لم يغادر العراق آلم الاعتقالات والانتهاكات في السجون العراقية بعد، حتى جاءت حادثة وفاة الشيخ عباس المفرجي العبيدي داخل أحد السجون لتعيد هذا الملف إلى الواجهة من جديد، إذ ذكرت هذه الحادثة بالمأساة التي تواجه آلاف المعتقلين الذين زجوا في السجون دون ارتكاب جرائم جنائية أو إرهابية، وفرضت عليهم أحكاما قاسية بناء على انتزاع الاعترافات تحت الإكراه بعد توقيفهم بناء على وشاية من المخبر السري أو بلاغات كيدية مخالفة للقوانين النافذة.

وكشفت وفاة الشيخ المفرجي عن ازدواجية في التعامل بين العراقيين، حتى في موضوع وطني جامع يخص مقارعة القوات الغازية ومقاومتها، فحادثة الوفاة جاءت بعد أن أمضى المعتقل الضحية 21 عاما في السجون الأمريكية والعراقية بتهمة مقاومة الاحتلال.

والمفارقة في الأمر أن الكثير من المسلحين والقيادات العسكرية الشيعية في العراق التي تنسب لنفسها عمليات المقاومة ضد الاحتلال الأمريكية في الفترة التي سبقت العام 2011، باتوا اليوم من قيادات الخط الأول في الدولة العراقية، بينما انتهى المطاف برجال وقادة المقاومة العراقية في المناطق السنية إما بالقتل أو الإعدام أو الاعتقال والتنكيل في مراكز الاحتجاز لغاية اليوم بتهم الإرهاب، مع الإشارة إلى أن غالبية العراقيين يدركون جيدا أن المقاومة في العراق كان ثقلها الرئيس في المناطق السنية، ولا سيما الأنبار والموصل وديالى وصلاح الدين، إضافة إلى المقاومة المسلحة الشيعية التي قادها التيار الصدري وأتباع زعيمه مقتدى الصدر خلال السنوات الأولى التي أعقبت الغزو قبل أن يعلنوا التخلي عن العمل المسلح والدخول في العمل السياسي في العام 2006 بأمر من زعيم التيار.

شهادة عائلة الضحية

وشيعت أمس الاثنين، عشيرة ألبو مفرج العبيدية وأهالي قرية دحيلة في محافظة ديالى الشيخ عباس مصلح الذي توفي في سجن الناصرية بعد اعتقال دام أكثر من عشرين عاما.

وبحسب شهادة عائلة الضحية، فإن "المفرجي اعتقل عام 2006 من قبل القوات الأمريكية بتهمة مقاومة قوات الاحتلال حينها، واستمر احتجازه لدى الجانب الأمريكي لحين تسليمه إلى السجون العراقية حيث خضع لتحقيقات جديدة وصدر بحقه حكم قضائي".

وأضافت رواية ذويه أن "محكومية المفرجي انتهت قبل نحو عام ونصف، من دون الإفراج عنه، فيما تدهورت حالته الصحية خلال الفترة الأخيرة نتيجة إصابته بتشمع الكبد"، وأشارت الرواية إلى أن ؛ابنه زاره قبل عشرة أيام من وفاته، وأبلغه بتدهور حالته الصحية"، لافتاً إلى أنه "نُقل إلى المستشفى ثم أُعيد إلى السجن قبل أن يتوفى فيه نتيجة تدهور حالته الصحية بسبب الإهمال الطبي من إدارة السجن".

لا علاقة له بالإرهاب

وتواصلت شبكة "الساعة" مع مصدر أمني في محافظة ديالى، والذي بدوره أكد أن التهمة الوحيدة المقيدة ضد المفرجي هي مقاومة الاحتلال الأمريكي.

وقال المصدر: إن "المعتقل المتوفى داخل سجن الحوت عباس المفرجي لم يكن متهما بارتكاب أعمال جنائية أو إرهابية أو طائفية، وإنما كان من الأشخاص الذين عرفوا بمناطقهم بقتال القوات الأمريكية".

مقاومون "إرهابيون" وآخرون متنفذون

ووصف النائب السابق مشعان الجبوري حادثة الشيخ عباس المفرجي بأنه تلخص واقع تعامل السلطات في العراق مع المكون السني.

وقال الجبوري في تغريدة عبر منصة "إكس": إن "من قاوموا الأمريكان من الشيعة يتفاخرون بمقاومتهم ويتصدرون قيادة الدولة أما أبناء السنة كعباس المفرجي الذي اعتُقل بتهمة مقاومة الاحتلال فمات في السجن بعد 20 عاماً دون عفو أو تخفيف للعقوبة وفق ذويه"، وأضاف: أنه "‏حتى في التضحية هناك تمييز على أساس الطائفة، فالمقاوم السني إرهابي والمقاوم الشيعي بطل".

ازدواجية السلطات

الناشط والباحث السياسي عبد القادر النايل يرى أيضا أن حادثة المفرجي تعكس التعامل الطائفي مع العرب السنة في العراق، مبينا أن هذه الحادثة كشفت أكاذيب القوى السياسية الحاكمة وإدعائها مقاومة المحتل الأمريكي، خاصة وأنها تتعامل بانتقام مع الأشخاص الذين قاموا بصدق هذا الاحتلال.

وقال النايل في حديث لشبكة "الساعة": إن "العراقيين توقعوا بعد كل ما حدث من إرهاصات وتهديدات بخروج الاحتلال الأمريكي من العراق، أن يكون يوم الثلاثين من أيلول يوماً للسيادة وتحقيق منجز تاريخي، وارتبطت به مسميات مثل فصائل المقاومة التي لم يكن لها نصيب من اسمها، كما كان الاعتقاد السائد أن السلاح الخارج عن القانون الذي تحمله هذه الفصائل مرتبط بوجود الاحتلال، وأن زوال الاحتلال سيكون الباب الأساسي لخروج كل المقاومين الحقيقيين من السجون الحكومية في العراق، إلا أن الشعب العراقي صُدم بعد حادثة الشيخ عباس المفرجي، أحد الشيوخ الوطنيين المعروفين بمقاومة الاحتلال في ديالى، والذي كان عنواناً للمحبة من جميع المكونات العراقية في ديالى".

وأضاف النايل: أن "الشيخ المفرجي قضى مدة محكوميته البالغة عشرين عاماً في السجن، وبقي ظلماً سنة كاملة دون أي سند قانوني، ولم يتلق الرعاية الصحية بالرغم من الأمراض التي أصابته بسبب السجن، ليموت شهيداً عند الله، وليكون شاهداً على ظلم أقرانه الذين لا زالوا في السجون الحكومية بتهمة مقاومة الاحتلال الأمريكي، والسبب الوحيد أنهم من المكون السني العراقي".

وتابع أن "هذه الازدواجية أكدت أن شعارات السلطات الحكومية والفصائل والإطار التنسيقي زائفة وادعاءات فارغة، فلو كانوا صادقين في شعارات السيادة والمقاومة، لصدرت منهم قرارات تعالج أزمة المعتقلين من جذورها، ولتم توسيع قانون العفو الذي أصبح اسماً على غير مسمى، لأن المعتقلين الحقيقيين لم يستفيدوا منه".

وحمل النايل حكومة علي الزيدي ووزير العدل المسؤولية الكاملة والقانونية حول ملابسات وفاة الشيخ المفرجي، ودعا إلى "إقامة دعاوى قضائية وتحريك استجواب برلماني عاجل لوزير العدل عن سبب بقاء المفرجي سنة كاملة في الحجز دون إطلاق سراحه؟ وما هو السند القانوني لبقاء معتقل يوماً واحداً بعد انتهاء مدة محكوميته؟".

وأكد النايل أن "هذا المشهد يتكرر على جميع المعتقلين من المكون السني، وحمل أيضا البرلمان والنواب السنة على وجه الخصوص هذا التقصير الكبير، وهم يرون المخالفات القانونية للسجون والانتهاكات الفظيعة لحقوق الإنسان ولم يتحركوا حالياً أو سابقاً في إلزام وزارة العدل بتقديم الرعاية الصحية وإطلاق السراح في ذات اليوم الذي تنتهي فيه مدة محكومية المعتقل".

وشدد الناشط السياسي على "ضرورة إلزام الحكومة بعد خروج القوات الأمريكية بتوسيع قانون العفو وإطلاق سراح كل من اعتقلته القوات الأمريكية أو اتُهم بمقاومتها، فهؤلاء هم المقاومون الحقيقيون وليس من يحمل السلاح اليوم خارج الدولة".

توظيف أجهزة الدولة في التصفية الطائفية

من جانب آخر، يؤكد المرصد العراقي للحريات والحقوق أن استهداف المعتقلين من مكون معين يؤكد وجود توظيف لأجهزة الدولة الرسمية في تصفية الخصوم وترهيب المجتمع.

وقال مدير المرصد عادل الخزاعي في حديث لشبكة "الساعة": إن "ملف السجون والمعتقلين والإعدامات في العراق يكشف خطورة توظيف القضاء والأجهزة الأمنية لتصفية الخصوم وترهيب المجتمع، في ظل تقارير وشكاوى عن التعذيب وانتزاع الاعترافات بالإكراه وصدور أحكام تفتقر إلى ضمانات المحاكمة العادلة".

وطالب الخزاعي بـ"مراجعة الأحكام الجائرة، ووقف تنفيذ أحكام الإعدام التي تحيط بها شبهات جدية، وتفعيل قانون العفو العام وإنصاف الأبرياء والمعتقلين تعسفياً، وإنهاء العمل بالمخبر السري وما يسمى بالبودرة والانتماء المجرد بوصفه وسيلة للإيقاع بالناس دون أدلة كافية"، وأشار إلى أن "الدولة التي تعجز عن حماية حق الإنسان في الحرية والمحاكمة العادلة، وتترك السجون خارج الرقابة المستقلة، لا تستطيع بناء الثقة بمؤسساتها".

وأوضح أن "العفو العام ليس منّة من السلطة، بل استحقاق قانوني لإنصاف المظلومين"، مشددا على أن "العدالة لا تكون انتقائية بشكل طائفي ولا يجوز أن تتحول الأحكام القضائية بالإعدام والسجن إلى أداة لتصفية الحسابات السياسية ذات الطابع الطائفي"، حسب تعبيره.

وعلى الرغم من المطالبات المتكررة بتعديل بنود وفقرات قانون العفو العام والتشديد على تطبيق القانون بمحتواه الحقيقي بعد أفرغ من محتواه، فإن آلاف المعتقلين من المتهمين بالإرهاب رفضت معاملاتهم الخاصة بإعادة المحاكمات وطلب الشمول بالعفو العام رغم وجود شهادات تؤكد تعرضهم للظلم وبرائتهم من التهم المنسوبة إليهم.

وبحسب مجلس القضاء الأعلى فإن أكثر من 40 ألف سجين شملوا بقانون العفو العام، ولكن أغلب هؤلاء الذين شملهم العفو من تجار المخدرات وسراق المال العام والفاسدين ومرتكبي الجرائم الجنائية والمخلة بالشرف.