اعتمدت الاحتلال الإسرائيلي منذ عقود على الاغتيالات كإحدى أدواتها الأمنية والاستخبارية لاستهداف خصومها، ومع تطور التكنولوجيا توسعت أساليب تنفيذ هذه العمليات، من العبوات المتفجرة المخفية في الأجهزة الإلكترونية والمركبات إلى الهجمات السيبرانية والأنظمة القتالية المتطورة.
وقد أسهم هذا التطور في تغيير طبيعة عمليات الاستهداف، وجعلها أكثر اعتمادًا على التكنولوجيا والاستخبارات عن بُعد.
الاغتيالات المبكرة وتطور الأساليب
بدأ توظيف التقنيات الحديثة في عمليات الاغتيال الإسرائيلية بصورة واضحة منذ سبعينيات القرن الماضي، مع اعتماد أجهزة الاستخبارات، ولا سيما الموساد والشاباك، على وسائل تهدف إلى استهداف الشخصيات المطلوبة مع تقليل المخاطر المباشرة على المنفذين.
ومن أبرز الأمثلة اغتيال محمود الهمشري، ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في فرنسا، عام 1972، في عملية نُسبت إلى الموساد، إذ زُرعت عبوة ناسفة مرتبطة بهاتفه، وأصيب الهمشري بجروح خطيرة بعد انفجارها، ثم توفي في يناير 1973 متأثرًا بإصاباته.
الأجهزة الإلكترونية كوسيلة للاستهداف
ومع تطور تقنيات الاتصالات، ظهرت أساليب تعتمد على استغلال الأجهزة الإلكترونية للوصول إلى الشخص المستهدف. ففي عام 1996 اغتيل يحيى عياش، أحد أبرز مهندسي كتائب القسام، بواسطة هاتف محمول مفخخ انفجر أثناء استخدامه.
وأصبحت هذه العمليات مثالًا على توظيف الأدوات اليومية، مثل الهواتف، في عمليات استهداف دقيقة بدلًا من الاعتماد على الوسائل التقليدية وحدها.
المركبات والأنظمة القتالية المتطورة
خلال العقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين، استُخدمت العبوات الناسفة المزروعة في المركبات لاستهداف قيادات وشخصيات بارزة، ومن الأمثلة اغتيال عز الدين الشيخ خليل، القيادي في حركة حماس، في دمشق عام 2004، إثر انفجار عبوة ناسفة في سيارته.
وفي عام 2020 اغتيل العالم النووي الإيراني محسن فخري زاده في عملية نُسبت إلى "إسرائيل"، وأفادت تقارير متعددة بأن العملية نُفذت باستخدام سلاح آلي يتم التحكم به عن بُعد ومجهز على مركبة، إلا أن تفاصيل التقنية المستخدمة وطريقة تشغيلها ظلت موضع نقاش وتباين بين التقارير.
الهجمات السيبرانية وتفجير أجهزة الاتصال
في سبتمبر 2024، شهدت لبنان واحدة من أبرز العمليات التي استهدفت أجهزة الاتصالات التابعة لحزب الله، عندما انفجرت آلاف أجهزة النداء «بيجر» ثم أجهزة اتصال لاسلكية في اليوم التالي، ما أدى إلى مقتل وإصابة أعداد كبيرة من الأشخاص وتعطيل جزء من منظومة اتصالات الحزب.
ونُسبت العملية على نطاق واسع إلى "إسرائيل"، وكشفت تقارير عن اختراق سلسلة توريد الأجهزة وزرع متفجرات صغيرة فيها قبل وصولها إلى المستخدمين، وأظهرت العملية مدى خطورة دمج العمل الاستخباري بالتكنولوجيا وسلاسل التوريد، إذ تحولت أجهزة اتصال اعتيادية إلى أدوات يمكن استخدامها في عملية استهداف واسعة النطاق.
الذكاء الاصطناعي والحروب الحديثة
برز الذكاء الاصطناعي بصورة متزايدة في العمليات العسكرية الحديثة، خصوصًا في تحليل كميات ضخمة من البيانات الاستخبارية والمساعدة في تحديد الأهداف واتخاذ القرارات بسرعة.
وخلال حرب غزة التي بدأت عام 2023، أثير جدل واسع حول استخدام الجيش الإسرائيلي أنظمة تعتمد على معالجة البيانات والخوارزميات، من بينها أنظمة عُرفت باسم «هبسورا» (The Gospel) و**«لافندر» (Lavender).
وتشير التقارير إلى استخدام هذه الأنظمة في تحليل المعلومات وتحديد أهداف أو أشخاص يُشتبه بانتمائهم إلى جماعات مسلحة، وهو ما أثار انتقادات وتساؤلات واسعة بشأن حجم الاعتماد على الأنظمة الآلية، وآليات التحقق البشري، والمسؤولية عن استهداف المدنيين.
وبذلك أصبح الذكاء الاصطناعي عنصرًا متزايد الأهمية في منظومة الحرب الحديثة، لكنه في الوقت نفسه أثار نقاشًا قانونيًا وأخلاقيًا حول حدود استخدام الخوارزميات في القرارات العسكرية.
التعاون مع شركات التكنولوجيا العالمية
تعتمد إسرائيل كذلك على البنية التكنولوجية المتقدمة التي توفرها شركات عالمية، ومن أبرز الأمثلة مشروع «نيمبوس»، الذي أُعلن عنه عام 2021 بين الحكومة الإسرائيلية وشركتي غوغل وأمازون، لتوفير خدمات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي للجهات الحكومية.
كما ارتبطت "إسرائيل" بشراكات وتعاونات مع شركات تكنولوجية متخصصة في تحليل البيانات، من بينها بالانتير تكنولوجيز، التي تطور حلولًا لتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي وتستخدم تقنياتها في مجالات حكومية ودفاعية، ويسهم هذا النوع من التكنولوجيا في تعزيز قدرة المؤسسات العسكرية والاستخبارية على معالجة البيانات واتخاذ القرارات بسرعة.
أبرز الشخصيات المرتبطة بعمليات اغتيال تكنولوجية
-
محمود الهمشري: ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في فرنسا، استُهدف عام 1972 بعبوة مرتبطة بهاتفه، وتوفي متأثرًا بإصاباته في يناير 1973.
-
يحيى عياش: أحد أبرز مهندسي كتائب القسام، اغتيل عام 1996 بواسطة هاتف محمول مفخخ.
-
عز الدين الشيخ خليل: قيادي في حركة حماس، اغتيل عام 2004 في دمشق بانفجار عبوة في سيارته.
-
محسن فخري زاده: عالم نووي إيراني، اغتيل عام 2020 في عملية نُسبت إلى "إسرائيل"، واستخدم فيها سلاح آلي متحكم به عن بُعد وفق تقارير إعلامية.
مستقبل الحروب التكنولوجية
يتجه تطور الحروب الحديثة نحو زيادة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة والأنظمة غير المأهولة وتحليل البيانات، بما يسمح للجيوش بتنفيذ عمليات أكثر سرعة وتعقيدًا وتقليل تعرض القوات للخطر المباشر.
وفي هذا السياق، يمثل توظيف التكنولوجيا في عمليات الاستهداف تحولًا مهمًا في طبيعة الصراعات؛ إذ لم تعد القوة العسكرية تعتمد على الأسلحة التقليدية وحدها، بل أصبحت المعلومات والبرمجيات والاتصالات والأنظمة الآلية جزءًا أساسيًا من أدوات الحرب.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام