سجل سعر صرف الدولار في السوق الموازية العراقية 162 ألف دينار لكل 100 دولار، في موجة صعود أعادت المخاوف إلى الأسواق، بالتزامن مع نقاشات موازنة 2027 وتداول معلومات عن إمكانية اعتماد سعر صرف جديد يبلغ 1500 دينار للدولار.
ولا يبدو أن ما يجري في السوق مرتبط بعامل واحد؛ إذ تتداخل المضاربات والطلب على العملة الأجنبية وتأخر بعض الحوالات وتمويل الاستيرادات مع حالة عدم اليقين بشأن السياسة المالية، فيما أضاف الحديث عن تغيير السعر الرسمي للدولار عاملاً جديداً دفع المتعاملين إلى إعادة حساباتهم.
وسجلت السوق الموازية، اليوم الثلاثاء 162 ألف دينار لكل 100 دولار، فيما أظهرت أسعار البيع في بعض الصيرفات مستويات أعلى، في وقت تتسع فيه الفجوة مع السعر الرسمي البالغ 1320 ديناراً للدولار.
لكن السؤال الذي يشغل السوق اليوم لا يتعلق بما أوصل الدولار إلى هذه المستويات فحسب، بل بما إذا كانت موجة الصعود الحالية مؤقتة، أم أنها تسبق تحولاً أكبر في سعر الصرف الرسمي مع موازنة العام المقبل.
موازنة 2027 تدخل سوق الدولار
أبرز عامل جديد دخل على خط أزمة الصرف هو الحديث عن تضمين مسودة موازنة 2027 سعراً يبلغ 1500 دينار للدولار، أي 150 ألف دينار لكل 100 دولار.
وقالت عضو اللجنة المالية النيابية ديلان غفور إن مسودة الموازنة تتضمن هذا السعر ضمن التقديرات الموضوعة لإعداد موازنة العام المقبل، لكن المعلومات المتاحة حتى الآن لا تعني أن العراق غيّر سعر الصرف رسمياً، إذ لا يزال المشروع يمر بمراحله الحكومية ولم يصل إلى صورته النهائية النافذة.
وهنا تكمن حساسية الرقم بالنسبة إلى السوق؛ فمجرد انتقال الحديث عن تغيير سعر الصرف من التكهنات العامة إلى نقاشات مرتبطة بمسودة الموازنة قد يدفع التجار والمضاربين وحتى المواطنين إلى شراء الدولار تحوطاً من أي خفض محتمل لقيمة الدينار.
وفي المقابل، أوضح النائب سامي أوشانا تأكيده عدم وصول قرار رسمي إلى البرلمان بشأن اعتماد 1500 دينار للدولار، ما يعني أن الملف لا يزال مفتوحاً ولم يتحول إلى قرار نهائي.
وبذلك أصبحت السوق تتحرك بين رقمين: سعر رسمي يبلغ 1320 ديناراً للدولار، وسعر موازٍ تجاوز 1600 دينار، بينما يتوسطهما رقم 1500 دينار المتداول في نقاشات الموازنة.
لماذا يرتفع الدولار الآن؟
الحديث عن موازنة 2027 لا يقدم بمفرده تفسيراً كاملاً لما يحدث، إذ ترتبط السوق الموازية منذ سنوات بالفجوة بين الطلب على الدولار وبين القدرة على الحصول عليه عبر النظام المصرفي الرسمي.
ويؤدي أي تعثر أو تأخير في الحوالات المستخدمة لتمويل الاستيرادات إلى دفع جزء من التجار نحو السوق الموازية، فيما يرفع الطلب المتزايد على الدولار سعره، خصوصاً عندما يتزامن ذلك مع موجة مضاربة أو توقعات بخفض قيمة الدينار.
وهناك عامل نفسي لا يقل تأثيراً عن العرض والطلب؛ فحين يتوقع المتعاملون ارتفاع الدولار، قد يبدأ بعضهم بشرائه قبل حدوث الارتفاع نفسه، سواء للتحوط أو المضاربة، وهو ما يضيف طلباً جديداً ويغذي حركة السعر.
لذلك فإن وصول الدولار إلى أكثر من 160 ألفاً لا يعني أن السوق استجابت مسبقاً لسعر 1500 دينار المقترح فقط، وإنما يعكس تراكماً لعدة عوامل، أصبح الجدل بشأن الموازنة أبرزها في الأيام الأخيرة.
64 تريليون دينار عجزاً
خلف نقاش سعر الصرف توجد مشكلة مالية أكبر تواجه الحكومة في موازنة العام المقبل، وتشير المعلومات المعلنة إلى أن مشروع موازنة 2027 قد يبلغ نحو 200 تريليون دينار، منها 150 تريليوناً لموازنة البنود و50 تريليوناً لموازنة البرامج والأداء، بينما يقدر العجز بنحو 64 إلى 65 تريليون دينار.
وقال عضو اللجنة المالية جمال كوجر إن وزير المالية أبلغ اللجنة بهذه التقديرات، فيما لا يزال المشروع في مراحله الأخيرة داخل مجلس الوزراء قبل إعادته إلى وزارة المالية للصياغة النهائية ثم التصويت عليه وإحالته إلى البرلمان.
وتتزامن هذه الأرقام مع التزامات مالية متزايدة، في مقدمتها الرواتب والرعاية الاجتماعية وتثبيت العقود والأجراء اليوميين، ما يفرض ضغوطاً إضافية على المالية العامة.
وأوضح عضو لجنة الاقتصاد النيابية عمر محمد أن مشروع الموازنة يتضمن تثبيت نحو مليون من العاملين بصفة عقود وأجراء يوميين، إلى جانب تعيين الخريجين الأوائل ضمن الوجبة الثالثة، بالتزامن مع جرد وزارة المالية لأعداد المشمولين واحتساب الكلف المالية المترتبة على ذلك.
وهنا يصبح سعر الصرف مغرياً من الناحية الحسابية للحكومة، لأن العراق يبيع النفط بالدولار لكنه يدفع الجزء الأكبر من نفقاته الداخلية بالدينار.
فمقابل كل مليار دولار، تحصل الخزينة عند سعر 1320 ديناراً على نحو 1.32 تريليون دينار، بينما تحصل عند سعر 1500 دينار على 1.5 تريليون دينار، أي بزيادة حسابية قدرها 180 مليار دينار لكل مليار دولار يتم تحويله.
لكن هذه الزيادة لا تمثل إيراداً اقتصادياً جديداً، بل تنتج عن انخفاض قيمة الدينار مقابل الدولار.
هل يدفع المواطن كلفة معالجة العجز؟
هذه هي النقطة الأكثر حساسية في أي تغيير محتمل لسعر الصرف فالعراق يعتمد بصورة واسعة على السلع والمواد المستوردة، وبالتالي فإن انخفاض قيمة الدينار يعني أن شراء الدولار يصبح أكثر كلفة، وقد تنتقل هذه الزيادة إلى أسعار المواد الغذائية والأدوية والأجهزة والملابس ومختلف السلع المستوردة.
وبذلك تستطيع الحكومة الحصول على دنانير أكثر مقابل إيراداتها النفطية الدولارية، لكن راتب الموظف الذي يبقى ثابتاً بالدينار يمكن أن يفقد جزءاً من قوته الشرائية إذا ارتفعت الأسعار.
ولهذا حذر اقتصاديون ونواب تحدثوا عن موازنة 2027 من استخدام سعر الصرف بوصفه حلاً منفرداً للعجز، وطالبوا بمعالجة الإنفاق وزيادة الإيرادات غير النفطية وإصلاح النظامين المصرفي والضريبي بدلاً من نقل جانب من كلفة الأزمة إلى المستهلك.
هل يغير البنك المركزي السعر للمرة الثالثة؟
في خضم الجدل، أعاد الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي فتح ملف العلاقة بين السياسة المالية وقرار البنك المركزي بشأن سعر الصرف.
وأشار المرسومي إلى أن قانون البنك المركزي يمنحه صلاحية تحديد سعر صرف الدينار، مستذكراً تغيير السعر في 2020 ثم تعديله مرة أخرى في 2023، ومعتبراً أن احتمال إجراء تعديل ثالث يبقى قائماً إذا اتجهت السلطة المالية نحو هذا الخيار.
لكن حتى الآن، لا يوجد إعلان رسمي من البنك المركزي عن تغيير سعر الصرف، وهو فارق أساسي بين احتمال يناقش داخل الأوساط المالية والسياسية وبين قرار نقدي أصبح نافذاً.
الاحتياطيات تحت المراقبة
عامل آخر تراقبه السوق يتعلق بمستوى احتياطيات العراق من العملة الأجنبية، باعتبارها أحد أهم خطوط الدفاع عن استقرار الدينار وقدرة البنك المركزي على تمويل الطلب المشروع على الدولار.
وبحسب البيانات الواردة في المادة والمستندة إلى أرقام البنك المركزي، انخفضت الاحتياطيات الأجنبية إلى نحو 80.6 مليار دولار بنهاية تموز 2026، مقارنة بنحو 97.4 مليار دولار في نهاية العام السابق.
ولا يعني تراجع الاحتياطيات وحده أن خفض قيمة الدينار أصبح حتمياً، إذ يتأثر حجمها بعوامل متعددة، لكنه يصبح أكثر أهمية عندما يتزامن مع ارتفاع الإنفاق الحكومي والعجز واتساع الفجوة بين السعر الرسمي والموازي.
النفط في قلب المعادلة
وتبقى قدرة العراق على الحصول على الدولار مرتبطة بدرجة كبيرة بالنفط، الذي يمثل المصدر الأساسي للإيرادات العامة والعملات الأجنبية.
ولهذا فإن أي اضطراب في الصادرات أو تراجع كبير في الإيرادات النفطية يزيد حساسية المالية العامة وسوق الصرف، بينما تمنح الإيرادات المرتفعة البنك المركزي والحكومة مساحة أكبر لإدارة الضغوط.
وتشير تقديرات موازنة 2027 المتداولة إلى اعتماد سعر افتراضي للنفط يتراوح بين 60 و70 دولاراً للبرميل، وهو ما يوضح حجم ارتباط الحسابات الحكومية بمسار أسواق الطاقة.
إلى أين يتجه الدولار؟
لا توجد حتى الآن معطيات تسمح بالجزم بمسار واحد للدولار خلال الفترة المقبلة فإذا حُسم الجدل رسمياً بالإبقاء على سعر 1320 ديناراً، وتحسنت انسيابية الحوالات وازداد عرض الدولار عبر القنوات الرسمية، فقد تتراجع الضغوط التي غذت السوق الموازية.
أما إذا مضت الحكومة والبنك المركزي باتجاه اعتماد 1500 دينار، فسيكون العراق أمام تغيير رسمي جديد في قيمة عملته، وستنتقل الأسئلة من احتمال تعديل السعر إلى حجم انعكاسه على الأسعار والرواتب والتضخم.
ويبقى السيناريو الثالث أن تستمر حالة الغموض، وهي في حد ذاتها بيئة مناسبة للمضاربة، لأن السوق لا تتحرك على القرارات فقط، بل على توقع ما ستكون عليه القرارات.
وبين دولار وصل حاجز 162 ألف دينار في السوق الموازية، وعجز قد يصل إلى 64–65 تريليون دينار في موازنة 2027، وحديث لم يُحسم بعد عن سعر رسمي جديد، تبدو الأيام المقبلة مرتبطة بثلاثة مؤشرات رئيسية: موقف الحكومة النهائي من سعر الصرف، قرار البنك المركزي، وقدرة القنوات الرسمية على تلبية الطلب على الدولار.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام