من بين أبرز الشخصيات التي طبعت المشهد السياسي العراقي بعد عام 2003، يبرز اسم نوري المالكي، الذي انتقل من العمل المعارض في صفوف حزب الدعوة الإسلامية إلى رئاسة الحكومة لولايتين متتاليتين بين عامي 2006 و2014. 

وخلال سنوات حكمه واجه العراق أزمات أمنية وسياسية عميقة، كان أبرزها تصاعد العنف الطائفي ثم سقوط أجزاء واسعة من البلاد بيد تنظيم داعش عام 2014.

وبعد مغادرته رئاسة الحكومة، حافظ المالكي على حضوره السياسي من خلال قيادة ائتلاف دولة القانون والأمانة العامة لحزب الدعوة، قبل أن يعود اسمه بقوة إلى الواجهة عقب الانتخابات البرلمانية لعام 2025، عندما طُرح مجددًا مرشحًا لرئاسة الحكومة في عام 2026.

نبذة تعريفية

وُلد نوري كامل محمد حسن المالكي في 20 يونيو/حزيران 1950 في قضاء الهندية «طويريج» بمحافظة كربلاء، وينتمي إلى عائلة عُرفت بالنشاط الديني والأدبي؛ إذ كان جده محمد حسن أبو المحاسن عالمًا وشاعرًا وشارك في ثورة العشرين، وشغل لاحقًا منصب وزير المعارف في العهد الملكي.

حصل المالكي على البكالوريوس في أصول الدين من كلية أصول الدين في بغداد عام 1973، ثم نال درجة الماجستير في اللغة العربية من جامعة صلاح الدين في أربيل خلال فترة وجوده في المنفى.

انضم المالكي إلى حزب الدعوة الإسلامية في شبابه، وغادر العراق بعد تعرض الحزب للقمع من نظام صدام حسين، ليعيش سنوات طويلة في المنفى بين إيران وسوريا. واستخدم خلال تلك الفترة الاسم الحركي «جواد المالكي».

بداياته السياسية ودوره في المعارضة

خلال سنوات المنفى، تولى المالكي أدوارًا تنظيمية داخل حزب الدعوة، وأدار فرع الحزب في سوريا ولبنان، كما شارك في نشاط المعارضة العراقية. وعمل كذلك على إصدار صحيفة «الموقف» الناطقة باسم الحزب.

وتشير مصادر إلى أنه تولى خلال تلك المرحلة مسؤوليات مرتبطة بالعمل العسكري والتنظيمي للحزب في سوريا ولبنان، قبل أن يعود إلى العراق بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003.

تفجير السفارة العراقية في بيروت عام 1981

في 15 ديسمبر/كانون الأول 1981 تعرضت السفارة العراقية في بيروت لهجوم انتحاري بسيارة مفخخة، ونُسب الهجوم إلى عناصر من حزب الدعوة، وأسفر وفق مصادر لاحقة عن مقتل عشرات الأشخاص.

وترتبط هذه العملية بسيرة المالكي بصورة مثيرة للجدل؛ إذ ذكر المالكي نفسه في مقابلة مع مجلة نيويورك أنه لم يكن مشاركًا مباشرة في العملية، بينما نقلت المجلة عن أحد المقربين منه اتهامًا له بالمسؤولية عن الأنشطة العسكرية للحزب في سوريا ولبنان ومعرفته بالمنفذ. 

العودة إلى العراق والصعود السياسي

بعد سقوط النظام السابق عام 2003، عاد المالكي إلى العراق وانخرط في العملية السياسية الجديدة. وتولى منصب نائب رئيس هيئة اجتثاث البعث، ثم أصبح عضوًا في الجمعية الوطنية الانتقالية، وشارك في لجنة صياغة الدستور العراقي.

وفي عام 2006، برز اسمه مرشحًا لرئاسة الحكومة وسط خلافات داخل الائتلاف العراقي الموحد، وفي 20 مايو/أيار 2006 أدت حكومته اليمين الدستورية.

الولاية الأولى 2006–2010

تولى المالكي رئاسة الحكومة في مرحلة اتسمت بتصاعد العنف الطائفي، خصوصًا بعد تفجير مرقد الإمامين العسكريين في سامراء عام 2006.

وخلال ولايته الأولى، خاضت الحكومة مواجهات مع جماعات مسلحة، من بينها جيش المهدي التابع للتيار الصدري، ولا سيما خلال عملية صولة الفرسان في البصرة عام 2008.

وفي الوقت نفسه، شهدت البلاد نشاط مجالس الصحوة التي ساهمت في مواجهة تنظيم القاعدة في عدد من المناطق السنية، ورغم رفع الحكومة شعار المصالحة الوطنية، استمرت الخلافات السياسية والأمنية بين القوى والمكونات العراقية.

الولاية الثانية 2010–2014

بعد انتخابات 2010، تمكن المالكي من تشكيل حكومة ثانية عقب مفاوضات سياسية طويلة، واستمر في رئاسة الوزراء حتى عام 2014.

شهدت هذه المرحلة استمرار التوترات السياسية والأمنية، وتصاعد الخلافات بين الحكومة وعدد من القوى السنية والكردية، إلى جانب خلافات مع التيار الصدري وقوى سياسية أخرى.

كما واجه المالكي انتقادات بشأن تركيز السلطات الأمنية والسياسية في مكتبه واعتماده على شخصيات مقربة منه، كما اتهمه خصومه باتباع سياسات أسهمت في تعميق الاحتقان الطائفي، وهي اتهامات رفضها المالكي وأنصاره.

وتزامنت السنوات الأخيرة من ولايته مع تدهور الوضع الأمني وصعود تنظيم داعش، الذي سيطر في يونيو/حزيران 2014 على الموصل ومناطق واسعة من شمال وغرب العراق.

سقوط الموصل ونهاية الولاية

كان سقوط الموصل عام 2014 نقطة تحول رئيسية في مسيرة المالكي السياسية. ومع اتساع سيطرة تنظيم داعش والضغوط الداخلية والخارجية المطالبة بتغيير القيادة، تخلى المالكي في 14 أغسطس/آب 2014 عن محاولته الحصول على ولاية ثالثة وأعلن دعمه لتولي حيدر العبادي رئاسة الحكومة.

وأصبحت نهاية حكمه مرتبطة بأحد أكثر التحولات الأمنية والسياسية خطورة في تاريخ العراق بعد 2003، في حين استمر الجدل حول مسؤولية سياسات حكومته عن الظروف التي سبقت انهيار القوات العراقية أمام داعش.

علاقاته الإقليمية والدولية

العلاقة مع إيران

ارتبط المالكي بعلاقات سياسية مع إيران منذ سنوات المعارضة، واستمرت العلاقات بين بغداد وطهران في التطور خلال فترة رئاسته للحكومة، خصوصًا في المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية.

وأصبح التقارب العراقي الإيراني أحد الملفات التي أثارت جدلًا داخليًا وخارجيًا خلال سنوات حكمه، في ظل التنافس الإقليمي على النفوذ في العراق.

العلاقة مع الولايات المتحدة

بدأت علاقة المالكي بالولايات المتحدة في إطار التعاون الذي فرضته مرحلة ما بعد 2003، ولا سيما في المجالات الأمنية والعسكرية.

لكن العلاقات شهدت توترات متزايدة خلال ولايته الثانية، خصوصًا مع اختلاف المواقف بشأن إدارة الملف الأمني والسياسي والعلاقة مع القوى المسلحة وإيران. وقد أصبح المالكي لاحقًا أحد السياسيين الذين انتقدت واشنطن سياساتهم خلال مرحلة حكمه.

العلاقات مع دول الخليج

شهدت علاقات العراق مع عدد من دول الخليج، خصوصًا السعودية، توترات خلال فترة حكم المالكي، في ظل الخلافات بشأن الملفين السوري والعراقي ودور إيران في المنطقة.

وكان المالكي يتهم بعض الدول الإقليمية بدعم جماعات مسلحة في العراق، بينما اتهمه خصومه بتبني سياسات ساهمت في توسيع الفجوة بين العراق وبعض محيطه العربي.

وضعه السياسي بعد 2014

بعد خروجه من رئاسة الحكومة، استمر المالكي في الحياة السياسية، وشغل منصب نائب رئيس الجمهورية لفترة قصيرة قبل إلغاء مناصب نواب الرئيس ضمن حزمة الإصلاحات الحكومية عام 2015.

وفي الوقت نفسه، واصل قيادة ائتلاف دولة القانون، وحافظ على موقعه داخل حزب الدعوة الإسلامية، واستمر أحد أبرز الفاعلين في التحالفات السياسية الشيعية، وفي عام 2025، أعيد انتخابه أمينًا عامًا لحزب الدعوة الإسلامية، وهو ما عزز موقعه داخل الحزب وفي المشهد السياسي العراقي.

الانتخابات البرلمانية 2025

شهد العراق انتخابات مجلس النواب في 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2025. وحصل ائتلاف الإعمار والتنمية بزعامة رئيس الوزراء آنذاك محمد شياع السوداني على 46 مقعدًا من أصل 329، بينما حصل ائتلاف دولة القانون بزعامة المالكي على 29 مقعدًا.

وأظهرت النتائج استمرار حضور المالكي السياسي، لكنها لم تمنح ائتلافه أغلبية برلمانية منفردة؛ إذ تطلب تشكيل الحكومة مفاوضات واسعة بين القوى السياسية.

ترشيح المالكي لرئاسة الحكومة في 2026

بعد الانتخابات، رشح حزب الدعوة الإسلامية أمينه العام نوري المالكي لرئاسة الحكومة، ثم أعلن الإطار التنسيقي في يناير/كانون الثاني 2026 دعمه لترشيحه، لتبدأ مرحلة جديدة من الجدل السياسي حول إمكانية عودته إلى المنصب بعد أكثر من عقد على مغادرته.

واستمرت المفاوضات عدة أشهر وسط خلافات داخلية وضغوط سياسية خارجية، قبل أن يتراجع مسار ترشيح المالكي وتنتقل عملية تشكيل الحكومة إلى مرشح توافقي.

وفي أبريل/نيسان 2026، كُلّف علي فالح الزيدي بتشكيل الحكومة، بعد انسحاب المالكي والسوداني من مسار التنافس على المنصب.

وبحلول سبتمبر/أيلول 2026، أصبح الزيدي رئيسًا للحكومة، بينما بقي المالكي في موقعه السياسي بوصفه رئيس ائتلاف دولة القانون وأحد الشخصيات المؤثرة داخل المشهد السياسي العراقي.

إرث سياسي مثير للجدل

تظل تجربة نوري المالكي في الحكم من أكثر التجارب السياسية إثارة للنقاش في عراق ما بعد 2003، فأنصاره يشيرون إلى دوره في إعادة بناء مؤسسات الدولة ومواجهة الجماعات المسلحة خلال فترات العنف، بينما يربط منتقدوه بين سياسات حكومته وتفاقم الاستقطاب السياسي والطائفي وتراجع الثقة بين المكونات، وصولًا إلى أزمة 2014 وسقوط الموصل.

وبعد أكثر من عقد على مغادرته رئاسة الحكومة، أثبتت عودته إلى واجهة الترشيحات في 2026 أن المالكي لا يزال يمتلك حضورًا مؤثرًا في السياسة العراقية، حتى بعد انتهاء مسار ترشيحه لرئاسة الحكومة.

وتبقى تجربته جزءًا أساسيًا من فهم التحولات التي مر بها العراق منذ 2003، بما فيها صعود القوى السياسية الجديدة، وتبدل التحالفات، وأزمات الأمن والطائفية، والعلاقة المعقدة بين العراق والقوى الإقليمية والدولية.