يُعد الأكراد أحد أكبر المكونات القومية في العراق والشرق الأوسط، ويتمتعون بتاريخ طويل في المنطقة وتراث ثقافي ولغوي مميز، وعلى مدى العقود الماضية، ارتبط تاريخهم في العراق بالسعي إلى توسيع حقوقهم السياسية وصولًا إلى الحكم الذاتي ضمن الدولة العراقية.
الجذور التاريخية
تعود أصول الأكراد إلى شعوب قديمة استوطنت مناطق شمال بلاد ما بين النهرين وجبال زاغروس، ويُعتقد أنهم ينحدرون من أقوام مثل الكاردوخيين والغوتيين، فيما بدأ استخدام اسم "الأكراد" بعد الفتوحات الإسلامية.
وشهد شمال العراق قيام عدد من الإمارات والسلالات الكردية، من أبرزها العنازيون والحسنويون والمروانيون، قبل أن تؤسس الأسرة الأيوبية بقيادة صلاح الدين الأيوبي، المولود في تكريت، إحدى أبرز الدول الإسلامية في العصور الوسطى، مما عزز الحضور الكردي في المنطقة.
من الدولة العثمانية إلى الدولة العراقية
خضعت المناطق الكردية للحكم العثماني حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، وبعد انهيار الدولة العثمانية جرى تقسيم الأراضي الكردية بموجب اتفاقية سايكس – بيكو، وأُلحقت المناطق الكردية الواقعة جنوبًا بالدولة العراقية الناشئة.
صعود الحركة القومية
شهد عام 1946 تأسيس الحزب الديمقراطي الكردستاني، قبل أن يقود مصطفى البارزاني تمردًا مسلحًا ضد الحكومة العراقية عام 1961، انتهى بتوقيع اتفاق الحكم الذاتي عام 1970، الذي نص على منح الأكراد حقوقًا سياسية وإدارية، إلا أن معظم بنوده لم تُنفذ.
وفي عام 1975 تأسس الاتحاد الوطني الكردستاني، لتدخل الحركة الكردية مرحلة جديدة من العمل السياسي والعسكري.
الأنفال وحلبجة
خلال ثمانينيات القرن الماضي، وأثناء الحرب العراقية الإيرانية، تصاعدت المواجهة بين الحكومة العراقية والفصائل الكردية، وشهدت المناطق الكردية حملة الأنفال (1987-1989) التي استهدفت مئات القرى. كما وقع هجوم حلبجة الكيميائي عام 1988، الذي يُعد من أبرز المحطات المأساوية في التاريخ الكردي الحديث.
وبينما حمّلت تقارير النظام العراقي مسؤولية الهجوم، يذهب بعض الباحثين والسياسيين الذين عاصروا الحرب إلى ترجيح مسؤولية القوات الإيرانية أو التشكيك في الرواية السائدة، ما يجعل القضية محل جدل في بعض الأوساط.
التوزيع الجغرافي
يتركز الأكراد في شمال العراق، وتشكل محافظات أربيل والسليمانية ودهوك وحلبجة إقليم كردستان، كما ينتشرون في المناطق المتنازع عليها، ولا سيما كركوك، وأجزاء من نينوى وديالى وصلاح الدين.
وتضم محافظة نينوى تجمعات كردية كبيرة، خاصة في عقرة وشمال الشيخان، إلى جانب وجود الأكراد في سهل نينوى الذي يتميز بتنوعه القومي والديني، حيث يضم أيضًا العرب والتركمان والمسيحيين والإيزيديين والشبك.
ووفق التعداد السكاني لعام 2024، بلغ عدد سكان إقليم كردستان أكثر من 6.37 مليون نسمة، أي نحو 14% من سكان العراق، من دون احتساب سكان المناطق المتنازع عليها.
اللغة
تنتمي اللغة الكردية إلى اللغات الإيرانية الغربية، وتُعد السورانية والكرمانجية أبرز لهجاتها. وتنتشر السورانية في العراق وإيران وتُكتب بالأبجدية العربية المعدلة، بينما تسود الكرمانجية في شمال كردستان وتُكتب بالحروف اللاتينية؛ كما أقرها دستور العراق لعام 2005 لغةً رسمية إلى جانب العربية.
العادات والتقاليد
يتميز المجتمع الكردي بروابط أسرية وقبلية قوية، مع مكانة بارزة لكبار السن، ويعود نمط حياته التقليدي إلى الرعي والزراعة قبل التحول إلى الاستقرار في المدن والقرى.
ولا تزال بعض العادات الاجتماعية، مثل الزواج بين الأقارب ودفع المهر، حاضرة في عدد من المناطق، إلى جانب ما يشتهر به الأكراد من كرم الضيافة.
ويُعد عيد نوروز في 21 آذار/مارس أبرز المناسبات القومية، حيث تُقام الاحتفالات الشعبية التي تتضمن الرقصات والأغاني والأشعار وإشعال النيران، فيما تختلف مظاهر الاحتفال بالمناسبات الدينية بين المناطق والعائلات.
الحكم الذاتي
بدأت المطالب الكردية بالحكم الذاتي بعد الحرب العالمية الأولى، حيث قاد الشيخ محمود البرزنجي عدة حركات بين عامي 1919 و1924 ضد الإدارة البريطانية، أعقبتها ثورات أخرى أبرزها ثورة أحمد البارزاني عام 1931، ثم ثورة مصطفى البارزاني بين عامي 1943 و1945، قبل أن يشارك لاحقًا في تأسيس جمهورية مهاباد في إيران عام 1946.
وفي عام 1961 اندلعت الحرب العراقية الكردية بقيادة مصطفى البارزاني، وانتهت بتوقيع اتفاق الحكم الذاتي عام 1970، إلا أن الخلافات بشأن تنفيذه، ولا سيما قضية كركوك، أدت إلى تجدد القتال.
وبعد انتفاضة عام 1991 وفرض منطقة حظر الطيران شمال العراق، تمكن الأكراد من إدارة مناطقهم ذاتيًا، وأُسست حكومة إقليم كردستان عام 1992، رغم اندلاع اقتتال داخلي بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني انتهى باتفاق واشنطن عام 1998.
وبعد عام 2003 عزز الأكراد مكاسبهم السياسية، إذ اعترف دستور العراق لعام 2005 بإقليم كردستان ككيان اتحادي يتمتع بصلاحيات واسعة. وفي عام 2017 أجرى الإقليم استفتاءً على الاستقلال، إلا أن الحكومة الاتحادية رفضت نتائجه واستعادت السيطرة على كركوك وعدد من المناطق المتنازع عليها.
الوضع السياسي الحالي
يتمتع إقليم كردستان بوضع دستوري خاص ضمن النظام الاتحادي العراقي، ويضم محافظات أربيل والسليمانية ودهوك وحلبجة، ويدير شؤونه عبر حكومة وبرلمان منتخبين، إلى جانب امتلاكه قوات البيشمركة.
ورغم ذلك، لا تزال العلاقة بين بغداد وأربيل تشهد خلافات مستمرة بشأن إدارة النفط والغاز، وحصة الإقليم من الموازنة الاتحادية، والمناطق المتنازع عليها، ولا سيما كركوك، فضلاً عن تأثير قرارات المحكمة الاتحادية على صلاحيات الإقليم.
كما تؤثر المنافسة السياسية بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني في وحدة الموقف الكردي تجاه الحكومة الاتحادية.
القبائل والعشائر الكردية
شكّل النظام القبلي أحد أبرز ملامح المجتمع الكردي عبر تاريخه، حيث لعبت القبائل دورًا مهمًا في الحياة الاجتماعية والسياسية، ولا يزال تأثيرها حاضرًا في بعض المناطق رغم تراجع دورها التقليدي مع التوسع الحضري.
وتنتشر العشائر الكردية في مختلف المحافظات الشمالية، فمن أبرز قبائل دهوك: البارزاني، والدوسكي، والمزوري، والزيباري، بينما تضم أربيل قبائل البارزاني، وخوشناو، والهركي، والزيباري. وفي السليمانية تبرز قبائل الجاف، والكوران، والهماوند، والزنكنة، كما تنتشر هذه القبائل أيضًا في كركوك وديالى، إلى جانب قبائل الباجلان والفيلي، فيما توجد في نينوى اتحادات قبلية مثل خوركان وجوانا، إضافة إلى الباجلان والكاكائي.
ولعبت بعض القبائل، ولا سيما قبيلة البارزاني، دورًا محوريًا في الحركات القومية الكردية وقيادة الانتفاضات ضد الحكومات المتعاقبة.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام