تُمثل المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق حجر الزاوية في العملية الديمقراطية، فهي الجهة المخوّلة قانونًا بتنظيم الانتخابات التشريعية والمحلية والاستفتاءات الرسمية.

الإطار القانوني والهيكل التنظيمي

أُنشئت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات بموجب الدستور العراقي الذي أكد استقلاليتها الإدارية والمالية، وحدد أنها تخضع فقط لرقابة البرلمان والقضاء، ويضبط قانون المفوضية رقم (31) لسنة 2019 صلاحياتها، ابتداءً من تحديث سجل الناخبين وإدارة المكاتب في المحافظات، وصولاً إلى إعلان النتائج النهائية.

منح الإطار القانوني صلاحيات واسعة للمفوضية العليا المستقلة للانتخابات، لكنه وضعها أيضاً في مواجهة مباشرة مع التوقعات الشعبية والسياسية.

وعلى صعيد الهيكل التنظيمي فيتألف من مجلس المفوضين المكوَّن من تسعة أعضاء من القضاة والخبراء، يتولون الإشراف على القرارات والسياسات العامة، إضافة إلى الإدارة الانتخابية التي تشرف على مكاتب المحافظات.

وتشمل هذه الإدارة أقساماً متخصصة بالجوانب القانونية، والعمليات الفنية، وتكنولوجيا المعلومات، والإعلام والاتصال، وهو تنوع يعكس الحاجة إلى إدارة عملية انتخابية معقدة تتوزع على آلاف المراكز داخل العراق وخارجه.

أزمات المفوضية العليا للانتخابات 2005–2025

الأزمات التأسيسية (2005 – 2014)

منذ نشأتها بعد 2003، وجدت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات نفسها وسط أزمات متكررة ارتبطت بالوضع الأمني والضغوط السياسية، ففي انتخابات 2005 تسببت هشاشة الأمن في مقاطعة واسعة للانتخابات خاصة بالمناطق السنية، ما أنتج برلماناً بتمثيل غير متوازن. 

أما انتخابات 2010 فقد فجّرت أزمة الاستبعادات على خلفية قرارات "المساءلة والعدالة"، حين مُنع مئات المرشحين بدعوى ارتباطات بحزب البعث المنحل، انقساماً سياسياً كبيراً. 

وفي انتخابات 2014 جاء الاقتراع في لحظة صعود تنظيم داعش، ما حال دون إجراء تصويت طبيعي في محافظات نينوى والأنبار وصلاح الدين، وسط اتهامات بضعف الشفافية وتدخلات سياسية في عمل المفوضية.

أزمات التكنولوجيا والشرعية (2018 – 2021)

دخلت المفوضية تجربة جديدة في انتخابات 2018 عبر أجهزة تسريع النتائج والعدّ الإلكتروني، لكن هذه الخطوة تحولت إلى أزمة كبرى بعد تشكيك كتل سياسية بنزاهتها واتهامها بالتلاعب في النتائج، الأمر الذي دفع البرلمان إلى فرض العدّ اليدوي الجزئي.

أما في انتخابات 2021 المبكرة التي جرت تحت ضغط احتجاجات "ثورة تشرين"، فقد تمثلت الأزمة الأبرز في تدني نسبة المشاركة (41% فقط)، ما عكس فقدان الثقة بالعملية السياسية، كما رفضت قوى سياسية عدة الاعتراف بالنتائج واتهمت المفوضية بالتقصير في حماية نزاهة الانتخابات.

 الأزمات القانونية والسياسية (2023 – 2025)

مع الاستعداد لانتخابات مجالس المحافظات في عام 2023، فجّر قانون الانتخابات جدلاً واسعاً، خصوصاً في ما يتعلق بالدوائر وتوزيع المقاعد، ما استدعى تدخل المحكمة الاتحادية لحسم الطعون. 

لكن قراراتها عمّقت الانقسام السياسي، ووضعت المفوضية تحت ضغط التعديلات القانونية والالتزام بالجدول الزمني، وفي عام 2025، ومع اقتراب الانتخابات البرلمانية، أعلنت المفوضية استبعاد أكثر من 750 مرشحاً، وهو العدد الأكبر منذ 2005، ما أثار جدلاً واسعاً واتهامات بأن بعض القرارات مسيّسة وقد تغيّر موازين المنافسة.

يرى خبراء أن المفوضية بحاجة إلى إصلاحات قانونية وإدارية تعزز استقلاليتها، وتمنحها أدوات أقوى لمواجهة المال السياسي وضبط الحملات الانتخابية. 

كما أن الاستثمار في التكنولوجيا الانتخابية يعد أمرًا ضروريًا لتقليل الأخطاء وضمان سرعة إعلان النتائج، إضافة إلى ذلك، فإن رفع مستوى التوعية الشعبية حول أهمية المشاركة في الانتخابات يبقى عنصرًا حاسمًا في تحسين ثقة الناخبين.