولوية
ومن وجهة نظر سياسية للدعوة إلى تعديل الدستور، يؤكد الناشط السياسي محمد عباس أن التعديل بات ضرورة إجرائية وهيكلية لسد الفراغات التي تُستغل سياسياً لإعاقة تشكيل الحكومات وتعطيل مؤسسات الدولة، لكنه شدد على أن الكثير من الجهات العراقية ترى أن المشكلة ليست في الدستور بصيغته الحالية، وإنما بغياب التطبيق الفعلي له.
وقال عباس في حديث لشبكة "الساعة": إن "دعوة القاضي زيدان الصريحة لمجلس النواب بضرورة مراجعة الدستور ومعالجة مواطن الخلل لم تأتِ من فراغ، فالقضاء العراقي يصطدم يومياً بأحكام دستورية صيغت في ظروف تأسيسية شابتها العجلة والارتباك عام 2005، مما أوجد ثغرات تسببت في انسدادات سياسية متكررة"، مبينا أن "أبرز هذه الثغرات الإشكالات المتعلقة بآلية تحديد الكتلة النيابية الأكثر عدداً، وتفاصيل نصاب ثلثي الأعضاء لانتخاب رئيس الجمهورية، وآلية تحقيق الأغلبية".
وأضاف: أن "مطالبات القضاء بتعديل الدستور هي ضرورة إجرائية وهيكلية لسد الفراغات التي تُستغل سياسياً لإعاقة تشكيل الحكومات وتعطيل مؤسسات الدولة".
لكن في المقابل، تجد القوى السنية والكردية ومعها أطراف سياسية عديدة، أن "الأزمة الأساسية تكمن في غياب التطبيق الفعلي والمخلص لفقرات الدستور النافذ"، بحسب عباس.
وأشار إلى أن "القوى الكردية تشير باستمرار إلى تعطيل مواد حاكمة ومصيرية، مثل المادة (140) الخاصة بالمناطق المتنازع عليها، وعدم تشريع قانون النفط والغاز الاتحادي، إضافة إلى إشكالات الموازنة واللامركزية".
وكذلك القوى السنية تركز على عدم تفعيل بنود متعلقة بالتوازن الوطني، والتوازن في مؤسسات الدولة الأمنية والمدنية، وإعادة النازحين، وتحقيق العدالة الانتقالية بشكل متوازن، وبحسب رأي عباس فإن "هذه القوى ترى أن فتح باب التعديلات الدستورية في ظل اختلال موازين القوى قد يُستغل لإلغاء المكتسبات أو الالتفاف على الحقوق والضمانات التي أقرها دستور 2005، بدلاً من معالجة المشكلة الأساسية وهي الانتقائية في تطبيق النصوص".
وتابع الناشط السياسي: أنه "لا يمكن لأي تعديل دستوري أن ينجح إذا لم ترافقه إرادة سياسية صادقة لتطبيق البنود المعطلة التي تحفظ حقوق جميع المكونات وتضمن المواطنة الحقيقية، ولا شك أن التعديل أصبح ضرورة ملحة فيما يخص الآلية الإجرائية لبناء الدولة (كتحديد المهل الدستورية، وآليات الكتلة الأكبر، وفصل السلطات، واللامركزية الإدارية) لضمان عدم تكبيل الدولة بالأزمات والانسدادات في كل دورة انتخابية".
وختم عباس حديثه قائلا: إن "دعوة القاضي فائق زيدان تضع الكرة في ملعب القوى السياسية ومجلس النواب للنهوض بمسؤولياتهم التاريخية، فالتعديل الدستوري يمثل مساراً علاجياً لتطوير النظام الديمقراطي العراقي ومواكبة نموه، ولكن نجاحه مشروط بالالتزام الكامل بتطبيق روح الدستور ونصوصه القائمة دون انتقائية، للوصول إلى دولة المؤسسات وسيادة القانون".
من كتب الدستور وكيف؟
وكتب الدستور العراقي برعاية وإشراف أمريكي مباشر، حيث كانت سلطة الاحتلال هي السلطة الفعلية الحاكمة في العراق، وتولت كتابته القوى الشيعية والكردية بمقاطعة من القوى السنية، الذين لم يشارك غالبية جمهورهم في الاستفتاء على الدستور أيضا بسبب الانفلات الأمني في تلك الفترة.
وكانت لجنة صياغة الدستور قد عملت على صياغة الدستور العراقي الدائم الذي تم التصويت عليه في 15 تشرين الأول عام 2005، وضمت اللجنة 55 عضوا، منهم 28 عضوا من الائتلاف العراقي الموحد الذي يضم القوى الشيعية الدينية، إلى جانب 15 عضوا من التحالف الكردستاني الذي يضم القوى الكردية، و8 أعضاء من قائمة عراقيون التي تضم شخصيات من مختلف الانتماءات العراقية، وكانت النواة التي انطلقت منها القائمة العراقية فيما بعد، إلى جانب عضو واحد ممثلا عن كل من القوى السنية والتركمانية والمسيحية".
وأبرز الأسماء التي شاركت في كتابة الدستور الحالي هم أحمد الصافي، ونوري المالكي وعلي الأديب وبهاء الأعرجي وحنين القدو وهمام حمودي وجلال الدين الصغير وسامي العسكري وعباس البياتي ونديم الجابري وعلي الصافي وخضير الخزاعي وفؤاد معصوم ويونادم كنا ووائل عبد اللطيف وعبد الرحمن النعيمي وعدنان الجنابي وحميد مجيد موسى وثامر الغضبان.
وكانت نتيجة الاستفتاء على الدستور العراقي الذي شارك فيه 63% من العراقيين هي الموافقة من قبل 78% ورفضه من قبل 21% من المشاركين.
ورفضت 3 محافظات الدستور، وكان الرفض بأغلبية الثلثين في محافظتي الأنبار وصلاح الدين، وهو ما لم يكن كافياً لإسقاط الدستور لعدم اكتمال العدد المطلوب في الرفض (3 محافظات)، في حين رفضت محافظة نينوى الدستور وبلغت نسبة الرفض 55% وهي نسبة غير كافية لمنع تمرير الدستور لأن الرفض يشترط أن يكون بأغلبية الثلثين.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام