لم يعد تلوث نهري دجلة والفرات مجرد تحذير بيئي عابر، بعدما كشفت تصريحات مسؤولين عراقيين عن تعدد مصادر التلوث، وفتحت تحقيقات برلمانية ملف التصريفات الملوثة ومخلفات المستشفيات، وسط مطالبات بتحديد الجهات المسؤولة ووضع حد لممارسات تهدد الموارد المائية والصحة العامة.
وأعاد تصريح وزيرة البيئة العراقية سروة عبد الواحد، بشأن مخلفات المستشفيات التي تلقى في نهر دجلة، الجدل حول سلامة المياه والأسماك إلى الواجهة، بعدما قالت إنها أصبحت تتردد في تناول الأسماك إثر اطلاعها على ما يطرح في النهر من مخلفات، بينها بقايا دماء مرضى قد يكون بعضهم مصاباً بأمراض خطيرة.
وفي المقابل، نفت وزارة الصحة العراقية صحة ما أثير بشأن انتقال فيروس نقص المناعة البشرية (HIV)، المسبب لمرض الإيدز، عبر المياه أو الأسماك، معتبرة أن هذا الطرح لا يستند إلى الحقائق العلمية، كما نفت رمي المخلفات الطبية في مياه الأنهار.
وأكدت وزارة البيئة، بدورها، أن الفيروس لا ينتقل عبر شرب المياه أو تناول الأسماك والأغذية، موضحة أن تحذيرات الوزيرة تتعلق بمخاطر تصريف المخلفات الطبية والمياه العادمة غير المعالجة، وضرورة التعامل معها وفق المعايير البيئية المعتمدة.
لكن حسم الجدل بشأن انتقال فيروس بعينه لا يحسم القضية الأوسع: هل تصرف مخلفات ملوثة في الأنهار؟ وما طبيعتها؟ ومن يراقب الجهات التي تتسبب في ذلك؟ فالتلوث المائي خطر قائم بذاته، ولا يحتاج إثباته إلى ربطه بمرض محدد أو إطلاق تحذيرات صحية لا تسندها الفحوصات.
أكثر من 500 مصدر للتلوث
تكشف المعطيات التي نشرتها الجزيرة نت في تحقيق بتاريخ 19 حزيران/يونيو 2026 عن اتساع نطاق المشكلة، إذ نقلت عن معاون مدير هيئة تشغيل مشاريع الري والبزل في وزارة الموارد المائية، غزوان السهلاني، وجود أكثر من 500 مصدر للتلوث في نهري دجلة والفرات.
وبحسب السهلاني، تشمل هذه المصادر مؤسسات في قطاعات الصحة والنفط والصناعة، إلى جانب أمانة بغداد ودوائر المجاري، وتمتد على طول مجرى النهرين من الحدود العراقية وصولاً إلى محافظة البصرة.
وأشار إلى أن موجة التلوث التي شهدها دجلة ارتبطت بطرح مياه الصرف الصحي وبعض المبازل في نهر ديالى، قبل أن تدفع الإطلاقات المائية الكبيرة الملوثات باتجاه دجلة.
وتشير هذه المعطيات إلى أن الأزمة لا تتعلق بمنشأة واحدة أو حادثة طارئة، بل بشبكة من مصادر التصريف التي تتوزع مسؤوليتها بين جهات متعددة وهو ما يجعل معالجة التلوث مرتبطة بتحديد مواقع التصريف، وفحص المواد المطروحة، والتحقق من التزام المؤسسات بمعايير المعالجة، ومحاسبة المخالفين.
غير أن عدد مصادر التلوث لا يكشف وحده حجم الضرر الصحي، إذ يتطلب تقييم المخاطر تحديد أنواع الملوثات وتركيزاتها، وفحص المياه في مواقع مختلفة، ومعرفة مدى وصول الملوثات إلى محطات مياه الشرب والأراضي الزراعية والموارد السمكية.
مخلفات المستشفيات.. أين تنتهي النفايات الطبية؟
أعاد تصريح وزيرة البيئة تسليط الضوء على ملف إدارة النفايات الطبية، التي قد تشمل مواد ملوثة بالدم، وأدوات حادة، ومخلفات معدية، ومواد كيميائية ودوائية، وتتطلب كل فئة منها أساليب خاصة للجمع والنقل والمعالجة والتخلص الآمن.
وإذا كانت هناك منشآت صحية تصرّف هذه المخلفات في الأنهار من دون معالجة مناسبة، فإن المسألة تستدعي تحقيقاً فنياً يحدد مواقع التصريف وطبيعة المواد المطروحة، ومراجعة سجلات إدارة النفايات، وإجراء فحوصات مستقلة للمياه والرواسب في المناطق المشتبه بتلوثها.
ولا يكفي وجود بقايا دماء في المياه، بحد ذاته، لإثبات وجود فيروس نقص المناعة البشرية أو انتقاله عبر الأسماك كما أن نفي انتقال الفيروس بهذه الطرق لا يعني أن تصريف النفايات الطبية أو مياه الصرف الصحي في الأنهار ممارسة آمنة أو مقبولة.
فالمطلوب هو الانتقال من التصريحات المتقابلة إلى الأدلة ونتائج مختبرية منشورة، ومواقع محددة لأخذ العينات، وبيانات عن الملوثات المكتشفة، وتحقيقات تكشف الجهات التي خالفت الضوابط البيئية.
السرطان والعجز الكلوي.. ما الذي تثبته الأدلة؟
في 23 أيلول/سبتمبر 2026، قال رئيس لجنة الأمر النيابي رقم 63 لسنة 2026، يوسف الكلابي، إن التحقيق في تلوث دجلة والفرات كشف عشرات المشكلات وحالات التلوث، مشيراً إلى مخاطر صحية بينها الأمراض السرطانية والعجز الكلوي.
وجاءت هذه التصريحات في سياق التحقيق الذي فتح بعد حادث تلوث ارتبط بارتفاع مناسيب المياه ودفع ترسبات من نهر ديالى باتجاه دجلة، قبل أن تتكشف، بحسب الكلابي، مشكلات أوسع من الحادثة نفسها.
وفي 24 أيلول/سبتمبر، صوّت مجلس النواب على توصيات اللجنة المعنية بالتحقيق في أسباب تلوث دجلة وتحديد الجهات المتسببة فيه، مع توجيه بتوسيع نطاق التوصيات ليشمل نهر الفرات وتشكيل فريق عمل حكومي بمشاركة أعضاء من المجلس.
وتستدعي الإشارات إلى السرطان والعجز الكلوي نشر الأدلة التي استند إليها التحقيق، وتوضيح ما إذا كانت هناك روابط صحية مثبتة بين ملوثات محددة ومعدلات الإصابة بهذه الأمراض، أم أن الأمر يتعلق بمخاطر محتملة تحتاج إلى دراسات إضافية.
فإثبات العلاقة بين التلوث ومرض معين يتطلب بيانات صحية وبيئية قابلة للمقارنة، تحدد طبيعة التعرض ومدته، وتراعي العوامل الأخرى التي قد تسهم في الإصابة، وهذه الدقة لا تقلل من خطورة التلوث، بل تساعد على تحديد حجم الضرر وتوجيه إجراءات الوقاية والعلاج إلى المناطق الأكثر تضرراً.
محطات المعالجة.. فجوة بين المشاريع والنتائج
لا تنحصر المشكلة في مصادر التلوث، بل تمتد إلى قدرة البنية التحتية على معالجة مياه الصرف الصحي قبل وصولها إلى الأنهار.
وفي تحقيقها المنشور في 19 حزيران/يونيو 2026، نقلت الجزيرة نت عن المتحدث باسم أمانة بغداد، محمد الربيعي، أن دائرة المجاري تعمل على إنشاء 17 وحدة مدمجة لمعالجة المياه العادمة، لم تكن قد دخلت الخدمة آنذاك سوى 5 وحدات منها، فيما بقيت الوحدات الأخرى قيد التنفيذ.
كما أشار إلى مشروع محطة معالجة في منطقة البوعيثة جنوب بغداد، بتمويل يتضمن منحة يابانية ودعم البنك الدولي، وبكلفة قُدرت بنحو 300 مليار دينار عراقي.
لكن هذه البيانات تعكس الوضع وقت نشر التحقيق، ولا تكفي لتحديد مستوى الإنجاز الحالي، فالمطلوب اليوم إعلان ما دخل الخدمة فعلياً، والطاقة التشغيلية للمحطات، ونسبة المياه التي تخضع للمعالجة، ومدى مطابقة المياه الخارجة منها للمعايير البيئية.
ولا يمكن الاكتفاء بإعلان المشاريع أو تخصيص الأموال لها؛ إذ إن معيار نجاحها هو قدرتها على تقليص التصريفات الملوثة، ومنع وصول المياه العادمة غير المعالجة إلى الأنهار، مع إخضاع المنشآت الحكومية والخاصة للرقابة نفسها.
من التحذير إلى المحاسبة
في 24 أيلول/سبتمبر، وصفت وزيرة البيئة الوضع البيئي في العراق بأنه "كارثة بيئية حقيقية"، معلنة التوجه إلى رفع دعاوى قضائية بحق المسؤولين والمتسببين بالتلوث، بمن فيهم جهات حكومية تابعة للبلديات والأمانة والمحافظات والوزارات.
وأشارت إلى عدم استجابة بعض الجهات لمطالبات الوزارة بمعالجة التلوث، مطالبة بتشديد العقوبات على المخالفين.
وتضع هذه التصريحات الحكومة أمام مسؤولية تتجاوز تشخيص المشكلة، إلى إعلان ما اتخذ من إجراءات فعلية، وعدد المخالفات التي رصدت، والجهات التي أحيلت إلى القضاء، والنتائج التي تحققت في وقف التصريفات الملوثة.
ويحتاج ذلك إلى خطة معلنة تتضمن مسحاً شاملاً لمصادر التلوث، وفحوصات دورية مستقلة للمياه، وتدقيقاً في طرق التخلص من النفايات الطبية، وتسريع مشاريع الصرف الصحي، وفرض عقوبات على الجهات التي تثبت مخالفتها للمعايير.
كما أن نشر نتائج الفحوصات بصورة منتظمة، وتحديد مواقع أخذ العينات وتواريخها، وإتاحة البيانات الصحية والبيئية للباحثين، من شأنه أن ينقل النقاش من تبادل الاتهامات إلى تقييم موضوعي للمخاطر ومتابعة نتائج المعالجة.
دجلة والفرات.. القضية أكبر من جدل "الإيدز"
إن نفي انتقال فيروس نقص المناعة البشرية عبر المياه والأسماك يصحح معلومة صحية مهمة، لكنه لا ينبغي أن يحجب الأسئلة التي أثارتها تصريحات وزيرة البيئة بشأن المخلفات الطبية، أو المعطيات الرسمية عن تعدد مصادر التلوث في النهرين.
فالمياه ليست مورداً طبيعياً فحسب، بل أساس للصحة والغذاء والزراعة، وأي تهاون في حمايتها يضع حياة المواطنين وسبل عيشهم أمام مخاطر يمكن الحد منها بالرقابة والمعالجة والمحاسبة.
وبين أكثر من 500 مصدر تلوث تحدث عنها مسؤول في وزارة الموارد المائية، وتحقيق برلماني أقرّ المجلس توصياته، وتحذيرات بشأن إدارة النفايات الطبية، تبرز الحاجة إلى إجابات موثقة لا إلى مزيد من التصريحات المتقابلة.
المطلوب ليس إثارة الخوف من شرب المياه أو تناول الأسماك، ولا التقليل من شأن التلوث بسبب نفي خطر صحي محدد، بل الكشف عن حقيقة ما يُطرح في دجلة والفرات، وتحديد المسؤولين عنه، وضمان سلامة المياه بعد معالجتها، وإلزام الجهات المخالفة بوقف التصريفات غير الآمنة.
فحماية النهرين لا تتحقق بنفي المخاوف وحده، وإنما بإثبات سلامة المياه بالفحوصات، ووقف مصادر التلوث بالأدلة والإجراءات، ومحاسبة كل جهة يثبت أنها جعلت من الأنهار مصباً لمخلفاتها.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام