تمثل هيئة النزاهة الاتحادية في العراق إحدى أهم المؤسسات الرقابية التي أُنشئت في مرحلة ما بعد عام 2003 لمواجهة آفة الفساد المالي والإداري، والتي باتت فيما بعد من أبرز التحديات التي تعيق مسار الدولة العراقية وتعرقل خططها التنموية. 

شُكِّلت الهيئة استجابةً لالتزامات العراق الدستورية والدولية، لتكون جهازًا مستقلاً مكلفًا بمتابعة قضايا الفساد وكشفها، واسترداد الأموال المنهوبة، وتعزيز مبادئ الشفافية والحكم الرشيد.


النشأة والإطار القانوني


تأسست هيئة النزاهة الاتحادية كجزء من المنظومة الرقابية في العراق بعد عام 2003، في ظل الحاجة إلى مؤسسات قادرة على مواجهة الفساد الذي اتسع مع التحولات السياسية والاقتصادية التي شهدتها البلاد.

 أُنشئت الهيئة بشكل رسمي بموجب القانون رقم (30) لسنة 2011 الذي أعاد تنظيم عملها ومنحها استقلالية مالية وإدارية، لتكون مسؤولة عن كشف الفساد والتحقيق فيه وإحالة المتهمين إلى القضاء. 

يستند عمل الهيئة أيضًا إلى الدستور العراقي الذي نص في مادته (102) على استقلالية الهيئات الرقابية، مما منحها غطاءً قانونيًا يضمن عملها بعيدًا عن التدخل المباشر للسلطات التنفيذية، هذا الإطار التشريعي عزز موقع الهيئة كجهة محورية في تعزيز الشفافية، خصوصًا بعد انضمام العراق إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد عام 2007.

المهام والصلاحيات


تتولى هيئة النزاهة مهام متعددة تشمل التحقيق في قضايا الفساد المالي والإداري على مختلف المستويات الحكومية، واسترداد الأموال المنهوبة داخل العراق وخارجه، فضلاً عن متابعة قضايا تضارب المصالح والإثراء غير المشروع. 

تتمتع الهيئة بصلاحية إصدار أوامر القبض أو الاستقدام من خلال التنسيق مع القضاء، إضافة إلى دورها في مراقبة تنفيذ العقود الحكومية، والتدقيق في إجراءات التعاقد التي غالبًا ما تمثل بوابة لانتشار الفساد.

 كما تعمل الهيئة على نشر ثقافة النزاهة عبر حملات توعية تستهدف المدارس والجامعات والدوائر الرسمية، في محاولة لترسيخ قيم الشفافية والرقابة المجتمعية، وقد أكدت الهيئة في تقاريرها السنوية أن عملها لا يقتصر على الجانب القضائي، بل يمتد ليشمل الأنشطة الوقائية والإرشادية، ما يجعلها جهازًا شاملاً في معركة مكافحة الفساد.

أداء الهيئة بين القانون والواقع


رغم وضوح الإطار القانوني وصلاحيات الهيئة، إلا أن تقاريرها السنوية تكشف عن فجوة بين حجم الملفات المطروحة والنتائج القضائية المتحققة، ففي تقريرها لعام 2021، أوضحت الهيئة أنها تعاملت مع أكثر من 15 ألف قضية فساد، تورط فيها أكثر من 11 ألف مسؤول، بينهم 54 وزيرًا أو من هم بدرجتهم. 

الأحكام القضائية الصادرة لم تتجاوز 632 حكمًا، بينها حكم واحد فقط بحق وزير، وفق تقرير الهيئة، هذا التباين بين حجم القضايا والأحكام النهائية أثار تساؤلات في الشارع العراقي حول قدرة الهيئة على تجاوز العراقيل القانونية والسياسية وتحويل الملفات إلى نتائج ملموسة تردع الفساد وتستعيد الثقة.

ملفات النفط والعقود الكبرى


من أبرز التحديات التي واجهت هيئة النزاهة تحقيقاتها في العقود النفطية، لكونها تمثل مفصلًا حيويًا يرتبط بمصالح سياسية واقتصادية واسعة، ففي أغسطس 2025 أحالت الحكومة العراقية تقريرًا يتعلق بعقود تشغيل واستثمار الأرصفة النفطية في البصرة إلى هيئة النزاهة، بعد ظهور شبهات فساد تتعلق بضعف الجدوى الاقتصادية وغياب مصلحة الدولة في بعض تلك العقود.

التحديات والضغوط


تواجه الهيئة ضغوطًا سياسية وأمنية مستمرة تحد من فاعليتها؛ إذ غالبًا ما يُتهم عملها بالانتقائية، أو بأنها تركز على قضايا متوسطة الحجم دون أن تطال "الرؤوس الكبيرة" المرتبطة بالأحزاب السياسية النافذة.

وقد كشفت تقارير إعلامية عن تعرض موظفين ومحققين في الهيئة إلى تهديدات وضغوط بسبب متابعتهم لقضايا حساسة، في وقت يعاني فيه الجهاز من محدودية الموارد المالية والبشرية، كما أن طول الإجراءات القضائية وضعف آليات المتابعة بعد الإحالة إلى القضاء يزيد من تعقيد مهامها. 

هذه التحديات جعلت من هيئة النزاهة ساحة لصراع الإرادات بين من يطالب بتمكينها كأداة أساسية لمكافحة الفساد، وبين من يسعى لإبقاء عملها في حدود شكلية لا تهدد مراكز النفوذ.

الجدل والاتهامات التي طالت هيئة النزاهة

منذ تعيين القاضي حيدر حنون زاير رئيسًا لهيئة النزاهة الاتحادية عام 2022، دخلت المؤسسة في دائرة جدل واسع بسبب خلفيته السياسية المرتبطة بـ"منظمة بدر" وتاريخه القضائي المثير للانتقادات، وهو ما أثار شكوكًا حول استقلاليتها وقدرتها على التحقيق في ملفات كبرى مثل "سرقة القرن".

 وزادت حدة الجدل بعد تسريب تسجيل صوتي منسوب إلى رئيس الهيئة فتح القضاء العراقي تحقيقًا بشأنه، ورغم نفي الهيئة لهذه الاتهامات واعتبارها ردود فعل سياسية، فإن صورتها ظلت مثار تساؤل داخلي وخارجي حول مدى نزاهتها وحيادها.

التعاون الدولي والإصلاحات المستقبلية


رغم التحديات، تسعى الهيئة إلى تعزيز صورتها دوليًا من خلال المشاركة في المحافل الإقليمية والدولية، ففي سبتمبر 2024، استضافت بغداد المنتدى العربي الثاني لتعزيز الشفافية والحكم الرشيد، حيث أكد رئيس الهيئة القاضي حيدر حنون أن العراق "امتثل لمقررات الاتفاقيات الدولية لمكافحة الفساد"، مشيرًا إلى تكامل جهود السلطات الثلاث والأجهزة الرقابية.

 ومع ذلك، يشدد خبراء ومراقبون على أن الطريق ما زال طويلًا قبل أن يتحول هذا الامتثال النظري إلى نتائج عملية يلمسها المواطن، ويرى متابعون أن الإصلاحات المطلوبة تشمل تعزيز استقلال الهيئة، وتوسيع نطاق صلاحياتها، وتحسين حماية المحققين، إلى جانب تفعيل التعاون مع القضاء الدولي لاسترداد الأموال المنهوبة.