أقرّ البرلمان العراقي رسميًا تحويل حلبجة إلى المحافظة التاسعة عشرة في العراق، في خطوة تحمل أبعادًا تاريخية ورمزية، لارتباط المدينة بمجزرة الهجوم الكيميائي التي تعرضت لها عام 1988، وللمطالبات المستمرة التي رفعها سكانها للحصول على وضع إداري مستقل، وتقع حلبجة ضمن إقليم كردستان العراق، وتُعد من المدن ذات المكانة البارزة في التاريخ الكردي والعراقي.

وتشير بعض الروايات التاريخية إلى أن جذور المدينة تعود إلى العهد الأكادي، شأنها شأن عدد من المدن العراقية القديمة، وظلت عبر القرون مركزًا مهمًا في المنطقة، إلا أن مسار تحويلها إلى محافظة واجه عراقيل سياسية وإدارية استمرت سنوات، إذ طُرح أول مشروع لاستحداثها عام 2013، لكنه تعثر بسبب الخلافات بين بغداد وأربيل والانقسامات داخل مجلس النواب.

ورغم أن حكومة إقليم كردستان أعلنت حلبجة محافظة منذ عام 2014، كما اعترفت بها وزارة الداخلية العراقية عام 2018، فإن الاعتراف الاتحادي لم يتحقق إلا في عام 2025 بعد سنوات من التأجيل.

الاعتراف الرسمي بحلبجة ودوافع استحداث المحافظة

في 14 نيسان/أبريل 2025، صوّت مجلس النواب العراقي على قانون استحداث محافظة حلبجة، لتصبح المحافظة التاسعة عشرة في البلاد، وشهدت الجلسة حضور 178 نائبًا، فيما حظي مشروع القانون بتأييد واسع من الكتل الكردية والشيعية والسنية، مقابل اعتراض بعض الكتل، ومنها كتلة الصادقون، على آلية التصويت واعتبرتها مخالفة للنظام الداخلي بسبب غياب النصاب الكامل.

وجاء استحداث محافظة حلبجة نتيجة جملة من الاعتبارات التاريخية والإدارية، وفي مقدمتها الاعتراف الرسمي بما تعرض له سكان المدينة خلال الهجوم الكيميائي عام 1988، إضافة إلى منحها وضعًا إداريًا يتناسب مع مكانتها وتاريخها.

ويُعد تحويل حلبجة إلى محافظة خطوة إدارية تمنحها صلاحيات أوسع في إدارة شؤونها المحلية، وتمهد لحصولها على مخصصات مالية مستقلة ضمن الموازنة الاتحادية، بما يسهم في تنفيذ مشاريعها الخدمية والتنموية.

أصداء الماضي.. مجزرة حلبجة عام 1988 وإرثها

في 16 آذار/مارس 1988، وخلال المرحلة الأخيرة من الحرب العراقية الإيرانية، تعرضت مدينة حلبجة لهجوم بالأسلحة الكيميائية أسفر عن مقتل وإصابة آلاف المدنيين، وتذهب الرواية الأكثر شيوعًا في المصادر الحقوقية والقضائية إلى أن القوات العراقية نفذت الهجوم، مستندة إلى وثائق عراقية وشهادات ناجين أكدوا أن أوامر إخلاء أتتهم من الحكومة العراقية آنذاك قبل الهجوم، كما أُدين عدد من مسؤولي النظام العراقي السابق في قضية الأنفال، التي شملت جرائم ارتُكبت بحق السكان الأكراد، 

في المقابل، ظهرت منذ وقوع الهجوم رواية أخرى شككت في حصر المسؤولية بالقوات العراقية، وأشارت إلى احتمال مشاركة القوات الإيرانية أو استخدام أسلحة كيميائية إيرانية خلال المعارك مستندة إلى تقارير وتقييمات ظهرت في الفترة الأولى بعد المجزرة وإلى الجدل بشأن طبيعة العوامل الكيميائية المستخدمة وقدرات الطرفين آنذاك، كما أُثيرت تساؤلات حول المسؤولية المباشرة عن القصف الكيميائي، خصوصًا أن حلبجة كانت في ذلك الوقت منطقة قتال بين القوات العراقية والإيرانية والقوات الكردية المتحالفة معها.

 وأسفر الهجوم عن مقتل ما بين 3200 و5000 مدني، وإصابة آلاف آخرين، ولا يزال كثير من الناجين يعانون حتى اليوم من أمراض مزمنة، منها أمراض الجهاز التنفسي والأعصاب والسرطان والتشوهات الخلقية والاضطرابات النفسية.

ويُعد الهجوم أكبر استخدام للأسلحة الكيميائية ضد المدنيين في التاريخ الحديث، وأصبح رمزًا لمعاناة الأكراد في العراق. كما أسهم في تعزيز الجهود الدولية الرامية إلى حظر الأسلحة الكيميائية، والتي تُوجت بإبرام اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية عام 1993.

وفي عام 2010، اعترفت المحكمة الجنائية العراقية العليا بمجزرة حلبجة بوصفها جريمة إبادة جماعية بحق الشعب الكردي، وتُحيى ذكراها سنويًا عبر فعاليات رسمية وشعبية للحفاظ على الذاكرة الوطنية وتخليد الضحايا.

التركيبة السكانية لمحافظة حلبجة

تشير بيانات حكومة إقليم كردستان إلى أن عدد سكان محافظة حلبجة بلغ 113,926 نسمة من أصل 6.5 ملايين نسمة هم إجمالي سكان الإقليم، وتتكون المحافظة إداريًا من قضاء حلبجة، وقضاء بيارة، وناحيتي خورمال وسيروان، وهي وحدات كانت تتبع سابقًا محافظة السليمانية قبل استحداث حلبجة محافظة مستقلة، كما تضم عددًا من القرى والمناطق الريفية، منها منطقة بامو.

وبحسب التقديرات، بلغت الكثافة السكانية نحو 137 نسمة لكل كيلومتر مربع عام 2023. كما أظهرت النتائج الأولية لتعداد إقليم كردستان لعام 2024 أن 84% من السكان يقيمون في المناطق الحضرية مقابل 16% في المناطق الريفية.

الموارد الاقتصادية والإمكانات في حلبجة

من المتوقع أن يسهم تحويل حلبجة إلى محافظة في حصولها على مخصصات مباشرة من الموازنة الاتحادية ببغداد، بينما يُعد القطاع الزراعي النشاط الاقتصادي الأبرز في حلبجة، إذ تشتهر بزراعة القمح وتربية الدواجن والماشية، إلى جانب مشاريع الزراعة المحمية، كما تمتلك موارد مائية جيدة وأراضي زراعية خصبة وتضاريس متنوعة ساعدت على ازدهار النشاط الزراعي وتربية المواشي.

ويمثل قطاع السياحة أحد أبرز المقومات الاقتصادية للمحافظة، بفضل طبيعتها الجبلية ومواقعها التاريخية، إضافة إلى فعاليات سنوية مثل مهرجان الرمان ومهرجان الخريف، اللذين يسهمان في تنشيط الحركة السياحية، 

ترتيبات الإدارة المحلية في محافظة حلبجة

على مستوى إقليم كردستان، توصلت الأحزاب الكردية إلى تفاهم بشأن إدارة المحافظة، حيث جرى توزيع المناصب الإدارية بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني وحركة التغيير والاتحاد الإسلامي والجماعة الإسلامية، ضمن التفاهمات السياسية المعمول بها داخل الإقليم.

وفي إطار الاستعدادات الإدارية التي سبقت الاعتراف الاتحادي، أصدر رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني، في 13 آذار/مارس 2025، قرارًا بتكليف نوخشة ناصح بمنصب محافظ حلبجة بالوكالة، وذلك قبل نحو شهر من تصويت مجلس النواب العراقي على استحداث المحافظة رسميًا.

وشغلت، نوخشة ناصح، منصب مديرة ناحية بيارة، ثم قائممقام قضاء حلبجة، قبل تكليفها بإدارة المحافظة خلال المرحلة الانتقالية، تمهيدًا لاستكمال مؤسساتها الإدارية بعد الاعتراف الرسمي بها.