مع اقتراب دخول فصل الصيف، يشهد العراق موجة من العواصف الترابية التي زادت بسبب الجفاف وشحة الأمطار وغياب مشاريع الأحزمة الخضراء التي بقيت حبرا على ورق ضمن إجراءات الحكومات المتعاقبة لمعالجة مشكلة التصحر والجفاف.

ويرى مختصون في مجال البيئة أن تقلص الغطاء الأخضر واتساع رقعة التمدد الصحراوي بسرعة كبيرة وهو ما يظهر بوضوح عبر العواصف الترابية خلقت العديد من الأزمات وأبرزها تفشي الأمراض والهجرة من الأرياف وتدهور خصوبة التربة والإنتاج الزراعي.

وتوجه الانتقادات للحكومة العراقية التي لم تلجأ بصورة فورية إلى اتخاذ إجراءات حاسمة لإيقاف ومكافحة التصحر عن طريق برنامج طموح وطويل الأمد يهدف للاحتفاظ بخصوبة الأرض وتوسيع الغطاء الأخضر واستخدام التقنيات الحديثة بإدارة موارد المياه والتربة.

وكان برنامج الأمم المتحدة للبيئة قد أشار إلى أن العراق قد يشهد 300 عاصفة ترابية سنويا بحلول عام 2026، ما يضع البلاد أمام تحديات خطيرة، فيما أكدت تلك التحديات وزارة البيئة العراقية التي توقعت تسجيل 300 عاصفة ترابية خلال العام 2055.

كما يؤكد خبراء البيئة أن الحلول الفاعلة لمعالجة مشكلة الجفاف والتصحر تكمن في تبني مشاريع الإرواء وأبرزها مشاريع ري الجزيرة الثلاثة المتعطلة منذ عقود وكذلك مشروع الحزام الأخضر الممتد من الشمال الغربي للبلاد وانتهاء بالجنوب الغربي، فضلا عن إطلاق حملات واسعة للتشجير داخل المدن وأطرافها.

تكرار العواصف الترابية

يتوقع المتنبئ الجوي صادق العطية تكرار العواصف الترابية خلال الفصول الانتقالية، ولا سيما أن مناخ العراق في الوسط والجنوب تحول إلى مناخ شبه صحراوي، الأمر الذي يجعل الغبار ظاهرة طبيعية متجددة سنوياً.

وقال العطية في تصريح لشبكة "الساعة": إن "العواصف الترابية تتكرر في المواسم الانتقالية مثل الربيع والخريف، نتيجة تصادم كتل هوائية باردة مع أخرى دافئة، وهو أمر طبيعي في مناخ العراق"، مبيناً أن "الموسم المطري في العراق يبدأ عادة منتصف تشرين الأول وينتهي منتصف أيار، وإذا كان هذا الموسم جافاً، كما هو الحال هذا العام، فإن العواصف الترابية تزداد تكراراً خلال فصل الربيع خصوصاً".

ويؤكد العطية أن "موسم الصيف يشهد إثارة للغبار، إذ إن رياح البوارح وهي رياح شمالية غربية، تبدأ بالنشاط مع بداية شهر حزيران وتستمر حتى أوائل آب، مما يؤدي إلى إثارة الغبار نهاراً، خصوصاً في فترات الظهيرة، قبل أن يترسب الغبار ليلاً، وبين أن مناخ العراق لا يخلو من مواسم الغبار سنوياً إلا أن كثافتها تتراجع إذا سبق المواسم الانتقالية هطول أمطار غزيرة".

200  يوم مغبر العام الحالي

كما يتفق مع ذلك الخبير البيئي وعضو مرصد العراق الأخضر عمر عبد اللطيف، الذي توقع ازدياد العواصف الغبارية، هذا العام، لقلة هطول الأمطار. فيما رجح أن يشهد العراق ما بين 150 - 200 يوم مغبر خلال العام الجاري 2025.

وقال عبد اللطيف في حديث لشبكة "الساعة": إن "الخطط الحكومية لمواجهة تغير المناخ بطيئة جدا مقارنة بتغيرات المناخ في العراق بأنها سريعة جدا".

وأضاف أن "وزارة البيئة والوزارات المعنية لم تتعامل بجدية مع ظاهرة التغير المناخي منذ البداية، ومازال تنفيذ الخطط الخاصة باحتواء أزمة التغير المناخي في العراق بطيئا"، مبينا أن "استنزاف خزين المياه الجوفية بعد استخدامه في الزراعة تسبب باستنزاف خزين البلاد من المياه كما تسبب بارتفاع درجات الحرارة بمقدار 5 درجات في المحافظات الجنوبية".

رأي آخر لوزارة البيئة

لكن المتحدث باسم وزارة البيئة العراقية لؤي المختار أكد أن معظم العواصف الترابية تأتي من خارج الحدود بنسبة 50% إلى 60%، وجزء منها يتكون داخل الحدود.

واستبعد المختار حصول عواصف ترابية كثيرة هذا العام، وحتى إذا هبت فلن تكون تأثيراتها حادة أو شديدة، إثر الرطوبة وهطول بعض الأمطار في الأشهر الأخيرة من الربيع الحالي.

ضرورة الحزام الأخضر

ويحذر الأكاديمي العراقي وعضو منظمة إمسام التابعة للأمم المتحدة كاوه عبان من كارثة بيئة كبيرة نتيجة استمرار الجفاف والتصحر، مشددا على أن الحل يمكن في إنشاء الحزام الأخضر على طول الجهة الغربية من البلاد.

وقال عبان في مقال منشور وتابعته شبكة "الساعة": إن "العراق يواجه كارثة بيئية كبيرة نتيجة عوامل مباشرة عدة، منها الجفاف والتصحر وانخفاض هطول الأمطار وإنشاء السدود على منابع الأنهار من قبل الدول المجاورة فضلا عن غياب المساحات الخضراء التي تسبب أضرارا بيئية واقتصادية وصحية وخيمة".

وأضاف أن "إنشاء الحزام العراقي الأخضر يمثل في حال إنشائه خط الدفاع الأول للعراق لمقاومة الزحف الصحراوي وإيقافه".

وتابع أن "البنك الدولي كان قد حذر من أن العراق يعاني من انخفاض بنسبة 20% في الموارد المائية بحلول عام 2050 بسبب تغير المناخ وعلى هذا المنوال يفقد حوالي 100 ألف دونم (حوالي 250 كيلومترا مربعا أو 97 ميلا مربعا) من الأراضي الزراعية كل عام".

وأشار عبان إلى أنه "على المستوى الإجرائي يتكون الحزام الأخضر من نخيل وأشجار ونباتات وأعشاب وحشائش مقاومة للظروف الصحراوية القاسية التي تسود في العراق، بحيث يمتد هذا الحزام من غرب وجنوب الموصل وبعض مناطق إقليم كردستان إلى جنوب محافظة البصرة ويغطي مساحات متنوعة يتراوح عرضها من 1 – 5 كم حسب الظروف المحلية".

وأكد أن "هكذا مشروع يتطلب مشاركة جميع المؤسسات الحكومية، كما يتطلب إنشاء هيئة مختصة بهذا المشروع، والمطالبة دولياً بحقوق العراق وحصصه المائية من دول الجوار بالدرجة الأولى، والحث على منع عمليات الحفر العشوائي للآبار من قبل المواطنين في العراق ما يترتب عليه استنزاف المياه السطحية، التي توفر عادة الترطيب والتبريد اللازمين للتربة، والتي يبلغ عمقها بالكاد نحو 12 مترا، علاوة على ضرورة العمل على زيادة المساحات الخضراء والتشجير في عموم البلاد".

ولفت إلى أن "نجاح مشروع الحزام الأخضر يمنع زحف الصحراء نحو الأراضي الخضراء العراقية مما يسمح باستعادة خصوبة الأرض وحماية تنوعها الأحيائي، وإلا سيتحول العراق أمام الأنظار إلى صحراء قاحلة".

التحديات أمام مشروع الحزام الأخضر

خبيرة التلوث البيئي إقبال جابر كشفت عن أبرز التحديات التي تعيق تنفيذ مشروع الحزام الأخضر في العراق، وأشارت إلى أن في مقدمة تلك التحديات ضعف القرار السياسي وغياب الأمن في المناطق المستهدفة.

وقالت جابر في تصريح خاص لشبكة "الساعة"، إن "ضعف القرار السيادي وغياب الاستقرار الأمني يشكلان أبرز العقبات أمام إنشاء أحزمة خضراء حول المدن العراقية"، مشيرة إلى أن "الباحثين يواجهون صعوبات أمنية حتى في جمع العينات، ما يعيق تنفيذ مشاريع زراعية استراتيجية".

وأضافت أن "غياب التمويل، وتراجع مناسيب نهري دجلة والفرات، وارتفاع درجات الحرارة، فضلاً عن الفساد الإداري، كلها عوامل تحول دون نجاح المشروع"، مؤكدة أن "غياب المتابعة الحكومية بعد إطلاق مبادرات مثل زراعة 5 ملايين شجرة يجعلها مجرد إعلانات دون تنفيذ فعلي".

وحذرت جابر من "تفاقم الجفاف وتآكل التربة، ما يزيد من احتمالات العواصف الترابية المحملة بجسيمات سامة ودقيقة تؤثر على صحة الإنسان وتزيد من مخاطر الأمراض التنفسية والسرطانية".

الفساد يعطل مشروع الحزام الأخضر

وخلال حكومة نوري المالكي، أطلق مشروع الحزام الأخضر لإنشاء مساحات خضراء في الجهة الغربية من المدن الجنوبية.

ورغم مرور أكثر من 12 عاما على إطلاق المشروع، إلا أن المناطق المشمولة فيه ما تزال صحراء قاحلة، فيما وجهت التهم لحكومة المالكي بالفساد وسرقة مبالغ كبيرة كانت مخصصة للمشروع الذي من شأنه معالجة مشكلة الجفاف والتصحر.

وقالت عضو لجنة الزراعة البرلمانية ابتسام الهلالي في وقت سابق: إن "مشروع الحزام الأخضر الذي صرفت عليه المليارات لم ينفذ بسبب الفساد".

حاجة العراق إلى المشاريع الإروائية

وفي وقت سابق، كشفت وزارة الزراعة حاجة البلاد إلى زراعة أكثر من 15 مليار شجرة في الأقل وذلك لانحسار الغطاء النباتي وتقلص المساحات المزروعة.

لكن هناك من يرى بأن الرقم مبالغ فيه كثيراً، فالأكاديمي المتخصص بالزراعة صلاح حسام، يرى بأن 5% منه كاف لزراعتها في مناطق البلاد الغربية، لتعمل كمصد للغبار وتحسين بيئة المكان، لكنه يشترط اعتماد برنامج وطني تخصص له ميزانية عامة ضخمة، تشارك في تنفيذه جميع المؤسسات الحكومية.

ولفت حسام في حديث لشبكة "الساعة" إلى أن "العراق يحل بالمرتبة 181 على مستوى العالم من حيث نسبة الغابات لإجمالي مساحة البلد إذ بلغت 1.9% وهي نسبة متدنية جداً حسبما يقول، لبلد يجري فيه نهران".

لكن الخبير الزراعي يشكك بقدرة الحكومات المحلية والمركزية في تنفيذ مشاريع لمكافحة التصحر، فوفقاً لما يرى فإن "الأموال التي يفترض رصدها لمشاريع مشابهة تفوق إمكانيات المحافظات التي تشكو في الأصل من قلة المبالغ السنوية التي تحصل عليها لتنفيذ مشاريع في قطاعات مختلفة وبعضها معطلٌ منذ سنوات لعدم كفاية تلك المبالغ التي رصدت لها أو بسبب الفساد الذي يقول بأنه مستشرٍ".

ويضيف حسام: أن "مناطق معينة تعاني في الأصل من بنية تحتية مدمرة بسبب الحرب على داعش 2016-2017، وتنتظر منذ سنوات أن تحصل على مبالغ كافية لإعادة إعمار مرافقها العامة التي مازال خرابها ماثلاً للعيان، وستكون مسألة إنشاء حزام أخضر على سبيل المثال بالنسبة للمواطن البسيط الذي يعاني من البطالة والفقر أمراً كمالياً، لأنه يفكر بالدرجة الأساس في توفير قوت يومه وعائلته وسقفٍ يغطي رؤوسهم"، مشيراً إلى أن "الخطط والمقترحات الخاصة بإنشاء الحزام الأخضر ظلت حبراً على ورق الانتظار".

ويرى صلاح أن "الحلول ربما تأتي أيضا عبر مشاريع استراتيجية كبرى في العراق، كانت قد أقرت في عهد النظام السابق ورصدت لها الأموال وتم تنفيذ أجزاء منها، وبعد 2003 قدمت بعض الدول قروضاً ومنحاً لإنجازها، وأهمها على الإطلاق مشروع ري الجزيرة غربي محافظة نينوى، الذي يعد واحداً من أهم المشاريع الإروائية، ليس في العراق فحسب، بل على مستوى المنطقة العربية والشرق الأوسط بنحو عام".

مشروع ري الجزيرة

ويتألف من 3 أجزاء أو أقسام (شمالي وشرقي وجنوبي) تؤمن مياههُ من بحيرة مشروع سد الموصل المقام على نهر دجلة شمالي العراق وكان يفترض أن يغطي مساحة تزيد عن 750 ألف دونماً بواقع 250 ألف دونم لكل جزء.

وبحسب مدير الموارد المائية السابق في نينوى قصي محمد، فإن القسم الشمالي المنفذ، يغطي ناحية ربيعة وقضاء تلعفر غرباً، والجنوبي، يصل إلى قضاء الحضر وناحية القيارة جنوب الموصل، فيما يغطي الشرقي سهل نينوى، قضائي تلكيف والحمدانية، وناحية بعشيقة وصولاً لجنوب شرق الموصل باتجاه محافظة كركوك.

وقال محمد في حديث لشبكة "الساعة": إن "العمل بالمشروع بدأ في ثمانينات القرن المنصرم، وتوقف بسبب تداعيات حرب الخليج الثانية 1991 والعقوبات الدولية التي فرضت على العراق واستمرت زهاء 12 سنة".

ويؤكد أن "مشروع ري الجزيرة في حال تنفيذه سيتغير شكل نينوى، ويتم القضاء على الجفاف والتصحر، وتحويل الأراضي الميتة إلى مروج خضراء بنفع اقتصادي وأمني واجتماعي وسياحي وبيئي لعموم العراق".