يُعد الآشوريون من أقدم شعوب بلاد ما بين النهرين، ويمتد وجودهم في العراق إلى آلاف السنين، حيث أسسوا واحدة من أبرز الحضارات في الشرق الأدنى القديم، ولم يقتصر تأثيرهم على الجانب العسكري، بل شمل الإدارة والعمارة والعلوم والفنون، تاركين إرثًا حضاريًا ما زالت آثاره حاضرة في شمال العراق حتى اليوم.
من مدينة آشور إلى أول إمبراطورية كبرى
نشأت الإمبراطورية الآشورية في مدينة آشور، الواقعة في شمال بلاد ما بين النهرين، وتحديدًا في العراق الحالي، نحو عام 2025 قبل الميلاد. وبدأت كدولة مدنية ذات نشاط تجاري قبل أن تتحول تدريجيًا إلى قوة عسكرية توسعية، لتصبح إحدى أكبر الإمبراطوريات التي عرفها العالم القديم.
وفي ذروة اتساعها، امتد نفوذها من مصر غربًا إلى الخليج العربي شرقًا، ويقسم المؤرخون تاريخ الإمبراطورية الآشورية إلى أربع مراحل رئيسية هي: العصر الآشوري المبكر (2600-2025 ق.م)، والعصر القديم (2025-1364 ق.م)، والعصر الأوسط (1363-912 ق.م)، والعصر الحديث (911-609 ق.م). وشهدت هذه المراحل فترات ازدهار وتوسع، وأخرى من التراجع، إلا أنها حافظت على مكانتها كإحدى أبرز القوى في المنطقة حتى سقوطها عام 609 قبل الميلاد.
مدن شكّلت قلب الإمبراطورية
كانت مدينة آشور، الواقعة في منطقة الشرقاط الحالية، العاصمة الأولى للإمبراطورية والمركز الديني والسياسي الرئيس، ومع توسع الدولة، انتقلت العاصمة إلى كالحو (نمرود)، ثم إلى دور شروكين (خرسباد)، قبل أن تستقر في نينوى التي أصبحت أكبر مدن الإمبراطورية وأكثرها ازدهارًا.
كما برزت مدينة أربيل القديمة (أربيلا) بوصفها مركزًا مهمًا داخل الأراضي الآشورية، فيما شيّد الملوك الآشوريون قصورًا ضخمة في عواصمهم، وزينوها بالنقوش الحجرية والجداريات التي وثقت الحملات العسكرية ومظاهر الحياة اليومية والطقوس الدينية.
إنجازات حضارية
اشتهر الآشوريون بقوتهم العسكرية؛ إذ طوروا استخدام الأسلحة الحديدية، واعتمدوا تكتيكات قتالية متقدمة، وأنشأوا جيشًا محترفًا ومنظمًا يُعد من أوائل الجيوش الدائمة في التاريخ.
وفي الإدارة، أسسوا نظامًا متطورًا لإدارة الإمبراطورية، فقسموا الأراضي إلى مقاطعات يشرف عليها حكام محليون يرتبطون مباشرة بالسلطة المركزية، كما أنشأوا شبكة طرق ساعدت على تسهيل حركة الجيوش والتجارة بين مختلف أنحاء الدولة.
وعلى الصعيد الثقافي، ترك الآشوريون إرثًا بارزًا في الفن والعمارة، من خلال النقوش البارزة التي زينت القصور والمعابد، إضافة إلى مكتبة الملك آشوربانيبال في نينوى، التي ضمت آلاف الألواح الطينية وتُعد من أقدم المكتبات المنظمة في التاريخ.
كما ارتبطت الحضارة الآشورية، إلى جانب الحضارتين السومرية والأكدية، بتطور الكتابة في بلاد ما بين النهرين، وأسهمت في تقدم العلوم والمعارف، ومن بينها تطوير مفاهيم رياضية وفلكية كان لها أثر في الحضارات اللاحقة.
ركائز الهوية الآشورية
من الأكدية إلى السورث
تحدث الآشوريون القدماء اللغة الأكدية، وهي إحدى اللغات السامية الشرقية التي كانت سائدة في بلاد ما بين النهرين، ومع اتساع الإمبراطورية، بدأت اللغة الآرامية تحل تدريجيًا محل الأكدية منذ القرن العاشر قبل الميلاد، قبل أن تعتمدها الدولة لغة رسمية خلال عهد الملك تيغلاث فلاسر الثالث.
أما الآشوريون المعاصرون في العراق فيتحدثون لهجات من الآرامية الحديثة، تُعرف باسم السورث أو الآشورية النيو-آرامية، وتُعد من أقدم اللغات التي ما زالت مستخدمة حتى اليوم، وتنتشر هذه اللهجات في سهل نينوى، ولا سيما في بلدات ألقوش، وتل كيف، وبطنايا، وقرقوش، وتسكوبا، كما يتحدث بها أبناء الجالية الآشورية في بغداد، وأربيل، ودهوك، وكركوك، وزاخو، والبصرة، والحبانية.
ومع انتقال أعداد كبيرة من الآشوريين إلى المدن، ظهرت لهجة موحدة تُعرف باسم الكوينة العراقية، وأصبحت وسيلة التواصل بين الآشوريين المنحدرين من مناطق مختلفة، كما تُستخدم في الموسيقى والخطابات الرسمية.
ورغم استمرار استخدام السورث، تصنفها منظمة اليونسكو ضمن اللغات المهددة بالانقراض، نتيجة الهجرة الواسعة وتراجع استخدامها بين الأجيال الجديدة، الأمر الذي دفع إلى إطلاق مبادرات مجتمعية ومشاريع توثيق للحفاظ عليها وتعزيز تعليمها.
المسيحية والهوية الآشورية
اعتنق الآشوريون في العصور القديمة ديانتهم التقليدية التي كان يتصدرها الإله آشور، قبل أن يتحول أحفادهم إلى المسيحية منذ القرون الأولى للميلاد، ليكونوا من أوائل الشعوب التي اعتنقتها في المنطقة.
وتوجد في العراق اليوم عدة كنائس تمثل الطوائف الآشورية، أبرزها كنيسة المشرق الآشورية، والكنيسة الكلدانية الكاثوليكية، والكنيسة السريانية الأرثوذكسية. وتستخدم هذه الكنائس اللغة السريانية الكلاسيكية في الطقوس الدينية، مع احتفاظ كل منها بخصوصيتها التاريخية واللاهوتية.
ويمثل الانتماء إلى المسيحية أحد أهم عناصر الهوية الآشورية المعاصرة، إذ تؤدي الكنيسة دورًا دينيًا واجتماعيًا وثقافيًا في الحفاظ على اللغة والتراث، سواء داخل العراق أو بين أبناء الجاليات الآشورية في المهجر.
عادات متوارثة عبر الأجيال
يحافظ الآشوريون على مجموعة من المناسبات الدينية والقومية التي تشكل جزءًا من هويتهم الثقافية، من بينها عيد الميلاد، وعيد الفصح، ورأس السنة الآشورية "أكيتو" الذي يُحتفل به في الأول من نيسان/أبريل من كل عام.
كما يحيون في السابع من آب/أغسطس يوم الشهيد الآشوري، تخليدًا لضحايا مذبحة سميل عام 1933، واستذكارًا للإبادة الجماعية المعروفة باسم "سيفو" التي تعرض لها المسيحيون في أواخر العهد العثماني.
وتتضمن تقاليد الزواج تقديم المهر وإقامة مراسم دينية في الكنيسة، فيما تشمل طقوس الجنازة إقامة قداس على روح المتوفى، وحرق البخور في المقابر، وارتداء الملابس السوداء خلال فترة الحداد، كما يحرص كثير من الآشوريين على اختيار أسماء ذات جذور مسيحية أو آشورية لأبنائهم.
ويتميز المطبخ الآشوري بتنوعه واشتراكه مع مطابخ الشرق الأوسط في عدد من الأطباق، إلى جانب أكلات تراثية خاصة، بينما تحتل الموسيقى والرقص الشعبي مكانة بارزة في المناسبات الاجتماعية، وتُعد رقصة الخيجة من أشهر الرقصات التقليدية التي ما تزال حاضرة في الاحتفالات الآشورية حتى اليوم.
الوجود المعاصر للآشوريين في العراق
تراجع الأعداد واستمرار الوجود
تتراوح التقديرات الحالية لعدد الآشوريين في العراق بين 140 ألفًا و200 ألف نسمة بحلول عام 2025، بعد أن كان عددهم يُقدر بما بين 300 ألف و400 ألف قبل سيطرة تنظيم داعش عام 2014، فيما تشير تقديرات سابقة إلى أن عددهم تراوح بين 800 ألف و1.5 مليون نسمة قبل موجات الهجرة الواسعة التي شهدها العراق خلال العقود الماضية.
ويتركز الوجود الآشوري بصورة رئيسية في محافظة نينوى، ولا سيما في سهل نينوى الذي يُعد موطنهم التاريخي، كما تنتشر تجمعات آشورية في مدن الموصل، وبغداد، وأربيل، ودهوك، وكركوك.
الحضور السياسي والثقافي
يشارك الآشوريون في الحياة السياسية العراقية من خلال عدد من الأحزاب والقوى السياسية التي تمثل مصالحهم، ورغم ذلك ما تزال مطالبهم المتعلقة بالتمثيل السياسي وحماية مناطقهم وحقوقهم القومية محل نقاش في الحياة السياسية العراقية.
وعلى الصعيد الثقافي، يواصل الآشوريون جهودهم للحفاظ على لغتهم وتراثهم، من خلال المؤسسات الثقافية والتعليمية والأنشطة الفنية، إلى جانب إحياء المناسبات القومية والدينية التي تعزز هويتهم الثقافية.
وتُعد الحركة الديمقراطية الآشورية من أبرز التنظيمات السياسية الآشورية في العراق، كما برز خلال الحرب ضد تنظيم داعش فصيل "دويخ نوشا" الذي أعلن مشاركته في الدفاع عن بلدات سهل نينوى، ولا سيما بلدة ألقوش.
تحديات الآشوريين في العراق
واجه الآشوريون في العراق تحديات متواصلة عبر مراحل تاريخية مختلفة، حيث تفاقمت أوضاعهم بعد عام 2003 مع تصاعد أعمال العنف وظهور الجماعات المتطرفة، ثم بلغت ذروتها بعد سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من محافظة نينوى عام 2014؛ إذ تعرضت البلدات الآشورية لعمليات قتل وخطف وتهجير قسري، إلى جانب تدمير المنازل والكنائس والأديرة والمواقع الأثرية التي تمثل جزءًا من التراث الآشوري.
وأدت هذه الأحداث إلى موجات هجرة ونزوح واسعة، أسهمت في انخفاض أعداد الآشوريين داخل العراق بصورة ملحوظة، كما تشير تقديرات إلى أن نسبة كبيرة من اللاجئين العراقيين بعد عام 2003 كانت من أبناء المكون الآشوري، نتيجة تكرار أعمال العنف واستهداف الأقليات الدينية.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام