تُعد الهوية العشائرية جزءًا راسخًا من البنية الاجتماعية في العراق، وتقوم على روابط النسب والقرابة، فيما تختلف قوتها وتأثيرها بحسب حجم العشيرة وموقعها الجغرافي وصلات أفرادها. 

ورغم النظر إليها تقليديًا بوصفها موروثًا من الماضي، أظهرت العشيرة قدرة على التكيف مع التحولات، خصوصًا في المدن؛ حيث أدت أدوارًا تعويضية في ظل ضعف مؤسسات الدولة، وأصبحت مصدرًا للحماية الاجتماعية ووسيلة لمعالجة النزاعات عند ضعف الثقة بالعدالة الرسمية.

من الريف إلى المدينة وتأثير التحول الديموغرافي

منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921، شهد العراق موجات متواصلة من الهجرة الريفية إلى المدن، تصاعدت خلال النصف الثاني من القرن العشرين نتيجة التحولات الاقتصادية والاجتماعية، وفي مقدمتها تدهور أوضاع الفلاحين وتوسع النشاط الصناعي.

وساهمت السياسات الزراعية غير العادلة وتركيز ملكية الأراضي لدى عدد محدود من الشيوخ في دفع آلاف الفلاحين إلى المدن بحثًا عن فرص أفضل، ما غيّر التركيبة الديموغرافية. ولم يحمل المهاجرون معهم حاجاتهم المعيشية فقط، بل نقلوا العادات والقيم والهياكل العشائرية إلى البيئة الحضرية، وظهرت أحياء ارتبطت بالانتماءات العشائرية، خصوصًا في أطراف المدن الكبرى.

وأدى ذلك إلى ظهور ما يمكن وصفه بـ"التحضر العشائري"، حيث تداخلت الأعراف التقليدية مع أنماط الحياة الحضرية الحديثة، واكتسبت بعض المدن طابعًا عشائريًا واضحًا.

البعد الاجتماعي للهوية العشائرية

تحتفظ العشيرة بدور اجتماعي في المدن، خاصة في حل النزاعات وتنظيم العلاقات الأسرية وتقديم الدعم المالي عبر الصناديق التكافلية، ويُعد الفصل العشائري من الآليات التي يلجأ إليها بعض الأفراد عند ضعف الثقة بالمؤسسات القضائية، إذ تُحسم قضايا مالية واجتماعية وفق الأعراف، مع دفع مبالغ مالية للفصل دون تدخل مباشر من الدولة.

كما لا تزال بعض الممارسات، مثل زواج الأقارب والنهوة وزواج الفصلية، موجودة في بعض البيئات رغم تراجعها، كما توفر العشيرة شبكة للتضامن الاجتماعي من خلال جمع التبرعات للمرضى، وتسهيل الزواج، ومساعدة العائلات المتضررة، ما يجعلها مصدر دعم مهمًا في ظل غياب منظومة رعاية اجتماعية شاملة.

البعد السياسي والأمني

برز الدور السياسي للعشائر بصورة أكبر بعد عام 2003، إذ تعتمد بعض الأحزاب والقوى السياسية على شيوخ العشائر في حشد الأصوات والتأثير في الناخبين، ما أدى في بعض الحالات إلى إضعاف التنافس البرامجي وتحويل الانتخابات إلى منافسة ذات طابع عشائري أو طائفي، تُمنح فيها الأصوات أحيانًا وفق الولاء والانتماء بدلًا من الكفاءة والبرامج.

أمنيًا، أسهم انتشار السلاح في تصعيد النزاعات وظهور ممارسات مثل "الدكة العشائرية"، التي تستخدم الأسلحة لترهيب الخصوم والضغط عليهم، ومع ضعف سلطة الدولة في بعض المناطق، أصبح بعض الشيوخ يؤدون أدوارًا شبيهة بالقضاة أو الوسطاء الأمنيين، كما تدخلت فصائل مسلحة ذات جذور عشائرية في تسوية النزاعات خارج الأطر القانونية أحيانًا.

النفوذ الاقتصادي

يمتد تأثير العشيرة إلى سوق العمل عبر المحسوبية والواسطة، ما قد يؤدي إلى تراجع معايير الكفاءة والعدالة؛ إذ تُمنح بعض الوظائف وفق الانتماء والعلاقات بدلًا من المؤهلات، الأمر الذي يزيد التفاوت الاجتماعي ويعمق إحباط الشباب.

كما ظهرت استثمارات عقارية وتجارية تقوم على رؤوس أموال عشائرية أو النفوذ الاجتماعي، وقد يؤدي ذلك إلى احتكار بعض الموارد والفرص، وفي بعض الحالات، تحولت قضايا الفصل العشائري إلى وسيلة لتحقيق مكاسب مادية أو ممارسة الضغط والابتزاز، عبر فرض مبالغ كبيرة مقابل التوسط في النزاعات، بما أسهم في نشوء أشكال من اقتصاد الظل خارج سيطرة الدولة.

دراسات حالة.. بغداد والبصرة والموصل

تختلف طبيعة تأثير العشيرة بين بغداد والبصرة والموصل، لكنها تشترك في حضور الهوية العشائرية داخل النسيج الحضري.

بغداد

شهدت بغداد موجات واسعة من الهجرة الريفية، خصوصًا خلال خمسينيات القرن الماضي، أدت إلى انتشار أحياء الأكواخ والمناطق العشوائية، وفي عام 1957، بلغ عدد الصرائف، وهي أكواخ من قصب النخيل، 416,16 صريفة في تسعة من أحياء بغداد الكبرى، كان يسكنها نحو 93 ألف نسمة.

وساهم هذا النمو السكاني في انتقال البنى الاجتماعية والعشائرية إلى العاصمة، ورغم محاولات الدولة العثمانية ثم الإدارة البريطانية الحد من نفوذ القيادات التقليدية، حافظت الثقافة العشائرية على حضورها.

وتؤدي العشائر اليوم أدوارًا في الضبط الاجتماعي والحشد الانتخابي وتوفير الحماية لأفرادها، لكنها ترتبط أيضًا بمظاهر سلبية مثل "الدكة العشائرية" وإطلاق النار على المنازل واستخدام القوة للضغط على الخصوم.

البصرة

استقبلت البصرة أعدادًا كبيرة من المهاجرين من المحافظات الجنوبية، ولا سيما ميسان وذي قار. ووفق بيانات عام 1957، شكّل القادمون من ميسان 48% من غير البصريين، مقابل 21% من ذي قار.

وتواجه المحافظة اليوم تحديًا كبيرًا يتمثل في النزاعات العشائرية المسلحة وتأثيرها في السلم المجتمعي وعمل مؤسسات الدولة، ويرى رئيس لجنة فض النزاعات العشائرية في البصرة، الشيخ يعرب المحمداوي، أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تعاون المؤسسات الدينية والتعليمية ومنظمات المجتمع المدني.

كما أن انتماء نسبة كبيرة من القوات الأمنية إلى المحافظة قد يجعل مواجهة بعض العشائر أكثر صعوبة بسبب الروابط الاجتماعية، ما دفع في بعض الحالات إلى الاستعانة بعناصر من خارج المحافظة. ويعكس ذلك مدى قدرة النفوذ العشائري على تحدي سلطة القانون في بعض المناطق.

الموصل

تتميز الموصل بتنوع ديموغرافي وثقافي ووجود مكونات عرقية ودينية متعددة، وبعد هزيمة تنظيم "داعش" عام 2017، شاركت العشائر في جهود المصالحة وإعادة الاستقرار في مناطق نينوى.

كما تعهد عدد من زعماء العشائر بتسليم أفراد من أبنائها المتورطين في جرائم التنظيم بحق الإيزيديين، ومن بينهم عشيرة المتيّوت التي سلمت إلى السلطات العراقية من ثبت انتماؤهم إلى "داعش".

عوامل التحول الحديثة

لم تختفِ الهوية العشائرية بفعل التعليم والإعلام والتشريعات الحديثة، بل أعادت إنتاج نفسها بما يتناسب مع التحولات الاجتماعية والتكنولوجية، في إطار ما يعرف بـ"الحداثة الهجينة"؛ حيث وظفت بعض العشائر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي للترويج لرموزها وحشد الجمهور حول قضاياها، كما أصبحت بعض المجالس العشائرية تُنقل عبر البث المباشر، ما عزز حضورها في الفضاء العام.

وفي المقابل، يحد ضعف تطبيق التشريعات من قدرة الدولة على مواجهة الأعراف العشائرية المخالفة لحقوق الإنسان، كما ساهم نزوح العائلات من الريف إلى المدن خلال النزاعات في تعزيز بعض أشكال الانتماء العشائري داخل المناطق الحضرية.

التحديات أمام الدولة المدنية

تمثل الهيمنة العشائرية في بعض البيئات تحديًا أمام بناء الدولة الحديثة وترسيخ سيادة القانون، إذ تتقدم الأعراف العشائرية أحيانًا على القانون المدني، كما يمكن للضغوط العشائرية والسياسية أن تؤثر في التعيينات وعمل المؤسسات الرقابية، بما يضعف استقلالية الدولة وثقة المواطن بها.

كما أسهم تسييس العشيرة أو توظيفها ضمن أطر دينية وطائفية في تعقيد المشهد، فيما يؤدي تقديم الانتماءات الفرعية على الانتماء الوطني إلى صعوبة ترسيخ المواطنة والمساواة أمام القانون. ويعكس لجوء بعض المواطنين إلى العشيرة بدل الشرطة أو القضاء ضعف الثقة بالمؤسسات الرسمية في بعض المناطق.

وبذلك، لا تمثل الهوية العشائرية في المدن العراقية مجرد إرث من الماضي، بل مكونًا اجتماعيًا حيًا يتفاعل مع التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وبينما توفر العشيرة أشكالًا من التضامن والدعم الاجتماعي، فإن بعض مظاهر نفوذها تشكل تحديًا أمام بناء مؤسسات مدنية عادلة وترسيخ سيادة القانون.

ويبقى التحدي الأساسي أمام الدولة العراقية هو تحقيق التوازن بين احترام الخصوصيات الاجتماعية والثقافية وتعزيز المواطنة والمساواة أمام القانون، بما يدعم الاستقرار والعدالة ويقوي مؤسسات الدولة.