لم يغلق العراق بعد صفحة سرقة القرن التي ما تزال قائمة في المحاكم العراقية، حتى أسدل الستار عن فضيحة سرقة جديدة عبر التلاعب في جداول الموازنة للعام 2024 والتي صوت عليها البرلمان في يونيو / حزيران الماضي.
الفضيحة الجديدة أكدتها لجنتي النزاهة والمالية البرلمانيتين، وكشفت عنها قبل ذلك مراسلات من مجلس الوزراء لرئاسة البرلمان تتحدث عن تغييرات جوهرية في الجداول والأرقام الواردة في الموازنة.
وتؤكد وثائق مجلس الوزراء أن الأخير تسلم جداول الموازنة للعام 2024 بعد التصويت عليها من قبل البرلمان بأرقام تختلف عن الأرقام الواردة في الجداول المرسلة من الحكومة إلى البرلمان.
وجاء في الكتاب المقدم من رئاسة الوزراء إلى رئاسة البرلمان: إن "تدقيق الجداول المطبوعة ورقيًا المرفقة بكتاب البرلمان الموقع من قبل رئيس مجلس النواب بالإنابة محسن المندلاوي أظهر وجود اختلافات جوهرية فيها مقارنة بالنسخة المرسلة من مجلس الوزراء وخلافًا لنص القرار النيابي المذكور".
وأضافت الوثيقة الحكومية: أن "تدقيق الجداول المرسلة بصيغة إلكترونية ضمن القرص المدمج المرفق بكتاب البرلمان، أظهر وجود اختلافات جوهرية فيها مقارنة بالنسخة المرسلة من مجلس الوزراء، فضلاً عن اختلافها عن النسخة المرسلة ورقيًا المرفقة مع الكتاب نفسه".
رئاسة البرلمان تنفي
وردا على كتاب مجلس الوزراء، أكدت رئاسة مجلس النواب أن قرارها النيابي الخاص بتصويت مجلس النواب على جداول الموازنة، جاء كما وردت الجداول من الحكومة دون تلاعب بالأرقام.
وأظهرت وثيقة صادرة من رئاسة مجلس النواب إجابة من رئاسة المجلس إلى مكتب رئيس مجلس الوزراء، تؤكد على أن القرار النيابي بالتصويت على جداول الموازنة جاء كما وردت الجداول من مجلس الوزراء، مع إضافة فقط صلاحية مناقلة 2 تريليون دينار للمحافظات غير المنتظمة بإقليم.
وضجت الأوساط الشعبية والرسمية في العراق حيال هذا التلاعب والجهة التي تورطت فيه، وبرغم أن الفساد المالي يُعدُ أمراً شائعاً، إلا أن وصولَه لهذه المرحلة يمثل تطوراً لافتاً ضمن مسار الفوضى التي تعصف بالبلاد.
شكوى لدى القضاء
وعلى إثر هذه الفضيحة تقدم النائب باسم خشان بشكوى ضد رئيس مجلس النواب بالإنابة محسن المندلاوي تؤكد وجود تلاعب وتزوير في جداول الموازنة، مؤكدا أن قيمة التلاعب في تلك الجداول يصل لنحو 10 مليارات دولار.
وقال خشان وهو عضو لجنة النزاهة النيابية في تصريح لشبكة "الساعة": إن "ما حصل مؤخرا سرقة جديدة لا تقل عن سرقة القرن التي لم تغلق لغاية الآن"، مبيناً أن "رئاسة البرلمان هي الجهة المسؤولة عن ذلك حتى وإن لم تكن تعلم بالتلاعب الحاصل".
وأشار خشان إلى أن "التلاعب حصل بعد تصويت مجلس النواب على جداول الموازنة"، مبينا أن "اتفاق نيابي حصل بعد وصول جداول الموازنة من الحكومة تضمن عدم إجراء تعديلات أو تغييرات في الموازنة والتصويت عليها كما وردت من الحكومة وهو ما حصل فعلا، عندما صوت البرلمان عليها دون مناقشات أو تغييرات"، منوها إلى "التزوير حصل بعد التصويت على الموازنة ما يعني أن بعض الجهات تعد لصفقة وسرقة كبيرة بمليارات الدولارات".
واستبعد خشان أن "يكون هناك أخطاء في نقل الأرقام الواردة في الجداول، لأن الخطأ يمكن أن يكون في أرقام محدودة وليس في الكثير من الأرقام الواردة في الجداول".
وعن الجهة التي تقف وراء ذلك التزوير، شدد خشان على أن "ذلك من اختصاص السلطات القضائية التي استملت الشكوى وربما بسببها ستستدعي العديد من الأسماء للتحقيق والتي من الممكن أن تكون متورطة في الجريمة".
إيقاف التحقيق
وعلى خلفية الكشف عن التزوير والتلاعب بالجداول، أعلنت اللجنة المالية تشكيل لجنة للتحقق في التلاعب والتزوير، وأكدت اللجنة في بيان أنها باشرت بأعمال التحقق وستكمل اللجنة أعمالها بشكل عميق بعد الانتهاء من عطلة الزيارة الأربعينية والتحاق النواب بالدوام في مجلس النواب.
غير أن اللافت في الموضوع والذي يثير الشبهات موقف رئاسة البرلمان من اللجنة التحقيقية التي شكلتها اللجنة المالية البرلمانية، حيث رفض المندلاوي تشكيل اللجنة واعتبر ذلك مخالفة للقانون، وهو ما اعترضت عليه اللجنة المالية التي أكدت استمرار اللجنة في عملية التحقق من التلاعب في موازنة العام 2024.
تلاعب بقيمة 15 تريليون دينار
عضو اللجنة المالية النيابية محاسن حمدون قدرت حجم التلاعب في جداول الموازنة بنحو 15 تريليون دينار عراقي أي ما يعادل 10 مليار دولار.
وأكدت حمدون في حديث لشبكة "الساعة" أن اللجنة التحقيقية التي شكلتها اللجنة المالية باشرت بأعمالها لكنها لم تتوصل إلى الجهات التي قامت بالتزوير ولم تحددها إن كانت في مجلس النواب أو في مجلس الوزراء.
وقالت حمدون: إن "اللجنة ستواصل أعمالها بشكل مكثف خلال أيام بعد انتهاء الزيارة الأربعينية وستقدم نتائج التحقيق للقضاء والجهات المعنية".
وأكدت عضو اللجنة المالية أن "التلاعب والتزوير جرى بعد قراءة اللجنة للجداول وتسليمها لرئاسة البرلمان لغرض التصويت عليها من قبل البرلمان، حيث حصل التصويت دون مناقشة الجداول بسبب وجود توافقات برلمانية على تمريرها كما وردت من الجانب الحكومي"، مشددة على أن "اللجنة المالية لم تقم بإجراء أي تعديلات على الجداول ما يعني إخلاء مسؤولية اللجنة عن التلاعب والتزوير الحاصل".
وأشارت إلى أن "الحكومة ووزارة المالية لن تتعامل مع الموازنة التي فيها جداول مزورة، بل ستعتمد على الجداول المقدمة من الحكومة قبل التلاعب".
وأضافت حمدون: أن "التلاعب والتزوير حصل في أبواب عديدة منها زيادة الإيرادات النفطية بمقدار 5 تريليونات دينار، وزيادة تخصيصات وزارة التجارة من واحد ونصف تريليون إلى 6 تريليونات، وكذلك مناقلة الرسم المفروضة في ملف الكهرباء والتي تقدر بـ 3 تريليونات دينار وغيرها".
التلاعب يفاقم عجز الموازنة
في حين يرى الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي أن التلاعب في جداول الموازنة تسبب بزيادة العجز في الموازنة من 64 تريليون دينار عراقي إلى 79 تريليون دينار.
وقال المرسومي في حديث لشبكة "الساعة": إن "الذي غير جداول الموازنة هو مجلس النواب أو رئاسته، إ ذ إن الجداول جاءت من الحكومة بحجم إنفاق 211 ترليون دينار وخرجت من البرلمان بحجم 226 ترليون دينار وتم التغيير في فقرات زيادة مبلغ البطاقة التموينية 5 ترليون دينار، وزيادة الإيرادات النفطية 5 ترليون دينار، وتقليل مبالغ الرسوم 5 ترليون دينار، وزيادات مالية لوزارة الكهرباء وبعض المحافظات، وذلك التلاعب يعني زيادة عجز الموازنة من 64 إلى 79 ترليون دينار".
وأضاف: أن "رئاسة الجمهورية لم تصادق على جداول موازنة 2024 ولم تنشر بعد في جريدة الوقائع العراقية على الرغم من تصويت البرلمان عليها منذ نحو شهرين والسبب في ذلك اليد الخفية التي عبثت وغيرت بأرقام الجداول في النسختين الورقية والإلكترونية وأضافت 15 ترليونا دينار إليها".
وأوضح المرسومي أن "هذا التزوير والتلاعب يمثل صفقة فساد كبيرة وفصل جديد من فصول الفساد في العراق"، لافتا إلى أن "ما حصل يشكل عبثا ماليا هو الأكبر بتاريخ العراق على اعتبار أن التزوير طال أهم وثيقة مالية في العراق وهي الموازنة".
وتوقع الخبير الاقتصادي أن "تعمل الحكومة إلى التراضي مع مجلس النواب على إغلاق هذا الموضوع والعمل وفق الجداول المرسلة من قبل الحكومة تجنبا للتصعيد والمواجهة بين الجانبين، فيما أشار إلى كشف التلاعب ومحاسبة المقصرين فيه مرهون بتحرك السلطات القضائية والمحكمة الاتحادية ومتابعتها لهذا الملف".
شكوك وشبهات
من جهته يؤكد المحلل السياسي داود الحلفي أن اعتراض رئاسة البرلمان على اللجنة التحقيقية التي شكلت في اللجنة المالية البرلمانية أمر يثير الشكوك والشبهات من قبل رئاسة البرلمان ويثير علامات استفهام كبيرة عن موقف الرئاسة من هذا التلاعب.
وقال الحلفي في حديث لشبكة "الساعة": إنه "ليس من حق رئيس البرلمان الاعتراض على تشكيل لجنة للتحقق في اللجنة المالية، بعد الكشف عن تلاعب في الموازنة"، مشددا على أن إيقاف اللجنة يثير الشكوك وعلامات الاستفهام نحو رئاسة البرلمان".
وأضاف: أن "الفساد ينخر كل المؤسسات العراقية ابتداءً من المناصب الدنيا ووصولا إلى إعلى المناصب، والمال السائب يعلم الناس على السرقة وهو ما يحصل في العراق، والثراء الفاحش للطبقة السياسية دليل على تورطها بالفساد وسرقة المال العام"، واستبعد الحلفي أن "يتم الكشف عن المتورطين في التلاعب والتزوير لجداول الموازنة وأن الموضوع سيغلق كما أغلقت العديد من فصول الفساد والسرقة والتزوير في البلاد".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام