يُعد سجن بغداد المركزي، المعروف باسم سجن التاجي، من أبرز المؤسسات الإصلاحية التابعة لوزارة العدل العراقية. وارتبط اسمه خلال العقدين الماضيين بالأوضاع الأمنية والحقوقية في البلاد، ولا سيما بعد الهجوم المسلح الذي استهدفه بالتزامن مع سجن أبو غريب في يوليو/تموز 2013، وأسفر عن مقتل عشرات الأشخاص وفرار مئات السجناء.
الموقع والإدارة
يقع السجن في منطقة التاجي شمال بغداد، وهي منطقة تضم عدداً من المنشآت والمعسكرات ذات الأهمية الأمنية والعسكرية، ويتكون السجن من عدة مجمعات تضم قاعات للاحتجاز، ومرافق إدارية، وأبنية مخصصة للتعليم والتأهيل.
ويتبع السجن دائرة الإصلاح العراقية في وزارة العدل، وتعمل فيه وحدات أمنية وإدارية وصحية وتعليمية تتولى مهام الحراسة والمراقبة وإدارة شؤون النزلاء وتقديم الخدمات الأساسية والبرامج الإصلاحية.
وعلى مستوى السجون العراقية عموماً، قال وزير العدل خالد شواني في مايو/أيار 2025 إن عدد النزلاء بلغ نحو 65 ألفاً موزعين على 31 سجناً، مشيراً إلى أن أعدادهم تتجاوز الطاقة الاستيعابية للسجون بنحو الضعف، مع وجود خطط لإنشاء سجون جديدة لمعالجة مشكلة الاكتظاظ.
الفئات المحتجزة والبرامج الإصلاحية
يضم سجن بغداد المركزي أقساماً مخصصة للمحكومين والمتهمين في قضايا الإرهاب، وتخضع هذه الأقسام لإجراءات أمنية مشددة نظراً لطبيعة القضايا المرتبطة بها، كما شهد السجن في فترات سابقة محاولات هروب وحوادث أمنية.
وتوجد كذلك أقسام مخصصة للمحكومين في الجرائم الجنائية العامة، مثل القتل والسرقة والاتجار بالمخدرات، وتعاني هذه الأقسام، وفق تقارير حقوقية، من الاكتظاظ ونقص بعض الخدمات، في ظل مشكلة أوسع تواجه المؤسسات السجنية العراقية.
أما الأحداث، فيُفترض إيداعهم في أقسام منفصلة عن البالغين، ومنها «مدرسة تأهيل الفتيان»، مع توفير برامج تعليمية وتأهيلية تساعد على إعادة دمجهم في المجتمع، كما تتولى شعبة التدريب والتأهيل تنظيم برامج لمحو الأمية والتعليم والتدريب المهني للنزلاء.
الظروف المعيشية والخدمات
تعلن وزارة العدل عن توفير برامج إصلاحية وتعليمية داخل السجن، تشمل محو الأمية والتعليم الأساسي والجامعي، إلى جانب التدريب المهني في مجالات مختلفة، مثل النجارة والحلاقة، فضلاً عن الأنشطة الرياضية والفنية.
كما أُطلقت مبادرات للرعاية الصحية بالتعاون مع فرق طبية ومنظمات دولية، من بينها أطباء بلا حدود واللجنة الدولية للصليب الأحمر، بهدف تحسين الخدمات الصحية داخل المؤسسة.
كما عرضت تقارير حقوقية وشهادات سجناء سابقين صورة مختلفة عن الظروف اليومية، تحدثت فيها عن ضعف التهوية، وتردي النظافة، والاكتظاظ، وانتشار النفايات والأمراض، فضلاً عن محدودية الرعاية الطبية وسوء أوضاع الطعام، كما تضمنت بعض الشهادات اتهامات بسوء المعاملة والتعذيب والابتزاز.
وبذلك يظهر تفاوت بين البرامج الإصلاحية التي تعلنها الجهات الرسمية وبين ما تصفه بعض المنظمات الحقوقية وشهادات السجناء السابقين من ظروف معيشية صعبة، ولا سيما في ظل الاكتظاظ ونقص الموارد.
شهادات السجناء والاتهامات الحقوقية
تضمنت شهادات نقلها المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان والمركز العراقي لتوثيق جرائم الحرب اتهامات بوقوع انتهاكات داخل السجن، وتحدث بعض السجناء السابقين عن الضرب والإهانات والعبث بالممتلكات الشخصية، فيما تضمنت شهادات أخرى ادعاءات بشأن تقييد بعض الممارسات الدينية وسوء الظروف الصحية والمعيشية.
كما تحدثت إحدى الشهادات عن ضعف التهوية وارتفاع درجات الحرارة داخل أماكن الاحتجاز، وما يرافق ذلك من حالات اختناق، إضافة إلى تراكم النفايات وانتشار الأمراض ونقص الرعاية الطبية.
وفي عام 2023، أثارت تسجيلات مصورة نُسبت إلى السجن جدلاً واسعاً بسبب مشاهد تضمنت اتهامات بالتعذيب، وأعلنت وزارة العدل أن التسجيلات قديمة، وذكرت أنها فتحت تحقيقاً واتخذت إجراءات بحق مسؤولين على خلفية القضية. وأعاد ذلك النقاش حول أوضاع السجون وآليات الرقابة والمساءلة فيها.
الإصلاحات الحكومية الأخيرة
أعلنت وزارة العدل خلال السنوات الأخيرة عن مجموعة من الإجراءات لمعالجة أوضاع السجون، من بينها تطبيق قانون العفو العام مطلع عام 2025، والذي أسهم في الإفراج عن أكثر من 19 ألف نزيل، وفق ما أعلنته الوزارة، إلى جانب خطط لإنشاء سجون جديدة وتطوير المؤسسات القائمة.
وتشمل الخطط الحكومية أيضاً توسيع برامج التعليم والتأهيل المهني، وتحسين الخدمات الصحية، ورقمنة الإجراءات المتعلقة بالنزلاء، بهدف تسريع المعاملات القانونية وإطلاق السراح عند استكمال المتطلبات.
وتواجه هذه الإجراءات تحديات مرتبطة بحجم الاكتظاظ ونقص البنية التحتية والموارد، فضلاً عن الانتقادات الحقوقية المتعلقة بظروف الاحتجاز وآليات الرقابة، لذلك يبقى تحسين أوضاع سجن بغداد المركزي جزءاً من قضية أوسع تتعلق بإصلاح منظومة السجون العراقية وتعزيز معايير حقوق النزلاء وإعادة تأهيلهم.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام