يُشار في المصادر المحلية إلى المبنى المعروف باسم "السراي العثماني" في بعقوبة بوصفه أقدم مبنى أثري في المدينة وأحد أهم معالم محافظة ديالى. هذا المبنى كان دار الحكم ومقر الحاكم العثماني، ويؤدي عملياً وظيفة "الحصن" الإداري والعسكري للمدينة، حتى لو لم تُستخدم كلمة "حصن" رسمياً في الوثائق المعاصرة.
تعود جذور المبنى إلى الحقبة العثمانية المتأخرة، ويُرجّح أن نواته الأولى أُنشئت في القرن الثامن عشر، ثم جرى تجديده وتوسعته في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ليكتسب شكله المعماري الذي نراه اليوم.
ومع تعاقب السلطات من الدولة العثمانية إلى الاحتلال البريطاني ثم قيام الدولة العراقية الحديثة، ظل هذا المبنى مركزاً للحكم والإدارة في ديالى لعقود طويلة، قبل أن يتحول تدريجياً إلى فضاء ثقافي ومقر للنقابات ومنظمات المجتمع المدني في العقود الأخيرة.
الموقع والتسمية
يقع حصن/سراي بعقوبة في قلب المدينة تقريباً، في منطقة تُعرف شعبياً باسم "محلة السراي" على الضفة الغربية لنهر خريسان، وهي تسمية اشتُقت من وجود مبنى السراي نفسه الذي شكّل محوراً عمرانياً وحكومياً للمدينة.
اختيار هذا الموقع لم يكن اعتباطياً؛ فالقرب من النهر منح المبنى ميزة دفاعية وخدمية في آن واحد، إذ يسهل الإشراف على الممرات المائية والطرق التجارية التي تعبر المدينة، كما أن ارتفاع أرض السراي نسبياً جعل منه نقطة مراقبة واستطلاع جيدة مقارنة بالمناطق المحيطة. هذا النمط في اختيار مواقع مباني الحكم يتكرر في مدن عراقية أخرى تعود للحقبة العثمانية.
أما مصطلح "السراي" فهو لفظ تركي الأصل يعني "القصر" أو "دار الحكومة"، واستُخدم في أرجاء الدولة العثمانية للإشارة إلى المباني الرسمية التي تضم مقر الحاكم والدوائر الحكومية، وهو ما يفسر تداول تعبير "سراي بعقوبة القديم" أو "دار الحكم العثماني" في الكتابات الحديثة عن المبنى.
النشأة والتطور في العهد العثماني
تشير شهادات الباحثين المحليين وتقارير الصحافة العراقية إلى أن المبنى يعود في أصله إلى القرن الثامن عشر، حيث استُخدم مقراً لأول حاكم رسمي لبعقوبة وديالى من قبل الدولة العثمانية.
وفي منتصف القرن التاسع عشر، وبالتحديد منذ نحو سنة 1857، أصبح السراي المركز الإداري الذي يفرض منه ممثل الوالي في بغداد سلطته على لواء ديالى، ومع توسع نفوذ الإدارة العثمانية وتزايد أهميّة الطريق الواصل بين بغداد وبلاد فارس، ترسخ دور السراي بوصفه نقطة ضبط ومراقبة للحركة التجارية والعسكرية في المنطقة.
وفي أواخر القرن التاسع عشر جرى تجديد المبنى وتوسعته، وبُنيت طوابقه وأروقته من الآجر والطابوق وفق طراز معماري عثماني-محلي مميز، ما جعله في نظر معاصريه «تحفة معمارية» وأحد أجمل أبنية ديالى في ذلك الوقت.
دور الحصن في العهد العثماني والاحتلال البريطاني
خلال الحقبة العثمانية المتأخرة، لم يكن السراي مجرد دائرة حكومية، بل فضاءً يفرض منه الحاكم سلطته الإدارية والقضائية والعسكرية؛ وتصدر منه تُتخذ القرارات المتعلقة بجباية الضرائب، وتنظيم شؤون الأمن، وفصل النزاعات، وهو ما أعطاه طابع «الحصن» السياسي في المدينة، حتى لو لم يُسور بأسوار عالية كالقلاع الكلاسيكية.
ومع دخول القوات البريطانية العراق واحتلال بغداد ثم ديالى عام 1917، انتقلت السيطرة على السراي من العثمانيين إلى البريطانيين، فاتخذته القيادة البريطانية مقراً لها في بعقوبة. وتذكر مصادر محلية أن المبنى شهد خلال تلك السنوات لقاءات وقرارات مفصلية سبقت أحداث ثورة العشرين واتساع حركة المقاومة العراقية ضد الاحتلال.
وخلال ثورة 1920، تحول السراي إلى هدف مباشر للمقاتلين المحليين الذين هاجموا المبنى باعتباره رمزاً لسلطة الاحتلال، قبل أن تستعيد القوات البريطانية السيطرة عليه لاحقاً، هذا التداخل بين وظيفة المبنى كدار حكم وموقع صدام سياسي/عسكري هو ما يعزز وصفه بـ«حصن بعقوبة العثماني»، حتى في سرديات الذاكرة الشعبية المعاصرة.
الحصن بعد قيام الدولة العراقية الحديثة
بعد تأسيس الدولة العراقية عام 1921، تحوّل السراي من مقر للحاكم العثماني أو الضابط البريطاني إلى مقر رسمي لمتصرفية ديالى (محافظة ديالى لاحقاً)، حيث ضم المبنى دوائر حكومية أساسية مثل الطابو، والإدارة المحلية، والأملاك، والخزينة، وبقي مركزاً للحكم المحلي حتى أواخر ستينيات القرن العشرين.
في مرحلة لاحقة، وبعد انتقال الدوائر الحكومية إلى مبانٍ جديدة، استُخدم السراي لفترة كدار للمعلمات؛ خُصص الطابق الأرضي للدراسة فيما استُخدم الطابق العلوي لسكن الطالبات أو المعلمات، ثم بدأت منظمات جماهيرية وثقافية في استغلال فراغات المبنى كمقرات لها.
اليوم يحتضن المبنى اتحاد أدباء وكتّاب ديالى، وبعض النقابات والمؤسسات المدنية والبيت الثقافي في المحافظة، مع استمرار استخدامه كموقع للأنشطة الثقافية والأمسيات والفعاليات، رغم حالته الإنشائية المتدهورة.
الحالة الراهنة ومخاطر الاندثار
على الرغم من القيمة التاريخية والمعمارية الكبيرة لحصن/سراي بعقوبة، تعاني بنايته من إهمال واضح؛ تقارير صحفية وثقافية عراقية تشير إلى تضرر أجزاء من السقف والجدران وتصدّعها، وتحذر من احتمال انهياره إذا لم تُجرَ أعمال صيانة وترميم عاجلة.
في شباط/فبراير 2018 تناقلت وسائل الإعلام صورة تُظهر غرق فناء المبنى بالمياه نتيجة سوء تصريف الأمطار، ما سلط الضوء على هشاشة وضعه الإنشائي وغياب أي خطة جدّية لحمايته، خاصة وأنه أقدم مبنى أثري في بعقوبة تعود جذوره إلى الحقبة العثمانية قبل نحو قرنين.
وفي آذار/مارس 2024 سُجل انهيار جزئي في الجزء العلوي من الطابق الثاني، ما اعتبره مثقفون وأهالي ديالى إنذاراً أخيراً قبل فقدان المبنى بالكامل، ودفع كثيراً من الأصوات للمطالبة بإدراجه في مشاريع الترميم الرسمية ليكون مركزاً سياحياً وثقافياً يليق بتاريخ المدينة.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام