تشكل هيئة الإعلام والاتصالات حلقة محورية في منظومة الدولة، إذ تجمع بين مسؤولية تنظيم الفضاء الإعلامي وضبط قطاع الاتصالات الذي يمثل رافدًا اقتصاديًا مهمًا.

أنشئت الهيئة في مرحلة انتقالية اتسمت بالفوضى الإعلامية وتنامي الحاجة إلى إدارة قطاع الاتصالات على نحو مؤسسي، لتضطلع بدور المشرّع والرقابي في آن واحد، غير أن هذا الدور المزدوج جعلها محط جدل متواصل. 

 تُقدَّم الهيئة كإطار تنظيمي يسعى لترسيخ المعايير المهنية وحماية المستهلك من جهة، ومن جهة أخرى تُتَّهم بالخضوع للتجاذبات السياسية وتقييد حرية التعبير، ومن هنا تأتي أهمية دراسة هذه الهيئة، لفهم نشأتها وصلاحياتها والتحديات التي تعترض طريقها في بيئة عراقية معقدة سياسيًا وإعلاميًا.

النشأة والتأسيس القانوني

تأسست هيئة الإعلام والاتصالات في العراق عام 2004 بموجب الأمر رقم (65) الصادر عن سلطة الائتلاف المؤقتة، لتكون أول هيئة مستقلة تُعنى بتنظيم قطاعي الإعلام والاتصالات معًا في الشرق الأوسط. 

وقد جاء إنشاؤها في ظل الحاجة إلى ضبط المشهد الإعلامي المنفلت بعد 2003، وإعادة تنظيم سوق الاتصالات الذي شهد توسعًا سريعًا مع دخول الشركات الأجنبية. 

رغم استقلاليتها المالية والإدارية التي نص عليها القانون، إلا أن ارتباطها الوثيق بالظروف السياسية والأمنية المحيطة جعلها عرضة للتجاذبات منذ بداياتها، ما أثّر على صورتها كمؤسسة مستقلة.

الإطار القانوني والصلاحيات التنظيمية

تتمتع هيئة الإعلام والاتصالات العراقية بصلاحيات تنظيمية واسعة تشمل إصدار تراخيص البث والإرسال، وإدارة وتنظيم الطيف الترددي، والإشراف على عمل شركات الاتصالات والإنترنت في حدود الإطار القانوني، إلى جانب سن اللوائح التي تنظم العلاقة بين مزوّدي الخدمة والجمهور، كما تضطلع بدور في حماية حقوق المستهلك، خصوصًا في ما يتعلق بجودة الخدمة وشفافية العقود.

أثارت صلاحيات الهيئة جدلًا حول حدودها، خاصة حين تمس حرية التعبير، فبينما تؤكد الهيئة أن دورها تنظيمي يهدف إلى حماية الأمن والسلم المجتمعي، يرى منتقدون أنها تميل أحيانًا إلى فرض قيود تُستخدم لأغراض سياسية أكثر منها مهنية.

الهيكل التنظيمي وآليات العمل

يتألف مجلس المفوضين من شخصيات يفترض أن تكون مستقلة ومهنية، وهو الجهة العليا المسؤولة عن رسم سياسات الهيئة وإصدار القرارات الكبرى، كما تضم الهيئة إدارات فنية متخصصة بإدارة الترددات، شؤون التراخيص، متابعة البث الإعلامي، إضافة إلى لجان استماع للنظر في المخالفات. 

وتكشف الممارسة العملية عن فجوة بين النصوص القانونية والواقع، إذ غالبًا ما تتعرض الهيئة لضغوط في التعيينات ، ما يجعل قراراتها موضع شك من حيث الاستقلالية.

ويُنظر إلى عملية منح التراخيص على أنها من أبرز الأدوات التي تستغل أحيانًا لفرض نفوذ سياسي أو اقتصادي، فعلى سبيل المثال، أثار قرار تمديد تراخيص شركات الهاتف المحمول عام 2020 جدلًا واسعًا بعد أن مُددت التراخيص لثماني سنوات إضافية مقابل دفع 50٪ فقط من الديون المترتبة على تلك الشركات، وهو ما اعتبره برلمانيون ومراقبون مخالفة لمبدأ المنافسة العادلة وغيابًا للشفافية في إدارة القطاع.

وفي حادثة أخرى، قررت الهيئة عام 2025 قطع خدمات الإنترنت عن شركة كورك تيلكوم"Korek Telecom" بدعوى أنها لم تسدد التزامات مالية، لكن مدّيري الشركة وبياناتها الإعلامية وصفوا القرار بأنه محاولة سياسية لاستهداف الشركة، وأشاروا إلى أن ترخيصهم لا يزال ساريًا، وأن القرار جاء بتوجيه من مكتب رئيس الوزراء. 

العمل التنظيمي في الإعلام والاتصالات

في قطاع الإعلام، تقوم الهيئة بمراقبة القنوات الفضائية والإذاعات ومنصات البث الرقمي، وضبطها وفق معايير مهنية وأخلاقية، أما في قطاع الاتصالات، فهي مسؤولة عن إدارة الطيف الترددي ومنح تراخيص شركات الهاتف المحمول، وهو قطاع يمثل عصبًا اقتصاديًا مهمًا.

لكنها في المقابل واجهت انتقادات تتعلق بضعف الرقابة على جودة الخدمة وغياب الشفافية في العقود المبرمة مع الشركات الكبرى. كما أن فرض الرسوم والغرامات على بعض الشركات بدا أحيانًا انتقائيًا، ما أثار الشكوك حول عدالة القرارات.

التحديات والانتقادات

تواجه الهيئة تحديات جوهرية أبرزها التدخلات السياسية التي تجعلها أحيانًا أداة بيد قوى نافذة تستخدمها لتصفية حسابات مع قنوات أو شركات إعلامية، كما أن محدودية الشفافية في قراراتها، خاصة المتعلقة بالتراخيص والعقود، أضعفت من ثقة الجمهور بها. 

الانتقادات طالت أيضًا ضعف الرقابة على جودة خدمات الاتصالات، حيث يدفع المواطن العراقي أثمانًا مرتفعة مقابل خدمات لا ترتقي إلى المستوى المطلوب، وفي المقابل لم تنجح الهيئة في ترسيخ صورة مستقلة تعكس مهنيتها، بل بقيت في نظر كثيرين جهازًا إداريًا يخضع لمعادلات القوة داخل النظام السياسي.

أمثلة على قرارات مثيرة للجدل

من أبرز القضايا التي أثارت الجدل إلغاء ترخيص قناة MBC العراق بعد بث تقرير اعتُبر مسيئًا لجماعات مسلحة نافذة، وهو قرار رآه مراقبون انعكاسًا لضغوط سياسية أكثر من كونه تطبيقًا لمعايير مهنية. 

كذلك أثار مشروع تنظيم المحتوى الرقمي انتقادات واسعة من منظمات حقوقية داخلية ودولية، اعتبرت أن هذه الخطوة قد تفتح الباب أمام رقابة غير مبررة على الفضاء الإلكتروني. هذه الأمثلة تعكس حجم الصراع في الفضاء الرقمي وتحديا للهيئة أمام الشارع والرأي العام.