تُعدّ المياه الجوفية أحد المكونات المهمة للموارد المائية في العراق، ولا سيما في المناطق التي تتراجع فيها موثوقية الإمدادات السطحية.

 وتتكوّن المياه الجوفية  من تسرب مياه الأمطار والجريان السطحي إلى باطن الأرض، حيث تُخزّن داخل مسامات وشقوق الصخور والرواسب، ثم تتحرك وفق الفروق في الضغط والميول الهيدروليكية لتظهر على شكل ينابيع وعيون أو تُستخرج بواسطة الآبار.

ورغم بقاء نهري دجلة والفرات وروافدهما المصدر الرئيس للمياه في العراق، فإن أهمية المياه الجوفية تزداد خلال مواسم الجفاف والأزمات، مع اختلاف خصائصها واستخداماتها بين المناطق الجبلية في الشمال، والسهول الوسطى والجنوبية، والصحارى الغربية والجنوبية.

 كما ترتبط بعض موارد المياه الجوفية بمناطق تغذية تمتد خارج الحدود، ما يجعل إدارتها مرتبطة بالظروف المناخية والهيدرولوجية العابرة للحدود.

وتتميز المياه الجوفية بكونها مخزونًا أكثر استقرارًا نسبيًا من المياه السطحية، لكنها ليست موردًا غير محدود؛ إذ يعتمد تجددها على معدلات التغذية الطبيعية، التي تتأثر بتذبذب الأمطار وارتفاع معدلات التبخر، إلى جانب أنماط الزراعة والصرف والضخ.

التوزع الهيدروجيولوجي

تقسم الخريطة الهيدروجيولوجية للعراق إلى نطاقات رئيسة تختلف في طبيعة الصخور الحاملة للمياه وعمق الخزانات ونوعية المياه واتجاهات الجريان، أبرزها: نطاق الطيات العالية، ونطاق الدفع والالتحام، ونطاق الطيات الواطئة، ونطاق الجزيرة، والسهل الرسوبي، والصحراء الغربية، والصحراء الجنوبية.

وتتركز الينابيع بصورة أكبر في شمال العراق، حيث تسود الخزانات الكربوناتية والشقوق والظواهر الكارستية، وتعتمد التغذية بصورة رئيسة على الأمطار وذوبان الثلوج في المرتفعات. 

وتكون المياه في مناطق التغذية أقل ملوحة عادة، وغالبًا ما تكون دون 500 ملغم/لتر من المواد الصلبة الذائبة الكلية، مع غلبة النمط البيكربوناتي.

وترتفع الملوحة عمومًا كلما اتجهنا من الشمال نحو الجنوب، ويتغير التركيب الكيميائي للمياه من بيكربوناتي في مناطق التغذية إلى كبريتاتي ثم كلوريدي في مناطق التصريف.

 وقد تتجاوز الملوحة 10,000 ملغم/لتر في بعض مناطق السهل الرسوبي والجزيرة ومناطق التصريف الملحية، نتيجة طول مسارات الجريان وارتفاع معدلات الذوبان والتبخر والنتح.

الخزانات الجوفية الرئيسة

في نطاق الجزيرة، تُعد تكوينات الفتحة والإنجانة ورواسب الزمن الرباعي من أبرز الحوامل المائية، وتتغذى بصورة رئيسة من التسرب المباشر ومن الأودية الموسمية، وتظهر مناطق التصريف في المنخفضات ووادي وبحيرة الثرثار والأراضي الملحية، مع وجود تبادل مائي مع الفرات وبعض البحيرات والخزانات.

أما الصحراء الغربية، فتتميز بوجود أنظمة خزانات متعددة الطبقات تضم تكوينات مائية عدة، منها الروتبة والحارثة والطيارات وأم الرضومة والدمام والفرات والإنجانة.

 وتمتد بعض مناطق تغذية هذه الخزانات خارج العراق باتجاه السعودية، بينما ترتبط مناطق التصريف في الغالب بالمناطق القريبة من الضفة اليمنى لنهر الفرات.

وتشير الدراسات إلى وجود ترابط هيدروليكي محتمل بين بعض الطبقات والتكوينات المائية، الأمر الذي يجعل إدارة الضخ أكثر تعقيدًا، إذ يمكن أن تنتقل تأثيرات السحب من طبقة إلى أخرى. كما تختلف الخزانات من حيث العمق والحساسية؛ فهناك خزانات عميقة في المناطق الغربية والجنوبية، وأخرى ضحلة أكثر عرضة للتلوث والتبخر، ولا سيما في السهل الرسوبي.

التغذية والحركة والتوازن المائي

تتغذى المياه الجوفية في العراق من ثلاثة مسارات رئيسة: التسرب المباشر لمياه الهطول، ولا سيما في الشمال؛ وتسرب مياه الأودية الموسمية؛ والتبادل الموضعي مع الأنهار والخزانات والبحيرات. وفي بعض الأحواض الصحراوية تمتد مناطق التغذية إلى خارج الحدود.

وتتبع حركة المياه الجوفية بصورة عامة التضاريس والبنية الجيولوجية، ففي الأجزاء الغربية من نطاق الطيات الواطئة، يكون اتجاه الجريان الإقليمي من الشمال والشمال الغربي نحو الجنوب والجنوب الشرقي، بينما يتجه في الأجزاء الشرقية من الشمال والشمال الشرقي نحو الجنوب والجنوب الغربي.

 وفي نطاق الجزيرة يتجه الجريان عمومًا من الشمال نحو الجنوب والجنوب الشرقي والجنوب الغربي، مع اختلافات محلية تفرضها الظروف الجيولوجية والطبوغرافية.

ويتعرض التوازن المائي الجوفي لضغوط متزايدة نتيجة ارتفاع التبخر، وتذبذب الأمطار، وتراجع مناسيب الأنهار والخزانات، ما يقلل فرص التغذية الطبيعية ويزيد الاعتماد على الضخ. 

وتُظهر بيانات القمر الصناعي GRACE لمنطقة واسعة تشمل حوضي دجلة والفرات وغرب إيران فقدانًا في الخزن المائي الكلي، مع تقدير خسائر المياه الجوفية بنحو 17.3 ± 2.1 ملم/سنة خلال الفترة 2003–2009، بما يعادل نحو 91.3 ± 10.9 كم³ من حيث الحجم.

الاستغلال والضغوط

ارتبط استغلال المياه الجوفية تاريخيًا بالزراعة والاحتياجات الريفية، إلا أن الاعتماد عليها ازداد مع تراجع الإمدادات السطحية وتكرار مواسم الجفاف. 

ويستهلك القطاع الزراعي أكثر من 90% من المياه المستخدمة في العراق، فيما تؤدي أساليب الري والصرف غير المتوازنة إلى هدر المياه وزيادة الحاجة إلى تعويض النقص من الآبار.

وتبرز مخاطر الاستنزاف بصورة واضحة في إقليم كردستان، إذ تشير بيانات نقلها تقرير سياساتي إلى انخفاض مناسيب المياه الجوفية بنحو 30–40 مترًا خلال عشر سنوات، بالتزامن مع تراجع الأمطار والثلوج وتأثر الينابيع والآبار الضحلة.

 ويؤدي استمرار انخفاض المناسيب إلى زيادة كلفة الضخ ورفع احتمالات تدهور نوعية المياه وظهور ضغوط على استخدام الآبار.

النوعية والتملح والتلوث

تختلف نوعية المياه الجوفية أفقيًا وعموديًا وفق خصائص الخزانات ومسارات الجريان وطبيعة الصخور، وبصورة عامة، تكون المياه أقل ملوحة في مناطق التغذية الشمالية، بينما ترتفع الملوحة باتجاه مناطق التصريف في الوسط والجنوب، وقد تتجاوز 10,000 ملغم/لتر في بعض المواقع.

ويرتبط التملح أيضًا بارتفاع التبخر وانخفاض الانحدار وتراكم الأملاح في التربة ومياه الري الراجعة، ما يؤثر خصوصًا في الخزانات الضحلة، كما تسهم مصادر أخرى في تدهور النوعية، منها مياه الصرف، والنفايات الصلبة، ومخلفات الحروب وبعض الأنشطة التي تغير الخصائص الكيميائية للمياه.

وتكون الخزانات الضحلة الأقرب إلى السطح أكثر عرضة للتلوث، خاصة في المناطق التي تفتقر إلى شبكات الصرف الصحي والمعالجة، لذلك تبرز أهمية إجراء فحوص دورية لنوعية المياه وربط تراخيص الآبار بالبيانات الهيدروكيميائية وتحديد مدى ملاءمة المياه للشرب أو الري، خصوصًا مع احتمالات ارتفاع الملوحة أو النترات وبعض العناصر في مواقع محددة.

الحوكمة وآفاق الإدارة

تخضع إدارة المياه الجوفية في العراق لأطر قانونية ومؤسساتية ترتبط بقطاعات الري والزراعة والصحة والمواصفات القياسية، ويُعد قانون الري رقم 83 لسنة 2017 أحد الأطر القانونية العامة ذات الصلة بإدارة المياه والري، إلى جانب تعليمات حفر الآبار المائية التي تنظم شروط منح إجازات الحفر والمتطلبات الفنية والإشراف على عمليات الحفر والتشغيل.

وتتطلب الإدارة المستدامة للمياه الجوفية الانتقال من التعامل معها كمصدر إضافي للمياه إلى إدارتها كمخزون استراتيجي يحتاج إلى مراقبة مستمرة. 

ويشمل ذلك تطوير شبكات الرصد وقواعد البيانات المكانية، وقياس السحوبات وتركيب العدادات، وربط الضخ بالتراخيص والرقابة، وتحسين كفاءة الري، إلى جانب تنفيذ مشاريع حصاد المياه وتعزيز تغذية الخزانات حيثما تسمح الظروف.

وتزداد أهمية هذه الإجراءات مع تراجع الموارد المائية وتكرار الجفاف؛ فالمياه الجوفية يمكن أن تشكل عنصر أمان مائي مهمًا للعراق، لكنها قد تتحول إلى مصدر هشاشة إذا تجاوزت معدلات السحب قدرة الخزانات على التجدد.