يمثل الأرشيف الوطني لأي دولة سجلًا يوثق تاريخها السياسي والإداري والاقتصادي والثقافي، ويضم الوثائق الرسمية التي تحفظ ذاكرة مؤسساتها وتطورها عبر الزمن، ولا تقتصر أهمية الأرشيف على كونه مستودعًا للوثائق، بل يعد مرجعًا لاتخاذ القرار، ومصدرًا أساسيًا للباحثين والمؤرخين، فضلًا عن دوره في حماية الحقوق القانونية والمالية والفكرية للدولة والأفراد.

ما هو الأرشيف الوطني؟

يتكون الأرشيف من مختلف أنواع الوثائق التي تنتجها مؤسسات الدولة، سواء كانت ورقية أو سمعية وبصرية أو إلكترونية، ويشمل المراسلات الرسمية، والخرائط والمخططات، والمخطوطات، والصور الفوتوغرافية، والتسجيلات الصوتية والمرئية، إضافة إلى الملفات الرقمية.

وتحتفظ المؤسسات الحكومية ضمن أرشيفها بوثائق تتعلق بالسياسات العامة، والاتفاقيات، والتشريعات، والقرارات الإدارية، والموارد البشرية والمالية، والدراسات والإحصاءات، فضلاً عن الوثائق التاريخية والثقافية والعلمية التي تمثل ذاكرة الدولة ومرجعًا للباحثين.

انهيار مؤسسات الدولة وضياع الأرشيف

أدى الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق عام 2003 إلى انهيار مؤسسات الدولة، وتعرض العديد من الوزارات والدوائر الحكومية إلى أعمال نهب وإحراق، ما تسبب بفقدان كميات كبيرة من الوثائق والسجلات الرسمية.

وكانت دار الكتب والوثائق الوطنية من أبرز المؤسسات المتضررة، إذ تعرضت للحرق والنهب، ما أدى إلى ضياع عدد كبير من الوثائق التاريخية والمخطوطات والسجلات التي توثق مراحل مختلفة من تاريخ العراق، بينها وثائق تعود إلى العهدين العثماني والملكي.

أرشيف جهاز المخابرات العراقي.. ملف شديد الحساسية

يُعد أرشيف مديرية المخابرات العامة العراقية أحد أكثر الأرشيفات حساسية في الشرق الأوسط، إذ يضم ملفات أمنية واستخبارية وسياسية تغطي المدة الممتدة من عام 1968 حتى عام 2003، وتشمل وثائق عن النشاط الاستخباري، والعلاقات الخارجية، والعمليات الأمنية، وشبكات التجسس، وملفات التسليح.

وتشير دراسات وشهادات لضباط ومسؤولين سابقين إلى أن النظام العراقي، وقبيل سقوط بغداد، نقل جزءًا من الأرشيف من المقر الرئيس للمخابرات في منطقة الحارثية إلى مواقع بديلة، من بينها مبانٍ في منطقتي المنصور والمأمون، بهدف حمايته من القصف الجوي.

إلا أن سقوط النظام أدى إلى تشتت هذا الأرشيف بين جهات متعددة، في واحدة من أكثر عمليات فقدان الوثائق تعقيدًا في تاريخ العراق الحديث.

أولًا: استحواذ القوات الأمريكية

بحسب دراسات أكاديمية وتقارير تناولت مرحلة ما بعد الغزو، صادرت وحدات استخبارات أمريكية متخصصة كميات كبيرة من وثائق الأجهزة الأمنية والعسكرية العراقية.

ونُقلت هذه الوثائق إلى قواعد عسكرية أمريكية، من بينها قاعدة السيلية في قطر، حيث خضعت لعمليات الفرز والترجمة والدراسة، بهدف الاستفادة منها استخباريًا في تحليل بنية النظام العراقي السابق، وشبكات أجهزته الأمنية، وبرامج التسلح، والعلاقات الخارجية.

ثانيًا: أرشيف حزب البعث ومؤسسة الذاكرة العراقية

عقب سقوط بغداد، عُثر على ملايين الوثائق التابعة لحزب البعث داخل مقار الحزب، كما اكتُشفت مجموعة كبيرة من الوثائق في سرداب غمرته المياه داخل أحد مقار الحزب.

وبحسب الوثائق المنشورة من مؤسسة هوفر، فقد جرى العثور على هذه الوثائق بمشاركة المعارض العراقي كنعان مكية، وبمساعدة عدد من الشخصيات العراقية، من بينهم مصطفى الكاظمي، وبالتنسيق مع القوات الأمريكية.

وتولت مؤسسة الذاكرة العراقية جمع هذه الوثائق، والتي قُدّر حجمها بما بين خمسة ملايين وأحد عشر مليون صفحة، قبل نقلها إلى معهد هوفر بجامعة ستانفورد في الولايات المتحدة، حيث خضعت لعمليات الحفظ والرقمنة والدراسة.

وفي عام 2020، أُعيدت النسخ الأصلية إلى العراق خلال حكومة مصطفى الكاظمي، فيما احتُفظ بنسخ رقمية لأغراض البحث العلمي والتوثيق.

ثالثًا: الأرشيف اليهودي العراقي

في السادس من أيار/مايو 2003، عثرت قوة أمريكية داخل قبو مبنى جهاز المخابرات العراقي على مجموعة كبيرة من الكتب الدينية والمخطوطات والوثائق الخاصة بالطائفة اليهودية العراقية، وكانت محفوظة داخل القبو الذي غمرته المياه نتيجة القصف.

ونُقلت هذه المجموعة إلى الأرشيف الوطني الأمريكي (NARA) لإجراء أعمال الترميم والصيانة، قبل أن تتحول إلى أحد أكثر الملفات إثارة للجدل، مع استمرار المطالبات العراقية بإعادتها بوصفها جزءًا من التراث الوطني، في حين ترى جهات تمثل يهود العراق أن الأرشيف يعود إلى الطائفة اليهودية.

رابعًا: نهب المواقع البديلة

وتشير شهادات عدد من الضباط السابقين، إضافة إلى تقارير وثائقية، إلى أن مواقع بديلة كانت تضم أجزاءً من أرشيف جهاز المخابرات تعرضت للاقتحام بعد سقوط النظام.

وتفيد تلك الروايات بأن مجموعات مرتبطة بأحزاب سياسية عراقية استولت على ملفات تضمنت أسماء مخبرين ووكلاء وتقارير أمنية ووثائق تتعلق بعمليات خارجية، فيما تعرض جزء من الوثائق للإتلاف أو التسريب، بينما لا يزال مصير أجزاء أخرى مجهولًا حتى اليوم.

ورغم تداول هذه الروايات على نطاق واسع، فإن الحجم الكامل للوثائق التي فُقدت أو الجهات التي آلت إليها لم يُحسم بصورة نهائية في تحقيق رسمي شامل.

خسائر طالت مؤسسات الدولة

إلى جانب الأرشيف الأمني، تعرضت وزارات وهيئات حكومية أخرى إلى فقدان أجزاء من سجلاتها ووثائقها، بما في ذلك أرشيفات إدارية وإعلامية وثقافية، وسجلات تتعلق بالتسجيل العقاري والأحوال المدنية، وهو ما أثر في الذاكرة المؤسسية للدولة العراقية وأعاق عمل بعض المؤسسات خلال السنوات التي أعقبت عام 2003.

استعادة الوثائق وحماية الذاكرة الوطنية

شهدت السنوات الأخيرة جهودًا عراقية لاستعادة عدد من الأرشيفات الموجودة خارج البلاد، وأسفرت هذه الجهود عن إعادة بعض الوثائق، وفي مقدمتها النسخ الأصلية من أرشيف حزب البعث، فيما لا تزال ملفات أخرى، مثل الأرشيف اليهودي العراقي، محل نقاش قانوني وسياسي.

ويرى مختصون أن ما تعرض له الأرشيف العراقي بعد عام 2003 لا يمثل مجرد فقدان لوثائق رسمية، بل خسارة لجزء مهم من الذاكرة الوطنية، مؤكدين أن حماية الأرشيف ورقمنته، وتعزيز التشريعات الخاصة بحفظ الوثائق، تمثل خطوات أساسية للحفاظ على تاريخ العراق وضمان انتقاله إلى الأجيال المقبلة.