تقع قلعة كركوك في قلب المدينة، فوق تلّ مرتفع يشرف على وادي نهر الخاصة، وتُعد أقدم أجزاء كركوك وأكثرها كثافة بالطبقات التاريخية والعمرانية، ويُنظر إليها بوصفها مدينة محصنة متكاملة، لا مجرد حصن عسكري، إذ نشأت فوق التل أحياء سكنية وأسواق ودور عبادة ومبانٍ عامة على امتداد قرون.

أُدرجت قلعة كركوك في 6 نيسان/أبريل 2021 على القائمة التمهيدية للتراث العالمي لدى اليونسكو ضمن المواقع الثقافية المرشحة مستقبلاً للإدراج على قائمة التراث العالمي، استناداً إلى قيمتها التاريخية والعمرانية والاجتماعية.

الموقع والامتداد

تقوم القلعة على تل دائري أو بيضوي يرتفع نحو 40 متراً عن السهول المحيطة، ويطل على وادي نهر الخاصة، وهو ما منحها أهمية دفاعية وموقعاً مسيطراً على المدينة والطرق المحيطة بها. وتبلغ مساحة الموقع نحو 42.5 هكتاراً، ما يعكس حجمه بوصفه مركزاً عمرانياً متكاملاً.

وتقسم القلعة تاريخياً إلى ثلاثة أحياء رئيسية هي الميدان في الشمال، والآغاليق في الوسط، والحمّام في الجنوب، كما عُرفت بأربعة مداخل رئيسية، لم يبقَ منها في وضعه التاريخي سوى باب الطوب، وفق ملف العراق المقدم إلى اليونسكو.

جذور تمتد لآلاف السنين

تختلف الروايات حول البدايات الأولى للقلعة، فبعض المصادر يربط نشأة الموقع بالعصر الآشوري، ولا سيما عهد الملك آشور ناصر بال الثاني في القرن التاسع قبل الميلاد، بينما تشير روايات أخرى إلى أن التل كان مأهولاً قبل ذلك بقرون، وربما منذ منتصف الألف الثاني قبل الميلاد.

وتشير اليونسكو إلى أن الموقع كان معروفاً منذ منتصف الألف الثاني قبل الميلاد، مع وجود رأي آخر يربط بناء القلعة بالعهد الآشوري بين عامي 884 و858 قبل الميلاد. 

وفي العهد السلوقي ارتبطت القلعة بمرحلة جديدة من التحصين، ثم تطورت بنيتها خلال العصور الإسلامية اللاحقة، حتى أصبحت مركزاً عمرانياً يضم أحياء سكنية وأسواقاً ودور عبادة.

من الحصن إلى المدينة

لم تقتصر وظيفة القلعة على الدفاع؛ فقد تحولت تدريجياً إلى مركز سكني وتجاري وإداري. وتظهر المصادر التاريخية أن داخلها احتوى على بيوت وأسواق ومرافق عامة، بينما تطورت مبانيها الدينية والعمرانية عبر العصور الإسلامية والعثمانية.

وتكشف طبيعة عمرانها عن أحياء متصلة بشبكة من الأزقة والممرات، ومنازل تقليدية تتكون غالباً من طابق أو طابقين، وتضم أفنية داخلية تساعد على توفير الظل والتهوية، كما استخدمت في بنائها مواد محلية مثل الحجر واللبن والجص، بما يتلاءم مع البيئة المناخية للمدينة.

معالم دينية وتراثية

تضم القلعة عدداً من المعالم التي تعكس تعاقب الحضارات والأديان في كركوك، من أبرزها الجامع الكبير، وجامع العريان، ومسجد النبي دانيال، وكنيسة أم الأحزان الكلدانية.

ويُعد مسجد النبي دانيال من أبرز معالم القلعة، وتربطه التقاليد المحلية بروايات حول موضع دفن النبي دانيال وشخصيات أخرى، أما كنيسة أم الأحزان، فقد شُيدت في القرن التاسع عشر على بقايا كنيسة أقدم، وجاءت شاهداً على الحضور المسيحي التاريخي داخل القلعة، وتضم القلعة أيضاً بقايا مبانٍ تراثية وأسواقاً ومعالم معمارية تعكس مراحل مختلفة من تاريخها.

مجتمع متنوع داخل القلعة

لم تكن القلعة مجرد موقع أثري، بل كانت حتى القرن العشرين حياً سكنياً نابضاً بالحياة، فقد عاش فيها سكان من مكونات دينية وقومية متعددة، واحتوت على المدارس والمساجد والكنيسة والأسواق والمقاهي والمطاعم وغيرها من مظاهر الحياة اليومية.

وتشير شهادات سكان القلعة التي وثقتها الأمم المتحدة إلى أنها كانت تضم في النصف الثاني من القرن العشرين نحو 850 أسرة، إلى جانب مرافق دينية وتعليمية وأسواق وأماكن للترفيه. وهو ما يوضح أن القيمة التراثية للقلعة لا ترتبط بمبانيها وحدها، وإنما أيضاً بالنسيج الاجتماعي الذي تشكل داخلها عبر أجيال.

هدم القلعة في التسعينيات

تعرضت القلعة لأكبر تحول عمراني في تاريخها الحديث خلال أواخر تسعينيات القرن العشرين، عندما أُخلي سكانها وهُدمت أجزاء واسعة من نسيجها العمراني ضمن مشروع رسمي حمل عنوان تطوير القلعة وتجميلها.

أدى الهدم إلى فقدان أعداد كبيرة من البيوت التراثية والأزقة والمباني التي كانت تشكل النسيج العمراني المتصل للقلعة، ولم يبقَ سوى عدد محدود من الأبنية والمعالم الدينية والتراثية، وبذلك انتقلت القلعة من كونها حياً مأهولاً ومتكاملاً إلى موقع تتوزع فيه مبانٍ تاريخية متبقية وسط مساحات واسعة فقدت جزءاً كبيراً من نسيجها الأصلي.

بعد 2003.. محاولات الإنقاذ والترميم

بعد عام 2003 واجهت القلعة تحديات جديدة، من بينها الإهمال وتدهور الأبنية المتبقية والحاجة إلى حماية منهجية لموروثها العمراني. وفي عام 2018 أجرت الأمم المتحدة واليونسكو تقييماً لحالة القلعة، وأكدت الحاجة إلى أعمال ترميم وحماية عاجلة.

وفي أيار/مايو 2019 زار وفد من اليونسكو القلعة، وأبدى استعداد المنظمة لدعم الحكومة العراقية في استعادتها، انطلاقاً من إمكانية تحويلها إلى رمز لتعافي كركوك، فضلاً عن دور ترميمها في تنشيط السياحة وتوفير فرص عمل للحرفيين والعمال، كما أُشير إلى وجود دراسات وخطة رئيسية للترميم أُعدت بالتعاون بين الجهات المحلية واليونسكو.

وفي عام 2021 خطت القلعة خطوة مهمة على طريق الاعتراف الدولي بإدراجها في القائمة التمهيدية للتراث العالمي لليونسكو، لتصبح المحافظة على ما تبقى من نسيجها العمراني وإعادة تأهيله جزءاً من تحدي الحفاظ على أحد أهم المراكز التاريخية في شمال العراق.

قلعة تختصر تاريخ كركوك

تمثل قلعة كركوك أكثر من مجموعة من الأسوار والبيوت القديمة؛ فهي سجل عمراني تختصر داخله مراحل متعاقبة من تاريخ المدينة، من الاستيطان القديم والتحصينات الأولى إلى العصور الإسلامية والعثمانية، ثم الحياة الحضرية الحديثة وما تعرضت له من هدم وتدهور.

ولهذا فإن الحفاظ على القلعة لا يعني ترميم مبانٍ منفردة فحسب، بل حماية ما تبقى من ذاكرتها العمرانية والاجتماعية وإعادة تقديمها بوصفها جزءاً أساسياً من هوية كركوك وتراثها المتعدد.