تسببت الحرب الأمريكية – الإيرانية وتداعيات إغلاق مضيق هرمز بتراجع الاحتياطي النقدي العراقي، الذي انخفض بنحو 30% جراء تراجع الإيرادات المالية العراقية بعد توقف أغلب الصادرات النفطية.
وأعلن محافظ البنك المركزي العراقي نزار ناصر أن الاحتياطي النقدي العراقي قد انخفض بنحو 30 مليار دولار أمريكي نتيجة لإغلاق مضيق هرمز والتبعات الاقتصادية المترتبة على الحرب الأمريكية الإيرانية.
وقال ناصر خلال اجتماع مع اللجنة المالية البرلمانية: إن "الاحتياط النقدي العراقي لدى البنك المركزي قد انخفض منذ بداية العام الحالي من 109 مليار دولار إلى نحو 77.5 مليار دولار فقط، بنسبة خسارة بلغت 31.5 مليار دولار"، وأشار إلى أن "معظم الاحتياطات التي انفقت تم توجهيها نحو دفع رواتب الموظفين".
وأثار انخفاض الاحتياط النقدي مخاوف شرائح واسعة من العراقيين وفي مقدمتهم الموظفين، الذين يخشون تأثر رواتبهم ومستحقاتهم المالية جراء هذا التراجع.
في الأثناء، حذر عضو مجلس النواب محمود الشمري من أزمة مالية خانقة قد تواجه البلاد جراء انخفاض مستوى الاحتياطي النقدي العراقي.
وقال الشمري في تصريح صحفي تابعته "الساعة": إن "انخفاض نسبة الاحتياطي النقدي ستكون له عواقب اقتصادية وخيمة على اقتصاد البلاد"، مبيناً أن "استمرار السياسات الاقتصادية الحالية دون معالجة حقيقية قد يزيد من الضغوط المالية التي تواجه الدولة".
وأشار إلى أن "الاعتماد الكبير على النفط جعل الاقتصاد العراقي عرضة للتأثر بالتقلبات في الأسواق العالمية وأسعار الخام"، مشددا على "ضرورة توجه الدولة إلى تنويع مصادر الاقتصاد وعدم الاعتماد على النفط كمصدر رئيس للإيرادات".
وانقسمت آراء الاقتصاديين بشأن انعكاس التراجع في الاحتياطي العراقي النقدي على مجمل الأوضاع المالية والاقتصادية في البلاد، فالبعض يرى أن هذا الانخفاض أمر طبيعي ولن يؤثر على الوضع المالي، بينما يراه آخرون سابقة خطيرة باعتباره بستنزف هيكلية الغطاء النقدي بشكل حاد.
الخبير المالي والمصرفي مصطفى حنتوش، أكد أن الوضع الحالي للاحتياط النقدي في البنك المركزي العراقي لا يثير مخاوف كبيرة، بالرغم من صعوبة الأوضاع التي يواجهها العراق بسبب تراجع الإيرادات المالية.
وقال حنتوش في حديث لشبكة "الساعة": إن "الاحتياط النقدي العراقي كان مع بدء الأزمة والحرب في المنطقة نحو 95 مليار دولار لكنه تراجع إلى 79 مليار دولار في الوقت الحالي"، مبينا أن "هذا التراجع يرجع لتبني المركزي العراقي تغطية الحوالات المالية الخاصة بالتجارة الخارجية من جهة، وتأمين رواتب الموظفين التي تقدم للحكومة على شكل دين من جهة أخرى".
وأشار حنتوش إلى أن "هذا التراجع في الاحتياطي بحد ذاته لا يشكل خطرا على الوضع المالي والاقتصادي، بالرغم من خطورة الأوضاع العامة الناتجة عن انخفاض الصادرات النفطية وتراجع الواردات المالية"، لافتا إلى أن "السياسة المالية الحالية جيدة وتسير بشكل صحيح في تجاوز الأزمة التي تواجه الدولة اقتصاديا".
أما الخبير الاقتصادي عبد الرحمن المشهداني فيؤكد أن تراجع الاحتياط النقدي أو ارتفاعه لا علاقة له بقوة اقتصاديات البلدان، مشيرا إلى أن تراجع الاحتياطي العراقي لا يعني الدخول بأزمة مالية كبيرة أو انهيار قيمة العملة المحلية.
وقال المشهداني في حديث لشبكة "الساعة": إن "التراجع في احتياطي المركزي العراقي أمر طبيعي ومتوقع منذ فترة، بسبب التزام البنك المركزي بتمويل استيرادات القطاع الخاص الخارجية والتي تتراوح ما بين 4-5 مليار دولار شهريا".
وأضاف أن "هذا التراجع متوقع لأن المركزي العراقي يستلم كميات قليلة من الدولار ربما لا تزيد عن مليار دولار شهريا بسبب تراجع الإيرادات المالية"، لافتا إلى "وجود عجز بين ما يقدمه المركزي من مبالغ لتغطية التجارة الخارجية وما يستقبله من إيرادات وهذا العجز يقدر بـ 3 مليار دولار شهريا، وبالتالي من الطبيعي أن تنخفض الاحتياطات من 98 مليار دولار إلى 78 مليار دولار خلال الأشهر الخمسة الماضية".
وتوقع المشهداني "استمرار تراجع الاحتياطي النقدي طالما استمرت الأزمة الحالية وتراجعت الإيرادات المالية وما دام البنك المركزي يقوم بتمويل التجارة الخارجية والتي من المهم أن تستمر على اعتبار أن السوق العراقية تعتمد بنسبة 80% على المستورد من الخارج".
وأشاد المشهداني "بأداء البنك المركزي العراقي في التعامل مع الأزمة الحالية"، مؤكدا أن "الوضع الحالي وتراجع الاحتياطي لا يعني الدخول في أزمة مالية واقتصادية خطيرة، كما أن هذا التراجع لن يؤثر على وضع القوة الاقتصادية ولا على قيمة العملة العراقية"، مبينا أن "الهدف الأساس لاحتياطي المركزي هو معالجة الخلل في ميزان المدفوعات الخاص بالتجارة الخارجية والدفاع عن سعر الصرف وتحقيق الاستقرار الاقتصادي".
ونوه المشهداني إلى أن "المشكلة التي تسببت بتراجع الاحتياطي النقدي لا تقتصر على تمويل الرواتب أو تغطية التجارة الخارجية، وإنما تشمل الاعتماد العراقي شبه الكامل على الاستيراد في تأمين احتياجاته، وعدم اعتماده على المنتجات الصناعية أو الزراعية العراقية التي يضطر لاستيرادها، وبالتالي دفع مبالغ مالية من الاحتياطي لتأمينها"، مشيرا إلى أن "الفرق في هذا المجال بين العراق وإيران التي تواجه حصارا وعقوبات لكنها في ذات الوقت تعتمد بنسبة 90 % على منتجاتها الزراعية والصناعية، على عكس العراق الذي يعتمد عليها بالاستيراد من الخارج".
بالمقابل، يرى المحلل الاقتصادي عمر الحلبوسي أن تراجع الاحتياطي النقدي يشير لوضع مالي ونقدي خطير، خاصة وأنه لم يأت فجأة، وإنما نتيجة تراكم مشكلات إقتصادية كبيرة منها تعطيل القطاعات الإنتاجية مثل الزراعة والصناعة والاعتماد على النفط والذي لم تقم الحكومات المتعاقبة بتنويع منافذ تصديره.
