في خطوة وصفت بالمتأخرة جدا، بدأ العراق بالتحرك لإيجاد طرق جديدة لتصدير النفط بدلا عن مضيق هرمز المغلق منذ نهاية شباط الماضي بسبب الحرب الأمريكية – الإيرانية، وإصرار إيران على منع مرور ناقلات النقط عبره رغم وعودها السابقة باستثناء العراق من هذا المنع لكن دون تنفيذ.
ومنذ إغلاق مضيق هرمز قبل 5 أشهر، توقفت معظم الصادرات النفطية العراقية التي يتعمد عليها العراق في تمويل ميزانيته، وتقدر حجم الخسائر العراقية جراء إغلاق مضيق هرمز بنحو 50 مليار دولار، إذ كان العراق يصدر شهريا عبر المضيق أكثر من 100 مليون برميل، وولغاية حزيران الماضي بلغت الخسائر بحسب مرصد إيكو عراق الاقتصادي نحو 38 مليار دولار.
وتفرض الحرب واستمرارها على العراق الإسراع في إيجاد منافذ بديلة لتصدير النفط، عبر تفعيل خطوط وأنابيب النقل الرئيسية التي وضعت على الخطط ولم تنفذ، والتي وقع العراق اتفاقيات تفاهم بشأنها مع دول مجاورة دون تفعيل، والتي تم الاتفاق عليها مؤخرا ويجري العمل لتفعيلها.
وتعد خطوط أنابيب حديثة – بانياس نحو البحر الأبيض وخط كركوك جيهان نحو تركيا، وخط البصرة العقبة نحو البحر الأحمر أبرز البدائل التي يمكن أن تنقذ العراق من إغلاق هرمز، رغم أن الخط الأخير (البصرة – العقبة) تواجهه بعض الصعوبات أبرزها الوقت والكلفة المالية وهو ما يجعله خيارا مستبعدا في الوقت الحالي.
خطوط تؤمن كامل الصادرات النفطية
الخبير النفطي كوفاند شيرواني يؤكد وجود مسارات جديدة يمكن اعتماد العراق عليها لتصدير النفط بدلا عن مضيق هرمز، أبرزها خط أنابيب حديثة - بانياس السوري، وخط كركوك - جيهان التركي القديم، وخط جديد من العراق إلى جيهان التركي والذي ما يزال العراق يفكر بإحيائه، مبينا أن العراق وفي حال تفعيل هذه الخطوط سيتمكن من تصدير نحو 3 ملايين برميل يوميا عبر سوريا وتركيا وإيجاد البديل عن هرمز في مسألة التصدير.
وقال شيرواني في حديث لشبكة "الساعة": إن "العراق اليوم يفكر بشكل جدي في إيجاد البدائل لتصدير النفط عن مضيق هرمز، إذ أن ارتهان التصدير بمنفذ واحد تسبب بتوقف تصدير 3 ملايين برميل يوميا، وبالتالي خسائرة العراق 240 مليون دولار يوميا ونحو 7 مليارات دولار شهريا".
وأضاف أن "البدائل التي يفكر بها العراق في الوقت الحالي تتضمن تفعيل أنبوب البصرة - حديثة المتفرع إلى ميناء بانياس السوري وهو ما تم التوقيع عليه مؤخرا بين الجانبين العراقي والسوري برعاية أمريكية، والتفكير بإعادة تفعيل خط كركوك - بانياس، إضافة إلى إمكانية مد أنبوب جديد من العراق ينطلق من البصرة إلى جيهان التركي لتعزيز الأنبوب القديم (كركوك - جيهان)"، مبينا أن "العراق وفي حال تفعيل هذه الخطوط يمكنه تصديره ما بين 2 – 2.5 مليون برميل نفط يوميا إلى عبر سوريا وتركيا، إلى جانب إمكانية تصدير مليون برميل آخر (ثلث الصادرات العراقية) عبر تفعيل وتطوير خط كركوك - جيهان القديم، حيث أنه الأقرب والأسرع للتنفيذ على اعتبار أن الأنبوب قائم لغاية اليوم ويتم تصدير النفط عبره بطاقة تصل لـ 350 ألف برميل يوميا".
ولفت شيرواني إلى أن "تفعيل هذه الخطوط سيجعل العراق في مأمن من توقف الصادرات عبر الخليج من جهة، كما أنه سيفتح الباب أمام إيجاد أسواق عالمية جديدة، فضلا عن تحقيق المرونة في التصدير لضمان الابتعاد عن أي مخاطر عند أغلاق أحد المنافذ، كما سيجعل العراق في حال التنفيذ كالسعودية والإمارات التي أوجدت بدائل عن الخليج في تصدير النفط".
وتوقع شيرواني أن "تستغرق أعمال إنشاء هذه الأنابيب نحو 3 سنوات أو أكثر في أحسن الأحوال، أما التكلفة المالية فرجح أن تتولى التمويل الشركات الأمريكية والقطرية التي اتفقت معها الحكومة العراقية على وضع التصميم للخطوط الجديدة"، ونوه إلى أن "التحديات التي تواجه الخطوط الجديدة تتمثل في عامل الوقت والإسراع بالتنفيذ، وإنهاء مشكلة الأراضي التي تمتد عبرها خطوط نقل النفط"، فضلا عن "تأمينها وإنشاء محطات الضخ على طولها".
جيهان "البديل الوحيد"
لكن رئيس مركز العراق للطاقة فرات الموسوي يرى أن العراق لا يمكنه تقليل اعتماده على مضيق هرمز بشكل كبير أو جذري على المدى القريب أو المتوسط، وأشار إلى أن البديل السريع الحالي لأزمة غلق مضيق هرمز تتمثل في تفعيل التصدير عبر خط كركوك - جيهان التركي الذي يعد اليوم المنفذ الوحيد للتصدير بعد غلق المضيق.
وقال الموسوي في حديث لشبكة "الساعة": إن "العراق يصدر نحو 85% إلى 90% من نفطه عبر موانئ البصرة والمضخات البحرية في الخليج العربي، والتي تمر مباشرة عبر مضيق هرمز، ولذلك لا يمكن للعراق تقليل اعتماده على المضيق بشكل كبير أو جذري على المدى القريب أو المتوسط"، مؤكدا أن "استمرار توقف الطريق الجنوبي للتصدير يعني اختناقاً مباشراً وفورياً للقدرة التصديرية للعراق".
وعن الخطوط البديلة الثلاثة التي يجري الحديث عنها وهي (حديثة – بانياس) و (كركوك – جيهان) و (البصرة – العقبة)، فأشار الموسوي إلى أن "خط (كركوك – جيهان) هو الخط الوحيد القابل للتصدير كبديل حالي لهرمز، ووصفه بأنه الخيار الأكثر جاهزية لقابليات سيناريوهات الطوارئ إذ يمكن أن يكون البديل الجزئي لتصدير النفط عبر هرمز، وبين أن خطي (البصرة – العقبة) و (حديثة – بانياس) لا يمكن لهما أن يكونا بدائل للتصدير في المدى القريب أو المتوسط".
ونوه الموسوي إلى أن "أهمية خط كركوك جيهان تتمثل في أنه يوفر طاقة تصديرية تتراوح بين 350 إلى 500 ألف برميل يومياً (مع إمكانية رفعها مستقبلاً)"، وبين أن "تفعيله يتطلب حلاً للمشاكل السياسية والمالية بين بغداد وأربيل وأنقرة، فضلا عن بعض الأمور الفنية التي لا تستغرق سوى أسابيع أو أشهر قليلة".
أما بخصوص خط بانياس بين العراق وسوريا، فاوضح رئيس مركز العراق للطاقة أن "هذا خط متوقف ومدمّر في أجزاء واسعة منه منذ عقود، وهو اليوم يمثل خيارا غير واقعي حيث يواجه عقبات أمنية وسياسية (مثل عقوبات قيصر)، بالإضافة إلى حاجته لإعادة إعمار كاملة للبنية التحتية"، فضلا عن أن "تنفيذه يتطلب فترة زمنية ما بين 3 – 4 سنوات".
أما خط البصرة – العقبة المقترح والذي ينقسم إلى مقطعين الأول البصرة – حديثة، والثاني حديثة – العقبة، فاستبعد الموسوي إمكانية أن "يحل هذا الخط الأزمة الحالية، لأنه مشروع يتطلب بناء جديدا كلياً من الصفر وليس خطاً قائماً يُعاد تشغيله"، ولفت إلى أن "هذا الخط يتطلب فترة تتراوح ما بين 3 – 5 سنوات من تاريخ بدء العمل الفعلي".
وخلص الموسوي بالقول: إنه "في حال استمرار الأزمات أو إغلاق مضيق هرمز، فإن الخيار الوحيد الشبه جاهز لتعويض جزء بسيط من الصادرات العراقية هو أنبوب جيهان التركي، بينما تبقى المشاريع الأخرى (العقبة وبانياس) استراتيجيات طويلة المدى لا تعالج خطر الاختناق النفطي الفوري".
صادرات العراق عبر هرمز
أما الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي فأكد عدم إمكانية استبعاد مضيق هرمز من الحسابات العراقية في تصدير النفط خلال المرحلة الحالية والمقبلة، بسبب تركز البنية التحتية النقطية من محطات ومنصات التحميل في موانئ البصرة.
وقال الهاشمي في حديث لشبكة "الساعة": إنه "من الصعب أن يخرج العراق مضيق هرمز من حساباته لتصدير النفط، بسبب تركز البنية التحتية التصديرية للعراق في موانى الجنوب، ولذلك فإن شركة سومو تقدم خصومات للنفط العراقي لتشجيع الشركات الناقلة للإقبال على النفط العراقي".
وبخصوص خطوط الأنابيب البديلة، فأكد الهاشمي على أن "العراق يقف اليوم على مفترق طرق، وبحاجة ماسة اليوم إلى تفعيل خطوط نقل جديدة للنفط تكون بديلة خلال فترة الأزمات وتكميلية خلال الأوضاع الطبيعية".
وأشار الهاشمي إلى أن "الأولوية للعراق اليوم تتمثل في تفعيل خطي كركوك – جيهان إلى تركيا ورفع الطاقة التصديرية عبره، وحديثة - بانياس إلى سوريا الذي له أهمية كبيرة للعراق من جانبين، الأول يتمثل بأنه بديل من أهم البدائل لنقل النفط بكلف تنافسية تقل عن كلفة النقل بالصهاريج، والثاني فيتمثل في تصدير النفط العراقي وبدء تفعيل صندوق الطاقة للتنمية الذي أعلن عنه رئيس الوزراء العراقي والذي يتضمن تصدير 500 ألف برميل نفط يوميا للجانب الأمريكي عبر البحر المتوسط وميناء بانياس السوري".
ورجح الهاشمي أن "يعتمد العراق خلال الفترة المقبلة على تفعيل خطي جيهان مع تركيا وبانياس مع سوريا لمواجهة أزمات توقف التصدير عبر مضيق هرمز"، مبينا أن "البديل الآخر والمتمثل بخط البصرة – العقبة، فهو الأقل تنافسية من الخطين السابقين، لذلك سيكون الأولوية الثالثة بالنسبة للعراق بعد خطي بانياس وجيهان".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام