على الرغم من إعلان الفصائل العراقية تأجيل الرد العسكري على السعودية استجابة لدعوة وجهها زعيم حركة بدر هادي العامري، إلا أنها أكدت أن التريث في الرد وتأجيله لا يعني التخلي عنه.

ما سبق ورد في الإعلانات والتصريحات الرسمية فقط للفصائل وقادتها، لكن الواقع يشير إلى أن دعوة العامري جاءت لترفع الحرج عن الفصائل لتبرير تأجيل الرد ثم التخلي عنه مستقبلا، كما أن إعلان التأجيل ودعوة العامري يثيران الشكوك حول مصداقية إعلان الحكومة العراقية بشأن سيادتها المطلقة والفردية على قرار السلم والحرب في البلاد.

ويبدو أن تأجيل الرد وتأجيل استخدام السلاح والتوقف عن إعلان الفصائل للحرب بدلا عن الدولة، جنب العراق والفصائل تحديدا تصعيدا عسكريا مع السعودية ودول مجاورة أخرى، وقبلهم الولايات المتحدة، كما جنب هذا التأجيل العراق اقتتالا داخليا كان من المتوقع حصوله، لا سيما مع الانتشار العسكري الكبير الذي شهدته العاصمة بغداد خلال اليومين الماضيين.

وتفتح التطورات الأخيرة الباب أمام الكثير من التساؤلات حول موقف العامري ودعوته، وأنها جاءت بشكل طوعي لتجنيب العراق استهدافا عسكريا أم أنها جاءت تحت الضغوط والتهديدات، وكذلك تفتح الباب أمام تساؤلات بشأن موقف الفصائل، وهل هي أجلت الرد استجابة لدعوة العامري أم أنها اتخذت قرار التأجيل قبل تلك الدعوة خشية التصعيد مع الجانبين الأمريكي والسعودي.

العامري يدعو والفصائل تستجيب

وفجر أمس الجمعة وجه زعيم حركة بدر هادي العامري رسالة إلى الفصائل العراقية دعاهم فيها التريث في الرد العسكري على الهجمات السعودية التي استهدفت الشهر الماضي مقرات للحشد الشعبي في العديد من المدن العراقية وأسفرت عن مقتل 20 عنصرا وإصابة 30 آخرين إلى جانب مقتل 5 عناصر من الحرس الثوري الإيراني بينهم ضابط برتبة كبيرة، وجاء في رسالة العامري أن المصلحة العليا للعراق تقتضي تأجيل الرد.

وبعد ساعات من دعوة العامري، أعلنت ما تسمى تنسيقية المقاومة العراقية استجابتها لتلك الدعوة، وتأجيل الرد على السعودية، والذي كان من المقرر أن ينفذ أمس الجمعة.

وبشأن موقف الفصائل، أكد زعيم كتائب سيد الشهداء أبو آلاء الولائي أن التريث في الرد لا يعني التخلي عنه، وقال في بيان: إن "التريث جاء استجابة لدعوة العامري وبعض السياسيين الشرفاء، وإن إعادة النظر في الرد وتوقيته وحجمه ونوعه ما تزال قائمة على اعتبار أنه واجب عقائدي ووطني"، حسب تعبيره.

وساطات إقليمية قادت لتأجيل الرد

من جانبه، أكد المتحدث باسم كتلة بدر النائب حامد الموسوي أن تأجيل الرد على استهداف مقرات الحشد الشعبي تم تأجيله فقط ولم يتم إلغاؤه، كاشفا عن وجود تحركات ووساطات إقليمية أفضت إلى هذا الموقف.

وقال الموسوي في بيان: إن "رئيس الوزراء علي الزيدي إلى جانب الحاج هادي العامري، أديا دوراً محورياً وحاسماً في إدارة الأزمة واحتوائها في لحظة فارقة كانت تتجه بالمنطقة برمتها نحو الانفجـار الشامل"، وأشار إلى أن "ما حصل يرتكز على إبعاد أبرزها فرض معادل الردع ونجاعة الوساطات الإقليمية، إذ جاء التأجيل بالرد بعد وساطات إقليمية مكثفة بعد تيقن هذه الأطراف ودول الجوار من جدية فصائل المقاومة وجاهزيتها الميدانية التامة للتنفيذ، عقب تحديد أهداف استراتيجية حيوية داخل العمق السعودي"، وأوضح أن "الإدراك بخطورة الموقف وحتمية الرد المتكافئ هو ما فرض المسار الدبلوماسي كخيار إجباري لا مفر منه".

وأضاف أن "التريث يرتكز أيضا على  تغليب منطق الدولة والحوار مع الاحتفاظ بالقوة، عبر بناء حائط صد دبلوماسي وسياسي  يمنع جرّ الساحة العراقية إلى حرب مفتوحة، مع التأكيد على أن المصلحة العليا للوطن تقتضي إدارة الردع بحكمة ورشد، ومنح المسارات الرسمية والقانونية الفرصة لاسترداد الحقوق دون التفريط بهيبة البلاد"، حسب وصفه.

وتابع الموسوي: أن "إدارة الأزمات لا تعني التراجع أو العجز، بل تعني القدرة على اختيار التوقيت والوسيلة الأقل كلفة والأشد تأثيراً، فالتحركات الحثيثة أثبتت أن الحكمة ليست نقيض القوة، بل هي أعلى درجاتها عندما تُوظّف لحقن الدم العراقي، ودرء الفتنة الداخلية، وإفشال المخططات التي تراهن على إحداث شقاق بين القوى السياسية والمؤسسات الأمنية وقواعد المقاومة".

وتزامنت مع التطورات الأخيرة زيارة رئيس جهاز الاستخبارات السعودي خالد الحميدان إلى بغداد ولقائه رئيس الحكومة العراقية، حيث أكد الأخير أن العراق يرفض استخدام أراضيه منطلقا للاعتداء على دول الجوار.

الفصائل أجلت لخشيتها من واشنطن

الباحث في الشأن العراقي غانم العابد يرى أن قرار الفصائل تأجيل الرد والثأر، لم يكن استجابة فعلية لدعوة العامري، وإنما جاء بسبب خشيتها من التصعيد العسكري مع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، وما قد يترتب من ردود في حال تنفيذ تهديدتهم بضرب السعودية.

وقال العابد في حديث لشبكة "الساعة": إن "العامري توعد بنفسه قبل أيام بالثأر والرد على ما وصفه بالعدوان الصهيوأمريكي لكنه تراجع عن تلك الوعود وقام بدعوة الفصائل لتأجيل الرد".

وأضاف: أن "إعلان التأجيل سبقه حراك داخلي وخارجي، واجتماع لإئتلاف إدارة الدولة وتحذيرات من الزيدي من خطورة ما سيحدث في حال التصعيد والرد العسكري".

وأكد العابد أن "التأجيل جاء بسبب خشية الفصائل من الرد في حال ضرب السعودية عسكريا، وما قد يترتب عليه من فوضى وقرارات أممية وضربات أمريكية تستهدف مقرات الحشد والفصائل المسلحة".

وتابع العابد: أن "الزيدي أبلغ إئتلاف إدارة الدولة والإطار التنسيقي بخطورة تداعيات أي هجوم تشنه الفصائل ضد السعودية أو باقي دول الجوار، وذلك ما دفع إلى إعلان الفصائل تأجيل ردها إلى وقت آخر على الرغم من أن هذا التأجيل يضعها في حرج أمام جمهورها وأنصارها".

رسالة تحت التهديد

وبخصوص دعوة العامري، يؤكد السياسي العراقي نزار حيدر أن رسالة زعيم حركة بدر إلى الفصائل جاءت وكأنها تحت التهديد أو التأثير السلبي.

وقال حيدر في حديث لشبكة "الساعة": إن "لغة الجسد والطريقة التي تحدث بها العامري تدل على أنه كان خائفا ومترددا، وكأن رسالته للفصائل بتأجيل الرد جاءت تحت التهديد أو تحت التأثير السلبي".

وأضاف: أن "العامري أخطأ في رسالته، حيث كان يفترض به إن أراد فعلا مصلحة الدولة والحفاظ على السيادة العراقية أن يدعو الفصائل المسلحة إلى التوقف عن استخدام السلاح أو الأنشطة العسكرية من الآن فصاعدا، لكنه دعاهم فقط لتأجيل الرد مقابل وعود للحصول على حقوق الشهداء"، مبينا أن "العامري لم يراعي مصلحة الدولة وشرفها وسيادتها ولم يدافع عن الدستور الذي يمنع استخدام السلاح خارج إطار الدولة أو استخدام الأراضي العراقية منطلقا لشن الهجمات على دول الجوار"، مشيرا إلى أن "العامري في خطاباته كان دائما يتوعد بالثأر للشهداء دون أن يأخذ بثأر أحد منهم لغاية الآن".

الدولة وقرار الحرب

ويبدو أن إعلان الفصائل التحضير للرد على السعودية ثم الإعلان عن التأجيل يضع ملف سيادة الدولة العراقية على قرار السلم والحرب في الواجهة من جديد.

إذ يرى الصحفي العراقي عمر الجنابي عبر تغريدة في منصة "إكس" أن قرار الفصائل الخاص بالتحضير للرد العسكري ضد السعودية ثم تأجيله استجابة لدعوة قدمها هادي العامري، يؤكد أن خيار الحرب والسلم ما يزال بعيدا عن يد الدولة العراقية، وما يزال بيد الفصائل المسلحة الموالية لطهران".