سجلت السجون العراقية خلال الأسابيع الماضية 3 حالات وفاة لمعتقلين موقوفين ومحكومين نتيجة تعرضهم للتعذيب أو الإهمال الطبي، بحسب ما أفاد به ذوو الضحايا وجهات حقوقية عراقية.

واللافت في حالات الوفاة الثلاث التي سُجلت في العاصمة بغداد وصلاح الدين وبابل، أنها تخص معتقلين من المكوّن السني، أوقف أغلبهم على خلفية تهم تتعلق بالإرهاب، ويُذكر أن بعضهم مشمولون بقانون العفو العام.

كما أثار غياب التغطية الإعلامية لحالات الوفاة تلك، وعدم تناولها من قبل العديد من وسائل الإعلام العراقية، تساؤلات من جهات حقوقية، خاصة في ظل تغطية وسائل الإعلام ذاتها لحالات وفاة أخرى لموقوفين في السجون، مثل قضية الموقوف بشير خالد، الذي توفي بعد تعرضه للتعذيب في أحد سجون بغداد، وفق روايات حقوقية.

ويُنظر إلى الوفيات الأخيرة التي سُجلت في السجون العراقية باعتبارها مؤشرات على ممارسات قد تكون ممنهجة بحق معتقلين، أو محاولات للضغط عليهم قبل إطلاق سراحهم، سواء بشمولهم في قانون العفو أو بتبرئتهم من التهم الموجهة إليهم.

حيدر العلياوي.. ضحية قبل الإفراج

وقبل يومين، تُوفي سجين من محافظة الأنبار، كان مشمولًا بقانون العفو العام ويوشك على إطلاق سراحه، بعد تعرضه للتعذيب داخل سجن في بغداد، بحسب رواية ذويه، في ظل ما وُصف بظروف احتجاز صعبة في السجون العراقية.

وتُشير المعلومات إلى أن المواطن حيدر سعود العلياوي، مواليد عام 1984، من سكان مدينة الرمادي، وهو أب لثلاثة أطفال، تُوفي بعد احتجازه في سجن مطار بغداد منذ عام 2016 على خلفية تهمة تتعلق بالسرقة، رغم شموله لاحقًا بقرار العفو.

وقد أمضى حيدر 9 سنوات من مدة محكوميته، وتم إبلاغ ذويه يوم الخميس الماضي بأنه سيتم نقله إلى الرمادي صباح الجمعة لإعادة المحاكمة تمهيدا لإطلاق سراحه، لكن عائلة المعتقل تفاجأت باتصال من أحد الموقوفين معه في التوقيف أبلغهم بوفاته، مشيرًا إلى أن "حيدر تعرض للضرب فجر الجمعة".

وتفيد المصادر أنه "عند توجه العائلة إلى بغداد لتسلم جثمان حيدر من دائرة الطب العدلي، لاحظوا وجود آثار ضرب واضحة على جسده، وعند استفسارهم عن سبب الوفاة، لم يتم تزويدهم بإجابة واضحة، وطُلب منهم مراجعة الدائرة بعد شهر".

وطالبت عائلة الفقيد الجهات المعنية بفتح تحقيق عاجل في ملابسات الوفاة، وكشف الجهات المسؤولة عن الحادث، مؤكدين أن ما جرى يثير العديد من علامات الاستفهام حول ظروف التوقيف والمعاملة التي تعرض لها حيدر العلياوي داخل السجن.

عمر الرفيعي.. عودة طوعية انتهت بالموت

وفي وقت سابق من الشهر الحالي، تم الكشف عن حالة وفاة أخرى للمعتقل عمر الرفيعي من أهالي قضاء الدور بمحافظة صلاح الدين، نتيجة التعذيب أيضًا بحسب ما أفاد به مرصد أفاد الحقوقي.

وقال مصدر في المرصد لشبكة "الساعة": إن "المواطن عمر عيد عبد ناصر الرفيعي (مواليد 1985) توفي تحت التعذيب داخل مقر احتجاز تابع لمديرية استخبارات ومكافحة إرهاب صلاح الدين، في ظروف تمثل انتهاكاً لمعايير الكرامة والعدالة".

وأضاف المصدر أن "الضحية أب لأربعة أبناء، وكان يقيم خارج العراق، وعاد طوعاً لتسليم نفسه بعد شموله بقانون العفو العام، لأنه كان شاهدًا متهماً وليس مداناً، وقد اصطحبه قريبه المنتسب لحماية أحد المسؤولين إلى مديرية شرطة بلد في 7 أيار الجاري، ومن هناك نُقل بعد يوم واحد فقط إلى مديرية استخبارات ومكافحة إرهاب صلاح الدين".

وأشار إلى أن "المرصد تحدث مع أقارب الضحية الذين أكدوا أن عمر تعرض لتعذيب قاسٍ وغير إنساني، تمثل بالخنق والضرب، مع سكب الماء والزاهي على وجهه مما أدى إلى وفاته ليتم تسليمه جثة هامدة داخل بطانية إلى عائلته".

وأفاد أقاربه للمرصد أن "العقيد (باسم غازي العزاوي – استخبارات صلاح الدين) والعقيد (جعفر – شرطة بلد) يتحملون المسؤولية القانونية لكونهم كانوا على علم بما جرى أثناء الاحتجاز"، بحسب قولهم.

وأوضح المصدر أن "المعلومات التي تحقق منها المرصد تفيد بأن جهات أمنية طلبت من العائلة مبلغاً مالياً بالدولار مقابل إطلاق سراحه وهو ما اعتُبر محاولة ابتزاز ومخالفة قانونية"، على حد تعبيره.

وشدد المرصد على أن "ما حدث لا يمكن اعتباره تصرفاً فردياً، بل يمثل جزءاً من نمط متكرر في استخدام العنف داخل السجون وبعض المؤسسات الأمنية التي يعتقد أنها تعمل في ظل غياب واضح للمحاسبة مطالبًا بفتح تحقيق قضائي عاجل ومستقل لضمان محاسبة المتورطين".

ودعا المرصد: "بعثة الأمم المتحدة في العراق والمفوضية العليا لحقوق الإنسان إلى مراقبة التحقيق وضمان عدم التلاعب بالأدلة وحماية حقوق الضحايا إضافة إلى إطلاق مراجعة شاملة لملفات الاحتجاز والتوقيف في عموم المحافظات لكشف أية انتهاكات مماثلة".

وعلى خلفية الحادثة، أعلنت وزارة الداخلية تشكيل لجنة تحقيق خاصة للنظر في الانتهاكات التي وقعت في مديرية استخبارات ومكافحة إرهاب صلاح الدين، بعد وفاة المعتقل عمر عيد عبد ناصر الرفيعي أثناء التحقيق.

الجبوري.. ضحية الضرب القاتل

وفي واقعة أخرى قبل أسبوع، أكدت مصادر أمنية وفاة الشاب حسين عبد الله الجبوري، المعتقل في سجن بابل جنوب بغداد، نتيجة ما وُصف بأنه تعرّض للتعذيب، والضرب المتكرر من قبل عناصر السجن.

وأوضحت المصادر أن "الضحية وهو من أهالي قضاء الشرقاط بمحافظة صلاح الدين فارق الحياة بعد تعرضه للضرب الشديد على كليتيه، ما أدى إلى توقفهما عن العمل بشكل تام وتوفي لاحقًا في إحدى مستشفيات بغداد"، حسب ما نقلته المصادر.

وكشف المركز العراقي لتوثيق جرائم الحرب عن "تسجيل 5 حالات وفاة لمعتقلين مشمولين بقانون العفو قبل إطلاق سراحهم، وذلك خلال الأشهر الخمسة الماضية من العام الجاري".

وقال المستشار القانوني للمركز العراقي لتوثيق جرائم الحرب، أسلم الشمري، في حديث لشبكة "الساعة": إن "السجون العراقية تشهد ازديادًا في حالات الوفاة، لأسباب تتعلق بما يُعتقد أنه تعذيب ممنهج إلى جانب الإهمال الطبي والظروف القاسية، رغم نفي الحكومة لهذه الاتهامات".

وبيّن الشمري أن "الانتهاكات المسجلة تتعلق بظروف الاحتجاز والمعاملة داخل السجون، التي تعاني من اكتظاظ يتجاوز 200% من طاقتها الاستيعابية، إذ تحتجز نحو 65,000 سجين في مرافق مخصصة لـ31,000 فقط"، مشيرًا إلى أن "بعض السجناء توفوا نتيجة أمراض معدية كالجرب، أو بسبب ضعف الرعاية الصحية".

وأضاف أنه "وفقًا لشهادات بعض السجناء، يُسمح لهم بالتعرض لأشعة الشمس فقط لمدة 15 دقيقة يوميًا، في وقت يُحتجز فيه نحو 8 أشخاص داخل زنزانة لا تتجاوز مساحتها 6 أمتار مربعة، مما أدى إلى انتشار الأمراض"، مضيفًا أن "هناك معلومات تفيد بحدوث إعدامات سرية، وعدم شفافية، إضافة إلى ممارسات ابتزاز وفساد"، حسب قوله.

وأوضح الشمري أن "بعض عائلات السجناء تتهم إدارات السجون بابتزازها ماليًا لتحسين ظروف ذويها أو منع تعرضهم للإساءة، فيما تضطر عائلات أخرى إلى دفع رشاوى لتأخير المحاكمات التي قد تنتهي بأحكام إعدام".

وأشار إلى أن "هذه الانتهاكات مستمرة على الرغم من إقرار الحكومة لإصلاحات وتشريعات مثل قانون العفو العام في 2025"، مؤكدًا: "تسجيل 5 حالات وفاة قبل ساعات من إطلاق سراحهم وظهور آثار تعذيب على بعض الجثث"، بحسب ما ورد في الشهادات.

وشدد الشمري على أن "هذه الحالات لا تبدو فردية، بل تعكس نمطًا مؤسفًا من الممارسات التي تستدعي التحقيق والمحاسبة، رغم تشكيل لجان تحقيق إلا أن الإجراءات الملموسة على الأرض ما تزال محدودة، وسط تحذيرات من استمرار هذه الانتهاكات التي قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية في بعض الحالات".

من جهته، أكد الناشط الحقوقي خالد علي أن استمرار حوادث التعذيب في السجون العراقية، وتسجيل مزيد من حالات الوفاة بين المعتقلين يُظهر الحاجة إلى مراجعة جدية للإجراءات الحكومية المعنية بملف حقوق الإنسان داخل أماكن الاحتجاز.

وقال علي في حديث لشبكة "الساعة": إن "الوفيات الأخيرة تعكس تقصيرًا واضحًا في تطبيق الالتزامات الحكومية المتعلقة بمنع التعذيب، لا سيما بعد قضية المهندس بشير، الذي توفي بعد تعرضه للتعذيب في أحد سجون بغداد".

وأضاف أن "التكتم الإعلامي على حالات الوفاة الأخيرة يثير القلق بشأن غياب الشفافية ويزيد المخاوف من استمرار الانتهاكات خاصة بحق الموقوفين من فئات محددة، ممن يُتّهمون غالبًا بقضايا تتعلق بالإرهاب".