وقال الحلبوسي في حديث لشبكة "الساعة": إن " التراجع في الاحتياطي النقدي بنسبة 30% يؤشر على أنه استنزاف هيكلي حاد في الغطاء النقدي ويؤكد على وجود اختلال توازن بين الإيرادات النفطية والإنفاق الحكومي"، مبينا أن "هذا الاختلال جراء إغلاق مضيق هرمز مما أدى إلى تراجع الواردات النفطية وهو ما دفع الحكومة إلى زيادة السحب المالي لتمويل النفقات التشغيلية والرواتب والذي أدى إلى استنزاف الاحتياطي النقدي".
ونوه إلى أن "الكثير من المختصين أكدوا قبل عامين على أن العراق سيصل لمرحلة تأكل بالاحتياطي النقدي جراء البنية الهيكلية الخاطئة في الاقتصاد وعدم تنويع المصادر الاقتصادية في بيئة تشهد صراعات مؤثرة تجعل الدول الريعية في مأزق يدفعها نحو تأكل احتياطاتها وإدخاله في نفق خطير من الانهيار".
وتابع الحلبوسي: أن "التراجع يشكل خطرا بالغا ومباشرا على الاستقرار الاقتصادي والمالي ويضعف قدرة البلد على مواجهة الصدمات الخارجية، إلى جانب التأثير السلبي والحد من قدرات البنك المركزي على التدخل للمحافظة على التوازن النقدي".
وأوضح أن "هذا الانخفاض يشكل ضغطاً على قيمة صرف الدينار العراقي مقابل الدولار، فعندما يتراجع حجم الاحتياطي النقدي تضعف قدرة البنك المركزي على ضخ السيولة الدولارية الكافية للسيطرة على العرض والطلب، وهذا يفتح الباب لاتساع الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي مما يفاقم من الأزمة ويشكل ضغوطاً تصاعدية حادة تدفع نحو خفض قيمة الدينار لتفادي استنزاف ما تبقى من الاحتياطيات النقدية وهو ما سيتبعه موجه تضخم تؤثر على القدرة الشرائية للمواطنين".
وأظهرت بيانات البنك المركزي العراقي تراجع الاحتياطيات الأجنبية لدى العراق إلى 86 مليار دولار في نهاية حزيران الماضي، بانخفاض بلغ 11مليار دولار، وبنسبة 11.6% مقارنة بنهاية عام 2025، عندما بلغت 97.432 مليار دولار.
وبحسب البيانات تراجعت الاحتياطيات الأجنبية خلال الأشهر الأولى من عام 2026، بعد أن ارتفعت إلى 101.082 مليار دولار في كانون الثاني، لترتفع إلى 102.131 مليار دولار في شباط، لتتراجع بعدها إلى 100.341 مليار دولار في آذار، ثم 97.809 مليار دولار في نيسان، و93.673 مليار دولار في أيار، وصولاً إلى 86.175 مليار دولار في نهاية حزيران.
وانعكس هذا التراجع أيضاً على قيمة الاحتياطيات الأجنبية بالدينار العراقي، إذ انخفضت من 126.661 تريليون دينار في نهاية 2025 إلى 112.027 تريليون دينار في نهاية حزيران 2026، بتراجع قدره 14.634 تريليون دينار، وبنسبة 11.6%.
وفيما يتعلق بالذهب، أظهرت البيانات انخفاض قيمته من 31.488 تريليون دينار في نهاية 2025 إلى 29.415 تريليون دينار في نهاية حزيران 2026، بتراجع بلغ 2.073 تريليون دينار، وبنسبة 6.6%.
كما تراجعت الاستثمارات ضمن الاحتياطيات من 93.266 تريليون دينار في نهاية 2025 إلى 81.998 تريليون دينار في نهاية حزيران 2026، بانخفاض بلغ 11.268 تريليون دينار، وبنسبة 12.1%.
أما الموجود النقدي في خزائن البنك المركزي العراقي، فقد انخفض من 1.907 تريليون دينار في نهاية 2025 إلى 614 مليار دينار في نهاية حزيران 2026، بتراجع بلغ 1.293 تريليون دينار، أو نحو 67.8%.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام