يُعد الكلدان من أقدم المكونات المسيحية في العراق، ويتمتعون بإرث تاريخي وثقافي يمتد لآلاف السنين، ورغم ما تعرضوا له من حروب وهجرات واضطهاد عبر العصور، حافظوا على هويتهم الدينية والثقافية، وأسهموا في مختلف جوانب الحياة العراقية.
ويُستخدم مصطلح "الكلدان" في سياقين مختلفين؛ الأول يشير إلى القبائل الكلدانية القديمة التي حكمت بابل خلال القرن السابع قبل الميلاد، والثاني إلى المجتمع الكلداني المعاصر الذي يتمثل بصورة رئيسية بأتباع الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية.
الأصول التاريخية
ظهرت القبائل الكلدانية، المعروفة أيضًا باسم الكلدو، بين القرنين الحادي عشر والتاسع قبل الميلاد، بعد هجرتها من بلاد الشام إلى المناطق الجنوبية من بلاد ما بين النهرين، حيث استقرت في الأراضي المنخفضة والمستنقعات القريبة من الخليج العربي.
ولم يكن الكلدان من الشعوب الأصلية لبلاد ما بين النهرين، إذ سبقتهم حضارات السومريين والأكديين والبابليين والآشوريين بقرون طويلة، ومع تراجع قوة مملكة بابل، تمكنوا تدريجيًا من بسط نفوذهم على أجزاء من جنوبها الشرقي.
وتعود أول إشارة تاريخية مكتوبة إليهم إلى عام 852 قبل الميلاد في سجلات الملك الآشوري شلمنصر الثالث، وتمكن الكلدان لاحقًا من تأسيس السلالة البابلية الحديثة التي حكمت بين عامي 626 و539 قبل الميلاد، وشهدت بابل في عهدها عصرًا من القوة والازدهار، خاصة في زمن نبوبلاصر وابنه نبوخذنصر الثاني.
ورغم ذلك، يميز المؤرخون بين الكلدان بوصفهم سلالة حكمت بابل لفترة محدودة، وبين الحضارة البابلية التي سبقتهم واستمرت بعدهم. وبعد سقوط بابل بيد الفرس عام 539 قبل الميلاد اندمج الكلدان تدريجيًا مع سكان بلاد ما بين النهرين، وتلاشت هويتهم القبلية المستقلة.
نشأة الكنيسة الكلدانية
ترجع جذور الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية إلى بدايات انتشار المسيحية في بلاد ما بين النهرين، حيث يُعتقد أن القديس توما وتلميذيه مار أدي ومار ماري بشّروا بالمسيحية في المنطقة، وأسهموا في تأسيس كنيسة المشرق.
وشهد عام 1552 انقسامًا داخل كنيسة المشرق، عندما سعى أحد أجنحتها إلى الاتحاد مع الكنيسة الكاثوليكية في روما، ويُعد انتخاب البطريرك يوحنا سولاقا بداية نشوء الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية.
وبعد مراحل من التقارب والانقطاع مع الفاتيكان، استقرت الوحدة بصورة نهائية عام 1830 في عهد البطريرك يوحنا هرمز، ليصبح اسم "الكلدان" معتمدًا للدلالة على أتباع هذا الفرع الكاثوليكي من كنيسة المشرق.
الكنيسة والهوية الكلدانية
تؤدي الكنيسة الكلدانية دورًا محوريًا في الحفاظ على هوية الكلدان داخل العراق وفي بلدان المهجر، من خلال استمرار استخدام اللغة الآرامية (السريانية) في الطقوس الدينية، بوصفها لغة السيد المسيح ولغة التراث المسيحي في بلاد ما بين النهرين.
كما تسهم الكنيسة في الحفاظ على التقاليد والاحتفالات الدينية، ونقلها بين الأجيال، إلى جانب دورها الاجتماعي في دعم أبناء الجالية وتعزيز تماسكهم، والدفاع عن حقوقهم والسعي إلى توفير بيئة أكثر استقرارًا لهم داخل العراق.
اللغة.. إرث آرامي مستمر
تُعد اللغة الكلدانية الحديثة، وهي إحدى لهجات اللغة الآرامية (السريانية)، من أقدم اللغات الحية التي لا تزال مستخدمة حتى اليوم، وكانت الآرامية اللغة السائدة في بلاد ما بين النهرين خلال الحقبة التي عاش فيها السيد المسيح، ولا تزال تمثل أحد أهم عناصر الهوية الثقافية والدينية للكلدان.
وتوجد لهجات متعددة من الكلدانية الحديثة يتحدث بها أبناء الجالية في مناطق مختلفة من العراق ودول المهجر، فيما تتواصل الجهود للحفاظ على هذه اللغة عبر تدريسها في المدارس والمراكز الثقافية وتنظيم برامج لتعليمها، خاصة بين الأجيال الجديدة خارج العراق.
التقاليد والعادات
يحافظ الكلدان على منظومة اجتماعية تقوم على الترابط الأسري، واحترام كبار السن، وكرم الضيافة، والتمسك بالقيم الدينية والأخلاقية، كما تتميز مناسباتهم الاجتماعية والدينية بطقوس وعادات متوارثة، سواء في حفلات الزواج أو الاحتفالات الكنسية.
ويحتفل الكلدان بالأعياد المسيحية الرئيسية، وفي مقدمتها عيد الميلاد وعيد القيامة، إلى جانب مناسبات دينية خاصة مثل "باعوثا نينوى"، التي تُعد من أبرز التقاليد الروحية المتوارثة داخل الكنيسة الكلدانية.
ورغم انتشار الجاليات الكلدانية في مختلف أنحاء العالم، يواصل أبناء المهجر الحفاظ على هذه العادات ونقلها إلى الأجيال الجديدة، بما يسهم في تعزيز ارتباطهم بهويتهم الثقافية.
الفنون والأدب
ورث الكلدان جانبًا مهمًا من الإرث الحضاري لبلاد ما بين النهرين، وأسهموا في المحافظة على هذا التراث عبر الأجيال. ومن أبرز ما ارتبط باسمهم "نبوءات الكلدان"، وهي نصوص فلسفية وروحية تعود إلى العصر الروماني وتحمل اسم الكلدان.
أما الموسيقى الكلدانية، فتتميز بتراث غني من الأغاني الشعبية والألحان التقليدية التي ترافق المناسبات الاجتماعية والدينية، وتُؤدى باستخدام آلات موسيقية مثل الزرنة والطنبورة.
كما تحتل الترانيم الكنسية باللغة الآرامية مكانة خاصة في التراث الكلداني، إذ تمثل جزءًا مهمًا من الإرث الديني واللغوي، وتسهم في الحفاظ على اللغة والهوية الثقافية داخل العراق وفي بلدان المهجر.
سهل نينوى.. الموطن التاريخي
يتركز الوجود الكلداني تاريخيًا في سهل نينوى شرق وشمال شرق مدينة الموصل، الذي يُعد المركز الرئيس للكلدان في العراق. وتضم المنطقة عددًا من البلدات والقرى التي حافظت على وجود كلداني متواصل عبر قرون، أبرزها القوش التي تُعد أحد أهم مراكز الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية، إلى جانب تلكيف، وباطنايا، وتلسقف، وكرملش، ومنكوبة، وعنكاوا، وبرطلة، وقرقوش (بخديدا)، وشقلاوة، وزاخو.
وشكلت هذه المدن والبلدات حاضنة للهوية الدينية والثقافية الكلدانية، وأسهمت في الحفاظ على اللغة والتراث والعادات عبر الأجيال، إلا أن اجتياح تنظيم داعش لسهل نينوى عام 2014 تسبب في موجة نزوح واسعة، دفعت آلاف العائلات الكلدانية إلى مغادرة مناطقها التاريخية داخل العراق أو الهجرة إلى الخارج.
بغداد.. المركز الديني والإداري
تمثل بغداد ثاني أكبر مراكز الوجود الكلداني في العراق، إذ استقطبت على مدى عقود أعدادًا كبيرة من العائلات القادمة من شمال البلاد، سواء لأسباب اقتصادية وتعليمية أو نتيجة موجات النزوح التي شهدتها المحافظات الشمالية.
وتكتسب العاصمة أهمية خاصة لاحتضانها مقر بطريركية الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية، ما يجعلها المركز الديني والإداري الأبرز للكلدان في العراق.
الانتشار في المحافظات الأخرى
إلى جانب نينوى وبغداد، توجد تجمعات كلدانية في عدد من المحافظات، أبرزها كركوك التي تمتلك تاريخًا طويلًا من الوجود الكلداني، إضافة إلى البصرة في جنوب العراق.
كما أصبح إقليم كردستان، ولا سيما أربيل ودهوك، من أبرز مناطق استقرار الكلدان خلال العقود الأخيرة، بعدما استقبل أعدادًا كبيرة من النازحين الفارين من أعمال العنف والصراعات، خاصة بعد عام 2014.
الكلدان في المهجر
أسهمت الحروب والاضطرابات الأمنية وموجات النزوح المتكررة في هجرة أعداد كبيرة من الكلدان إلى خارج العراق، ما أدى إلى نشوء جاليات واسعة في بلدان المهجر.
وتتركز أكبر التجمعات الكلدانية خارج العراق في أمريكا الشمالية، ولا سيما في منطقة مترو ديترويت بولاية ميشيغان الأمريكية، التي تضم أكبر جالية كلدانية في العالم، كما توجد جاليات بارزة في عدد من الدول الأوروبية وأستراليا ودول أخرى في الشرق الأوسط، حيث تواصل الحفاظ على لغتها وتراثها وارتباطها بالكنيسة الكلدانية.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام