تُعدّ المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق مؤسسة وطنية مستقلة أُنشئت قانونيًا بموجب قانون المفوضية رقم (53) لسنة 2008، بهدف حماية حقوق الإنسان وتعزيز احترامها ونشر ثقافتها ومراقبة الانتهاكات. 

ويمنح القانون المفوضية الشخصية المعنوية والاستقلال المالي والإداري، ويربطها بمجلس النواب، كما يحدد لها صلاحيات واسعة تشمل تلقي الشكاوى، وإجراء التحقيقات الأولية، وزيارة السجون ومراكز الاحتجاز، وتقديم التوصيات المتعلقة بالتشريعات والسياسات العامة.

ويعمل الإطار القانوني للمفوضية في سياق دستوري يؤكد استقلال الهيئات المستقلة، فيما تظل فعالية المؤسسة مرتبطة بقدرتها على تشكيل مجلس المفوضين وممارسة صلاحياتها بصورة مستقلة ومنتظمة.

التأسيس والإطار القانوني

صدر قانون المفوضية العليا لحقوق الإنسان رقم 53 لسنة 2008، ونص على تمتعها بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي والإداري، وأن يكون مقرها في بغداد وترتبط بمجلس النواب وتكون مسؤولة أمامه. كما حدد القانون أهدافها في ضمان حماية حقوق الإنسان وتعزيز احترامها، وحماية الحقوق والحريات التي يكفلها الدستور والقوانين والاتفاقيات الدولية التي صادق عليها العراق.

ولا يقتصر دور المفوضية على مراقبة الانتهاكات، إذ يمنحها القانون مهام تتعلق بدراسة التشريعات وتقييم مدى توافقها مع الدستور، وتقديم التوصيات إلى مجلس النواب، واقتراح الانضمام إلى الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان، والتعاون مع منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الحقوقية الدولية، إضافة إلى نشر ثقافة حقوق الإنسان وإعداد تقرير سنوي عن أوضاع حقوق الإنسان في العراق.

المهام والاختصاصات

تمنح المادة الخامسة من القانون المفوضية صلاحيات مباشرة في مجال استقبال الشكاوى والتحقيق في الانتهاكات؛ إذ يحق لها تلقي الشكاوى من الأفراد والجماعات ومنظمات المجتمع المدني، وإجراء التحقيقات الأولية، والتحقق من صحة الشكاوى، وتحريك الدعاوى المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان أو إحالتها إلى الادعاء العام.

كما يحق للمفوضية زيارة السجون ومراكز الإصلاح الاجتماعي والمواقف وغيرها من أماكن الاحتجاز من دون الحاجة إلى إذن مسبق، والالتقاء بالمحكومين والموقوفين وتوثيق حالات خرق حقوق الإنسان وإبلاغ الجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة.

وتتولى المفوضية كذلك تقديم التوصيات إلى الجهات الحكومية والبرلمانية بشأن التشريعات والسياسات المتعلقة بحقوق الإنسان، والمساهمة في نشر الوعي الحقوقي من خلال المؤتمرات والندوات والإعلام والمطبوعات والبرامج التعليمية.

الهيكل التنظيمي واستقلالية المؤسسة

ينص القانون على وجود مجلس للمفوضين يتولى إدارة المفوضية، ويحدد آلية اختيار أعضائه من خلال لجنة خبراء يشكلها مجلس النواب وتضم ممثلين عن جهات رسمية ومنظمات المجتمع المدني ومكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في العراق، كما يحدد القانون شروط العضوية ومدة المجلس، ويشترط الاستقلال والحياد وعدم الانتماء إلى تنظيمات سياسية.

وتشكل مسألة اختيار مجلس المفوضين أحد أبرز التحديات التي واجهت المؤسسة خلال السنوات الأخيرة، فقد أشارت اللجنة الفرعية للاعتماد التابعة للتحالف العالمي للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان في مراجعتها لعام 2024 إلى مخاوف تتعلق بالإطار المؤسسي واستقلالية المفوضية وفعالية آليات اختيار أعضائها.

وبحلول يونيو/حزيران 2026، كان مجلس النواب لا يزال يتحدث عن استكمال إجراءات اختيار مجلس مفوضين جديد، وهو ما يدل على استمرار مشكلة الفراغ في القيادة المؤسسية للمفوضية حتى ذلك التاريخ.

التحديات الإدارية والاستقلالية

أثارت أوضاع المفوضية خلال فترة غياب مجلس المفوضين نقاشًا حول قدرتها على ممارسة كامل صلاحياتها القانونية، ولا سيما في مجالات التحقيق في الانتهاكات واتخاذ الإجراءات القانونية ومتابعة أداء مؤسسات الدولة.

وفي سبتمبر/أيلول 2023، صدر قرار حكومي رقم 23516 كلّف وزير العدل بتسيير الشؤون الإدارية والمالية للمفوضية، وأثار القرار انتقادات من ناشطين ومنظمات حقوقية، اعتبرت أن إسناد هذه المهام إلى وزير في السلطة التنفيذية قد يؤثر في استقلال المؤسسة، بينما جاء القرار في سياق تسيير شؤونها خلال فترة غياب مجلس مفوضين فعال.

ومن المهم التمييز بين الانتقادات الموجهة إلى القرار وبين إثبات قانوني بأن استقلال المفوضية قد أُلغي؛ فالقانون رقم 53 لسنة 2008 ما زال ينص على استقلالها المالي والإداري وارتباطها بمجلس النواب.

التواصل مع الضحايا والشكاوى

يمنح القانون المفوضية صلاحيات واسعة في استقبال الشكاوى والتحقيق الأولي فيها، بما في ذلك الانتهاكات السابقة واللاحقة لنفاذ القانون، كما يفرض الحفاظ على سرية أسماء مقدمي الشكاوى.

وقد برزت قضايا الاختفاء القسري ضمن الملفات الحقوقية التي واجهت المؤسسات العراقية، وأشارت الأمم المتحدة إلى وجود تحديات كبيرة مرتبطة بمكافحة الإفلات من العقاب في هذا الملف، كما تُدرج المفوضية ضمن الجهات الوطنية التي تشارك في برامج التدريب والتوعية المتعلقة بالاختفاء القسري وحقوق الإنسان.

التحديات السياسية والتمويلية

تواجه المفوضية تحديات مرتبطة بعملية اختيار مجلس المفوضين، وقد أثارت منظمات حقوقية مخاوف بشأن مدى استقلال عملية الاختيار عن التأثيرات السياسية، كما أشارت تقارير حقوقية إلى أن ضعف الموارد أو عدم انتظامها يمكن أن يؤثر في قدرة المؤسسات الوطنية على تنفيذ مهامها الرقابية بصورة كاملة.

وتتطلب طبيعة عمل المفوضية وجود موارد بشرية ومالية ومكاتب قادرة على الوصول إلى مختلف المحافظات ومناطق الاحتجاز، خصوصًا أن القانون يلزمها بمراقبة أوضاع السجون ومراكز الإصلاح واستقبال الشكاوى من مختلف أنحاء البلاد.

الوضع الدولي والتصنيف الأممي

شهد التصنيف الدولي للمفوضية تغيرات خلال السنوات الماضية، ففي مارس/آذار 2015 أوصت اللجنة الفرعية للاعتماد بمنح المفوضية تصنيف B، ثم، في يونيو/حزيران 2021، أوصت اللجنة بإعادة اعتمادها بتصنيف A.

وفي عام 2024، خضعت المفوضية لمراجعة خاصة، وأوصت اللجنة الفرعية للاعتماد بخفض تصنيفها إلى B مرة أخرى، وأشارت التقييمات إلى مسائل تتعلق بالاستقلالية والفعالية والإطار المؤسسي، ومنها غياب مجلس مفوضين قادر على ممارسة كامل اختصاصاته.

ويُظهر سجل التحالف العالمي للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان أن المفوضية العراقية مصنفة حاليًا B.

 كما أكدت لجنة أممية في أحدث ملاحظاتها أن المفوضية خُفّض تصنيفها إلى B، ودعت العراق إلى تنفيذ توصيات عام 2024 والعمل على استعادة تصنيف A وفق مبادئ باريس.

بين الإطار القانوني والتحديات العملية

يمنح القانون العراقي المفوضية العليا لحقوق الإنسان صلاحيات واسعة تشمل الرصد والتحقيق الأولي وتلقي الشكاوى وزيارة أماكن الاحتجاز وتقديم التوصيات التشريعية والحقوقية، إلا أن تطبيق هذه الصلاحيات تأثر خلال السنوات الأخيرة بالتحديات المرتبطة بتشكيل مجلس المفوضين، والاستقلال المؤسسي، والموارد، وآليات التعامل مع الشكاوى والانتهاكات.

ويظل استكمال تشكيل مجلس المفوضين وتعزيز استقلالية المؤسسة وفاعلية آليات استقبال الشكاوى والتحقيق والمتابعة من أبرز الملفات المطروحة أمام المفوضية، ولا سيما أن مجلس النواب كان لا يزال يتابع ملف تشكيل المجلس الجديد في يونيو/حزيران 2026.