محسن علي أكبر المندلاوي، سياسي ورجل أعمال عراقي، وُلد عام 1968، وبرز اسمه في المشهد السياسي العراقي بعد انتخابات عام 2021، حين فاز بعضوية مجلس النواب عن محافظة ديالى.
وفي سبتمبر/أيلول 2022، انتُخب نائبًا أول لرئيس مجلس النواب، قبل أن يتولى رئاسة المجلس بالإنابة في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، عقب إنهاء عضوية محمد الحلبوسي بقرار من المحكمة الاتحادية العليا.
واستمر في إدارة المجلس حتى انتخاب محمود المشهداني رئيسًا له في 31 أكتوبر/تشرين الأول 2024، وإلى جانب نشاطه السياسي، ارتبط اسم المندلاوي بمجالات الأعمال والتعليم والاستثمار الصحي، إذ تولّى رئاسة مجلس إدارة جامعة الفراهيدي والمستشفى العالمي للجراحات التخصصية.
وبالتوازي مع دوره البرلماني، قاد المندلاوي ائتلاف "الأساس العراقي"، الذي ظهر في المشهد السياسي ضمن شبكة التحالفات المتداخلة بين القوى المستقلة والأحزاب والكتل المنضوية في الإطار التنسيقي، وبذلك، لم يعد حضوره مقتصرًا على إدارة جلسات البرلمان، بل امتد إلى بناء التحالفات والتأثير في مسارات التفاوض السياسي.
وفي أحدث محطات مسيرته السياسية، يبرز اسم محسن المندلاوي ضمن الاستحقاقات المرتبطة باستكمال التشكيلة الحكومية برئاسة علي فالح الزيدي، إذ من المقرر أن يعقد مجلس النواب العراقي جلسة يوم الخميس، 15 تشرين الأول/أكتوبر 2026، للتصويت على مرشحي مناصب نواب رئيس مجلس الوزراء والتي ألغيت عام 2015 لتخفيف الأعباء المالية عن الدولة واليوم تستأنف حكومة الزيدي هذه المناصب في ظل ضائقة مالية يشهدها العراق.
من عالم الأعمال إلى قلب الصراع السياسي والمالي في العراق
لم يكن صعود محسن علي أكبر المندلاوي إلى موقع رئاسة مجلس النواب العراقي بالإنابة مجرد انتقال لرجل أعمال إلى منصب سياسي رفيع؛ فقد وضعه هذا الموقع في قلب خلافات تتعلق بإدارة البرلمان، والرقابة على الحكومة، وجداول الموازنة العامة، فضلًا عن أسئلة حول العلاقة بين النفوذ السياسي والمصالح الاقتصادية.
أولًا: دور المندلاوي بقضية التلاعب بجداول موازنة 2024
ارتبطت باسم المندلاوي قضية جداول موازنة العراق لعام 2024، والتي تتعلق بوجود نسخ مختلفة من جداول الموازنة العامة تحمل فوارق مالية كبيرة بينها، وذلك بعد أن كشفت مراسلات بين مجلس الوزراء ورئاسة مجلس النواب عن اختلافات جوهرية بين الجداول التي أرسلتها الحكومة وتلك التي وصلتها بعد تصويت البرلمان عليها.
وقدّرت النائبة محاسن حمدون حجم الفوارق بنحو 15 تريليون دينار عراقي، أي ما يقارب 10 مليارات دولار، فيما قال الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي إن التغييرات رفعت الإنفاق من 211 إلى 226 تريليون دينار، وزادت العجز من 64 إلى 79 تريليون دينار.
وفي خضم القضية، تقدّم النائب باسم خشان، عضو لجنة النزاهة النيابية، بشكوى ضد محسن المندلاوي، الذي كان يشغل منصب رئيس مجلس النواب بالإنابة آنذاك، على خلفية ما وصفه بالتلاعب والتزوير في جداول الموازنة، وقال خشان إن المندلاوي يتحمل المسؤولية عن الواقعة حتى إن لم تكن على علم بالتلاعب، مشيرًا إلى أن التغييرات حدثت بعد تصويت المجلس، وأن تحديد الجهات المتورطة من اختصاص القضاء.
كما أثار موقف المندلاوي من اللجنة التحقيقية التي شكّلتها اللجنة المالية النيابية جدلًا إضافيًا؛ إذ أفادت التقارير بأنه اعترض على تشكيلها وعدّه مخالفًا للقانون، في حين أكدت اللجنة المالية استمرارها في التحقق بالاختلافات، واعتبر منتقدون أن الاعتراض على التحقيق يثير تساؤلات بشأن موقف المندلاوي
كما وصف مصدر نيابي المندلاوي بأنه المشتبه به الرئيسي في قضية الجداول، كما أوردت تقارير اتهامًا صدرت من بعض النواب بتعطيل لجنة التحقيق ومنع إعلان نتائجها.
وتكمن أهمية القضية في أن جداول الموازنة تحدد أوجه الإنفاق الحكومي وتوزيع الأموال على المشروعات والقطاعات والمحافظات؛ لذلك فإن أي اختلاف غير مفسر بين نسخها يستوجب تدقيقًا رسميًا يكشف مصدر التغيير، والجهة التي أجازته، والأثر المالي المترتب عليه.
لكن المسألة الأساسية هنا ليست حجم الفارق المعلن فحسب، بل ما إذا كانت التحقيقات قد توصلت إلى نتائج موثقة، وما إذا كانت هذه النتائج قد نُشرت وأُحيلت إلى الجهات المختصة.
ثانيًا: ملف الكهرباء واتهام بقضية قيمتها 100 مليار دينار
في 24 أكتوبر/تشرين الأول 2024، نشرت شبكة "الساعة" تصريحات لمحمد المالكي، وهو مسؤول سابق في وزارة الكهرباء، اتهم فيها المندلاوي بالتسويف في قضية قال إن قيمتها تبلغ 100 مليار دينار، وربط ذلك بوزير الكهرباء زياد علي فاضل.
وقال المالكي إنه قدّم ملفًا إلى المندلاوي بشأن المبلغ ولم يُتخذ إجراء بشأنه، وإنه تعرض لمضايقات ودعاوى قضائية بعد كشف الملفات، كما أكد وجود تواصل بين المندلاوي والوزير لتأخير القضية، وأوضح أن "تم التعاقد مع شركة نخيل الشرق الأوسط رغم كشف اللجان التخصصية وجود تلكؤ في عملها"، مبينا أنه "من المفترض أخذ الأموال التي في ذمتها والتي تقدر 100 مليار وليس عمل عقد ملحق لها".
وأدت هذه القضية إلى تحرك نيابي لاستجواب وزير الكهرباء بسبب ما وُصف بأنه ملفات فساد مالي وإداري وسوء إدارة في الوزارة وقطاعاتها، قبل أن يعرقل محسن المندلاوي إجراء الاستجواب وفق تصريحات نيابية.
ثالثًا: الثروة والمصالح الاقتصادية وشبهات تضارب المصالح
تُعد العلاقة بين نشاط المندلاوي الاقتصادي وموقعه السياسي من أبرز محاور الانتقاد الموجه إليه، فالسيرة المتداولة عنه تذكر أنه رجل أعمال ورئيس مجلس إدارة جامعة الفراهيدي والمستشفى العالمي للجراحات التخصصية، وهي مواقع اقتصادية ومؤسسية تثير أسئلة مشروعة حول الشفافية، والإفصاح عن المصالح، واحتمال تضارب المصالح عندما يجمع الشخص بين نشاط تجاري ونفوذ سياسي رفيع.
وكشف موقع أعمال متخصص عبر تقرير استقصائي موسع من 30 صفحة نشرته منصة "ENODO Global" وترجمته شبكة "الساعة"، عن اتساع ثروة المندلاوي، وامتلاك أصول وعقارات وشركات، والاستفادة المحتملة من العقود الحكومية، والتأثير في مخصصات الموازنة، فضلًا عن ادعاءات بشأن شراء الولاءات السياسية وتقديم امتيازات لبعض النواب، كما طرح التقرير مزاعم عن شركات صرافة وشبهات تتعلق بغسل الأموال أو الالتفاف على العقوبات.
رابعًا: عقوبات أمريكية تطال شقيقي المندلاوي
في تطور أحدث، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية في 10 سبتمبر/أيلول 2026 فرض عقوبات على شركة "شمس وبحر للتجارة" المسجلة في دبي، وعلى شخصين هما مجيد علي أكبر نامدار المندلاوي وعبدالحسن علي أكبر نامدار المندلاوي.
وقالت الوزارة إن الشركة استُخدمت في تحويل ملايين الدولارات من العراق إلى إيران عبر الإمارات، وإن الشخصين أُدرجا بسبب صلتهما بالشركة ونشاطها في القطاع المالي للاقتصاد الإيراني، في حين أكدت تقارير صحفية عراقية أن الشخصين هما شقيقا محسن المندلاوي.
خامسًا: رئاسة البرلمان وصراع النفوذ بين المكونات
ارتبط اسم محسن المندلاوي بالجدل الطائفي والسياسي الذي رافق تأخر انتخاب رئيس جديد لمجلس النواب العراقي، بعد إبعاد محمد الحلبوسي بقرار من المحكمة الاتحادية العليا في نوفمبر/تشرين الثاني 2023. فقد استمر المندلاوي، بصفته رئيس المجلس بالإنابة، في إدارة البرلمان وسط انقسام القوى السياسية السنية بشأن مرشح المنصب، الذي جرى العرف السياسي بعد عام 2003 على أن يكون من حصتها.
وفي حين حمّلت أطراف سياسية سنية الإطار التنسيقي مسؤولية تعميق الانقسامات بهدف إطالة أمد بقاء المندلاوي في المنصب، رأى الكاتب والصحفي عمر الجنابي أن الخلافات بين القوى السنية وفّرت للإطار فرصة لتعزيز نفوذه في إدارة البرلمان والتأثير في اختيار الرئيس الجديد.
كما أثار موقف المندلاوي الداعي إلى التوافق على مرشح واحد قبل إجراء جولة انتخابية جديدة جدلًا قانونيًا؛ إذ اعتبر الخبير القانوني أمير الدعمي أن تقديم مرشح واحد ليس من صلاحيات رئيس المجلس، وأن المنافسة ينبغي أن تستمر وفق الدستور والنظام الداخلي.
أما تقرير ENODO Global، فيذهب إلى أبعد من ذلك، إذ يضع صعود المندلاوي ضمن قراءة تعتبره جزءًا من نفوذ إيراني متزايد داخل المؤسسات العراقية، ويربطه بعلاقات سياسية مع قوى وفصائل مقربة من طهران.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام