يُعد فالح الفياض من بين أبرز الوجوه التي أثّرت في المسار الأمني والسياسي العراقي بعد عام 2003، حيث تولّى مناصب عليا ذات طابع حاسم في إدارة الدولة، فقد شغل موقع مستشار الأمن الوطني ورئاسة هيئة الحشد الشعبي، وهو ما منحه دورًا مركزيًا في صياغة القرارات الأمنية والاستراتيجية طوال السنوات الماضية.

نفوذ الفياض لم يقتصر على الجانب الأمني بل امتد أيضًا إلى العمل السياسي، من خلال تأسيسه لحركة "العطاء"، في خطوة تعكس تطلعاته للعب أدوار أوسع داخل المشهد السياسي العراقي.

هذا الوضع بين قيادة تشكيل عسكري واسع النفوذ ومنصب رسمي في الأمن القومي، جعل الفياض في موقع متقدم ضمن النخبة الحاكمة، ومكّنه من التأثير في مفاصل حساسة داخل الدولة العراقية.  

 النشأة والخلفية التعليمية

وُلد فالح الفياض في 27 مارس 1956 في بغداد، وينتمي إلى عشيرة البوعامر، إحدى العشائر المعروفة في العراق، حصل على شهادة البكالوريوس في الهندسة الكهربائية من جامعة الموصل عام 1977.

وفي أواخر السبعينيات انضم إلى حزب الدعوة الإسلامية الذي كان محظورًا آنذاك، واعتُقل في عام 1980 بتهمة الانتماء للحزب، حيث صدر بحقه حكم بالسجن المؤبد، وقضى خمس سنوات في سجن أبو غريب قبل الإفراج عنه.

بعد عام 2003، بدأ الفياض بالظهور بشكل بارز في الساحة السياسية والأمنية العراقية، وانخرط من التغيير الذي شهده البلد.  

 المسيرة المهنية والأدوار الرسمية

المناصب الأمنية

شغل فالح الفياض العديد من المناصب البارزة في الدولة العراقية، أبرزها رئاسة هيئة الحشد الشعبي منذ عام 2016 وحتى اليوم، حيث يشرف على تنسيق وإدارة فصائل الحشد، وهي مهمة ذات طابع أمني وسياسي حساس وتحتاج علاقات متجذرة بين النخبة السياسية والفصائل المسلحة.

وعلى الرغم من النقاش المحتدم حول الحشد وموقعه داخل المؤسسة الأمنية الرسمية، فقد استطاع الفياض البقاء في منصبه لسنوات طويلة، ما يعكس دعماً من أطراف رئيسية في المشهد السياسي العراقي، كما يشير إلى مكانته داخل هيكل السلطة وصعوبة تجاوزه في الملفات الأمنية.  

كما تولى الفياض منصب مستشار الأمن الوطني بين عامي 2009 و2020، وقدم خلال هذه الفترة المشورة لرئيس الوزراء في قضايا الأمن القومي، وشهدت فترة عمله لقاءات مع مسؤولين أمريكيين عام 2011 ، وانتهت بإعفائه في عام 2020.

وفي وقت سابق، كان الفياض وزير دولة لشؤون الأمن الوطني في الحكومة الأولى لنوري المالكي، وهو ما شكّل نقطة انطلاق له نحو مواقع أمنية أكثر تأثيرًا.

هذا التسلسل في توليه المناصب الأمنية من وزير دولة إلى مستشار ثم إلى رئيس هيئة، يدل على مسار تصاعدي يعكس تراكمًا في والثقة، ويبرر حجم النفوذ الذي يحظى به اليوم في الشأنين الأمني والسياسي على حد سواء.  

المناصب السياسية والإدارية

تقلّد فالح الفياض عددًا من المناصب المهمة التي عززت من حضوره داخل مؤسسات الدولة العراقية، وأسهمت في توسيع نفوذه في الملفات السياسية والأمنية على حد سواء، فقد شغل منصب مدير مكتب نائب رئيس الجمهورية، وكان عضوًا في لجنة المصالحة الوطنية. 

كما تولّى الفياض رئاسة اللجنة الفنية العليا لأمن الاتصالات والمعلومات، وكان نائبًا لرئيس الهيئة الوطنية للتنسيق الاستخباري، ومسؤولًا عن لجنة إصدار البطاقة الوطنية العراقية.

وشغل أيضًا منصب وزير الدولة لشؤون الأمن الوطني وكالةً، ورئاسة اللجنة المشتركة المعنية بملف معسكر "العراق الجديد" (أشرف سابقًا)، إضافة إلى دوره كحلقة وصل بين الائتلاف العراقي الموحد والحكومة العراقية في عام 2005، ما يدل على موقعه المحوري في التنسيق السياسي آنذاك.

وعلى الصعيد السياسي، كان الفياض عضوًا في الجمعية الوطنية بعد عام 2003، ثم انتُخب نائبًا في أول برلمان عراقي منتخب عام 2005 ضمن قائمة الائتلاف الوطني العراقي.

وفي عام 2017، أسس حركة "عطاء" السياسية، في خطوة تعكس طموحه لتوسيع تأثيره في الحياة السياسية من خلال بناء إطار حزبي خاص به.

 دوره في تأسيس وتنسيق الحشد الشعبي

بعد صدور فتوى الجهاد الكفائي من المرجعية الدينية في النجف عام 2014، والتي دعت إلى التطوع لمواجهة تنظيم "داعش"، بدأت تتبلور ملامح تشكيل قوة موازية للقوات الأمنية، عُرفت لاحقًا بالحشد الشعبي. 

في هذا السياق برز اسم فالح الفياض ضمن الشخصيات التي ساهمت في تنسيق الجهود الحكومية لتنظيم مشاركة الفصائل المسلحة، وفي عام 2016 صدر قرار بتعيينه رئيسًا لهيئة الحشد الشعبي، وهي جهة رسمية تُعنى بإدارة الفصائل المنضوية تحت مظلتها، وترتبط إداريًا برئاسة الوزراء.

وفي إطار عمله تولى الفياض مهمة تنظيم العلاقة بين الفصائل والدولة، من خلال وضع أطر إدارية وهيكلية للتنسيق مع باقي المؤسسات الأمنية والعسكرية، وقد واجهت الهيئة خلال هذه الفترة تحديات متعددة تتعلق بتنوع الفصائل واختلاف مرجعياتها، ما تطلب إدارة حذرة لتقليل التوترات والحفاظ على حد أدنى من الانسجام في عمل هذه القوة.

حافظ الفياض على علاقات متعددة مع مختلف الفصائل، بما في ذلك تلك القريبة من المرجعية الدينية وأخرى ذات توجهات سياسية مختلفة.

وقد أثار هذا التوازن جدلًا في بعض الأوساط خاصة في ظل الانتقادات التي طالت أداء الحشد الشعبي، سواء فيما يخص ممارسات ميدانية أو علاقته بالمؤسسة الأمنية الرسمية، وهو ما جعل موقع الهيئة ومن يديرها، موضع نقاش داخلي وخارجي متكرر.

 ورغم استمرار هذا الجدل، لم تطرأ تغييرات جوهرية على موقع الفياض داخل الهيئة، ما يشير إلى استمرار الدعم السياسي له من جهات مؤثرة في الدولة.

العلاقات الإقليمية والدولية

تُثار تساؤلات في الأوساط السياسية والإعلامية بشأن طبيعة العلاقة التي تجمع فالح الفياض ببعض الجهات الإقليمية، خصوصًا الحرس الثوري الإيراني ومدى تأثير هذه العلاقة على استقلالية هيئة الحشد الشعبي.

وتشير بعض التقارير إلى وجود تنسيق بين الفياض ومسؤولين إيرانيين في مراحل مختلفة، لا سيما في ما يتعلق بإدارة بعض ملفات الحشد وتعزيز حضوره ضمن المشهد الأمني العراقي.

هذا النوع من العلاقة يُنظر إليه من قبل بعض المراقبين على أنه يثير حساسيات في علاقات العراق الخارجية، خصوصًا مع الولايات المتحدة ودول أخرى، التي تراقب عن كثب مدى توازن علاقات بغداد الإقليمية.

وفي مواقفه السياسية وتحركاته الإقليمية، يُعرف فالح الفياض بعلاقاته الوثيقة مع إيران، وقد أثارت مواقفه الجدل في أكثر من مناسبة بسبب ما يُنظر إليه على أنه انحياز للمحور الإيراني في العراق.

العقوبات والجدل السياسي

في 8 كانون الثاني/يناير 2021، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على الفياض بموجب قانون "ماغنيتسكي" العالمي، بتهمة "الضلوع في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان" على خلفية قمع احتجاجات أكتوبر 2019.

 وذكرت الوزارة أن الفياض كان جزءًا من خلية أزمة ضمت قادة من فصائل الحشد الشعبي وبدعم من فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، واتُهم باستخدام العنف المفرط ضد المتظاهرين، بما في ذلك الذخيرة الحية وعمليات الاختطاف.

جاءت هذه العقوبات بعد تراجع حاد في علاقته بالولايات المتحدة، التي كانت تعتبره لسنوات محاورًا مقبولًا ومعتدلًا داخل مؤسسات الأمن العراقية.

وفي عام 2018 أقال حيدر العبادي، فالح الفياض من مناصبه، لكنه عاد إليها لاحقًا بقرار قضائي، وتعكس إقالته من مناصبه ثم عودته إليها، صراعات داخل النظام السياسي العراقي وتأثير القضاء في مثل هذه النزاعات، مما يشير إلى أن نفوذه السياسي لا يعتمد فقط على المناصب الرسمية بل أيضًا على علاقاته وقدرته على التأثير في القرارات القضائية، وفي عام 2020 أعفاه مصطفى الكاظمي من منصب مستشار الأمن القومي لكنه بقي في رئاسة هيئة الحشد الشعبي.   

يُعد فالح الفياض أحد أبرز الشخصيات التي راكمت نفوذًا واسعًا في مؤسسات الدولة العراقية بعد 2003، من خلال الجمع بين أدوار أمنية وسياسية حساسة، وبالنظر إلى موقعه في قيادة الحشد الشعبي وصلاته الإقليمية، يبقى الفياض طرفًا لا يمكن تجاهله في معادلة السلطة والصراع على النفوذ داخل العراق.