تُعدّ هيئة الأوراق المالية العراقية أحد الأعمدة الأساسية في تنظيم سوق المال، إذ أُنيط بها، منذ تأسيسها، مهمة ضمان الشفافية والعدالة في عمليات التداول والإشراف على الشركات المدرجة.
وتكتسب هذه المؤسسة أهمية متزايدة في ظل سعي العراق إلى تنويع اقتصاده بعيدًا عن الاعتماد شبه المطلق على النفط، ما يجعل من تطوير سوق الأوراق المالية خطوة محورية لتعزيز الاستثمار المحلي والأجنبي، وذلك بينما تواجه الهيئة تحديات متزايدة تتعلق ببيئة اقتصادية غير مستقرة، وضعف ثقافة الاستثمار، وتفاوت ممارسات الإفصاح المالي بين الشركات.
النشأة والإطار القانوني
أُنشئت هيئة الأوراق المالية العراقية بموجب الأمر رقم (74) لسنة 2004، الصادر عن سلطة الائتلاف المؤقتة، كهيئة مستقلة ذات شخصية معنوية، وترتبط إداريًا بمجلس الوزراء، وقد ثُبّت موقعها لاحقًا في الدستور العراقي لعام 2005.
وتزامن تأسيس الهيئة مع إنشاء سوق العراق للأوراق المالية، لتتولى الرقابة والإشراف على أنشطة السوق وضمان التزام الشركات بالقوانين والتعليمات التنظيمية.
ومنذ نشأتها، وضعت الهيئة قواعد أساسية للإدراج، وألزمت الشركات بتقديم بيانات مالية دورية، كما تبنّت معايير رقابية مستمدة من التجارب الإقليمية والدولية.
الوظائف والصلاحيات التنظيمية
تتولى هيئة الأوراق المالية العراقية جملة من المهام التنظيمية التي تضعها في موقع رقابي محوري ضمن هيكل السوق المالي في البلاد. وتشمل هذه المهام منح التراخيص لشركات الوساطة المالية، والإشراف على عمليات التداول اليومية، إلى جانب متابعة التزام الشركات المدرجة بمعايير الإفصاح المالي.
كما تضطلع الهيئة بمهمة التصدي للممارسات غير القانونية، مثل التداول بناءً على معلومات داخلية أو التلاعب بالأسعار، ولديها صلاحية فرض الغرامات وتعليق إدراج الشركات المخالفة.
وفي السنوات الأخيرة، وسّعت الهيئة أدواتها الرقابية والتنظيمية عبر إطلاق منصات تداول إلكترونية تتيح التداول عبر الهواتف الذكية، إضافة إلى تفعيل أسواق التداول خارج المنصة (OTC)، وهو ما أسهم في توسيع قاعدة المستثمرين، ولا سيما من الشركات التي لا تستوفي شروط الإدراج التقليدي.
كما بدأت الهيئة بتفعيل سوق السندات الحكومية في إطار خطة أشمل لتنشيط أدوات الدين العام، وربط السوق بالسياسات المالية للدولة، وتعزيز التنوع في أدوات الاستثمار المتاحة.
أداء السوق وأبرز المؤشرات
تشير البيانات الحديثة إلى أن السوق العراقي ما زال محدود النشاط مقارنة بالأسواق الإقليمية، لكنه يشهد تحسنًا تدريجيًا. ففي يونيو 2025، بلغ حجم التداول الإجمالي نحو 22.7 مليار دينار عراقي، موزعة على 8.9 مليار سهم، وشملت 75 شركة مدرجة، بينما تجاوز حجم التداول في مايو 28.7 مليار دينار، من خلال نحو 12 ألف صفقة.
وبحسب تقرير الهيئة لعام 2024، بلغ العدد الإجمالي للشركات المدرجة على مختلف المنصات، العادية والثانوية وغير المدرجة، نحو 104 شركات، إضافة إلى 8 شركات تتداول على منصة OTC.
كما ارتفع مؤشر «RSISX» بنسبة 1.3% في يوليو، مدفوعًا بنمو قطاعي البنوك والاتصالات. وأُدرجت 19 شركة جديدة خلال عام 2024، كما أُطلق دليل لحوكمة الشركات بهدف تعزيز الشفافية والالتزام بمعايير الإفصاح.
الانفتاح الإقليمي والتعاون الدولي
ضمن جهود الربط الإقليمي، وقّعت الهيئة مذكرة تفاهم مع سوق أبوظبي المالي (ADX) للانضمام إلى منصة «Tabadul»، التي تهدف إلى تسهيل التداول المشترك بين البورصات الخليجية.
وتُعدّ هذه الخطوة استراتيجية لتشجيع الاستثمارات العابرة للحدود ودمج السوق العراقي ضمن بيئة مالية إقليمية أكثر تفاعلًا.
التحديات البنيوية والانتقادات
تواجه هيئة الأوراق المالية العراقية جملة من التحديات البنيوية التي تعيق قدرتها على أداء دورها الرقابي بكفاءة. ومن أبرز هذه التحديات ضعف الثقافة الاستثمارية لدى غالبية المواطنين، وهو ما ينعكس في قلة عدد المستثمرين الأفراد النشطين، ويحد من عمق السوق المحلي.
كما أن عملية التحول الرقمي لا تزال تسير بوتيرة بطيئة، إذ تعتمد الهيئة في عدد من إجراءاتها على المعاملات الورقية التقليدية، الأمر الذي يقلل من سرعة الإنجاز ويؤثر في مستوى الشفافية والرقابة الفورية.
إلى جانب ذلك، تعاني الهيئة من ضعف الالتزام الكامل من جانب بعض الشركات بمعايير الإفصاح المالي، وسط انتقادات متكررة تتعلق بتأخر الهيئة أحيانًا في اتخاذ إجراءات حازمة بحق المخالفين.
كما أن التنسيق مع الجهات الرقابية الأخرى، مثل البنك المركزي العراقي وديوان الرقابة المالية، لا يتم دائمًا بسلاسة، مما يحد من القدرة على بناء رقابة شاملة ومتكاملة.
ومن العوامل الأخرى المؤثرة اعتماد السوق بشكل كبير على ظروف خارجية، مثل تقلبات أسعار الصرف، وعدم الاستقرار الأمني، وأسعار الفائدة، وهي عوامل تسهم في هشاشة السوق، كما تؤكد دراسات أكاديمية حديثة حول ضعف الكفاءة السوقية في العراق.
قرارات مثيرة للجدل
أثارت الهيئة جدلًا واسعًا عندما قررت إدراج 19 شركة جديدة في عام 2025، وسط تساؤلات حول مدى استيفائها لمعايير الحوكمة والإفصاح المالي، ولا سيما في ظل غياب نشر بيانات تفصيلية عنها للجمهور.
ومن جهة أخرى، جاء قرار إطلاق منصة «OTC» لتداول الشركات غير المدرجة بوصفه مبادرة توسعية، لكنه أثار مخاوف تتعلق بإمكانية التحايل على قواعد الإفصاح أو ضعف الرقابة المطبقة على هذه العمليات.
وتنبع هذه القرارات من رغبة الهيئة في توسيع قاعدة الاستثمار وتعزيز التنوع، إلا أن المراقبين يشككون في جدوى هذا التوسع ما لم يواكبه ضبط رقابي صارم وضمانات قوية للشفافية.
كما شملت قرارات الهيئة المثيرة للجدل أيضًا تعليق تداول أسهم نحو 13 شركة، بسبب عدم تقديم بياناتها المالية أو التأخر في سداد الغرامات المفروضة.
ففي أغسطس 2025، أصدرت الهيئة قرارًا بتعليق تداول أسهم هذه الشركات لحين استكمالها الالتزامات المطلوبة، كما سبق أن علّقت تداول أسهم عدة شركات لعدم تقديمها تقارير مالية ربع سنوية أو لعدم سداد الغرامات المفروضة عليها.
ورغم أن هذه الإجراءات تشير إلى محاولة لتعزيز الضبط والانضباط، فإنها أثارت بدورها نقاشًا حول مدى التوازن بين القوة الرقابية وحماية حقوق المستثمرين، ومدى شفافية معايير التعليق والإجراءات القضائية المرافقة لها.
الإصلاحات المقترحة وآفاق المستقبل
يرى الخبراء أن الإصلاح الحقيقي لهيئة الأوراق المالية العراقية لا يقتصر على تغييرات سطحية، بل يتطلب تعزيز استقلاليتها الإدارية والمالية لضمان اتخاذ قراراتها بعيدًا عن التأثيرات السياسية، وتوسيع صلاحياتها لتشمل الرقابة على المؤسسات المالية المرتبطة بالسوق، كالبنوك وشركات التأمين.
كما يُشدَّد على ضرورة تحديث البنية التكنولوجية بصورة شاملة؛ فمن خلال منصات رقمية متطورة يمكن للهيئة إتاحة الإفصاح الفوري والشفاف من جانب الشركات، وتسهيل المتابعة اللحظية لأنشطة السوق.
وتُعدّ من الإصلاحات اللازمة أيضًا تشجيع تنوع الأدوات الاستثمارية، مثل السندات والصكوك وصناديق الاستثمار المشتركة، الأمر الذي يمنح المستثمرين خيارات أكثر، ويخفف الضغط على الأسهم وحدها.
كما يُوصى بإشراك مؤسسات المجتمع المدني في الرقابة والمساءلة لتعزيز الثقة، وخصوصًا في ظل الشكوك المتكررة حول النزاهة والشفافية.
وإذا ما وُفِّقت هذه الإصلاحات في التطبيق، فمن الممكن أن تتحول الهيئة من مجرد جهاز رقابي إلى رافعة استراتيجية لتنويع الاقتصاد العراقي وجذب الاستثمارات الأجنبية المستدامة.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام