يُعد قضاء الزبير أحد أقدم وأهم أقضية محافظة البصرة، إذ يمتلك إرثًا تاريخيًا يمتد لقرون، إلى جانب موقعه الجغرافي الاستراتيجي وثرواته الزراعية والنفطية والموانئ الحيوية التي جعلت منه ركيزة أساسية للاقتصاد العراقي، ورغم هذه المقومات، لا يزال القضاء يواجه تحديات كبيرة تتمثل في تراجع الخدمات العامة، وضعف مشاريع البنى التحتية، واستمرار الإهمال الذي ينعكس على الواقع المعيشي لسكانه.

تاريخ عريق ومركز تجاري مزدهر

تعود نشأة الزبير إلى صدر الإسلام، عندما أسسها الصحابي عتبة بن غزوان في عهد الخليفة عمر بن الخطاب لتكون معسكرًا عسكريًا، قبل أن تتحول تدريجيًا إلى مركز تجاري مهم بفضل موقعها على طرق القوافل التجارية.

وساعد مرور القوافل واستقرار السكان بالقرب من مرقد الصحابي الزبير بن العوام، الذي دُفن في وادي السباع، على ازدهار المدينة، حتى عُرفت باسمه وأصبحت إحدى أبرز الحواضر التجارية في جنوب العراق.

وسكن الزبير عشائر وقبائل عربية تنحدر أصولها من نجد واليمن، وأسهمت هذه الأسر في ازدهار المدينة اقتصاديًا وثقافيًا، ومع قيام الدولة العراقية الحديثة، عادت أعداد من العائلات النجدية إلى موطنها الأصلي في السعودية والكويت لأسباب اجتماعية وسياسية واقتصادية.

بوابة للتجارة بين العراق والجزيرة العربية

اشتهر الزبير منذ نشأته بالنشاط التجاري، إذ شكّل محطة رئيسية للقوافل القادمة من نجد والمتجهة إلى البصرة، حيث كان أبناء الجزيرة العربية يقصدونها للعمل في بساتين النخيل خلال مواسم الرطب والتمور، ثم يعودون إلى مناطقهم بعد انتهاء الموسم.

كما تحولت المدينة إلى سوق مزدهر لتبادل السلع بين البصرة وباديتها، فكانت تُعرض فيها التمور والحبوب والأقمشة والمنتجات الصناعية، مقابل الماشية والإبل والخيول والجلود والأصواف والأعشاب الطبية وغيرها من منتجات البادية، وهو ما أسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية لعقود طويلة.

ولم يقتصر تميز قضاء الزبير في التجارة، بل عُرف أيضًا باهتمام السكان بالعلم والتعليم، إذ خصصت كثير من الأسر غرفًا داخل منازلها لتعليم القرآن الكريم والعلوم الشرعية واللغة العربية، ما جعل القضاء مركزًا علميًا إلى جانب مكانته التجارية.

وأدت الحروب المتعاقبة، والتقلبات السياسية والأمنية، إلى تراجع دور الزبير الاقتصادي والعمراني، شأنه شأن العديد من الأقضية والمدن العراقية التي تأثرت بظروف البلاد خلال العقود الماضية.

موقع استراتيجي وثروات متنوعة

يقع قضاء الزبير إلى الغرب من محافظة البصرة، وتبلغ مساحته نحو 11,618 كيلومترًا مربعًا، أي ما يعادل نحو 61% من مساحة المحافظة، ما يجعله أكبر أقضيتها مساحة.

ويكتسب القضاء أهمية استراتيجية لكونه يجاور الكويت والسعودية والخليج العربي، ويضم عددًا من أهم الموانئ العراقية، أبرزها ميناء أم قصر وميناء خور الزبير، كما كانت ناحية سفوان إحدى وحداته الإدارية قبل تحويلها إلى قضاء مستقل عام 2024.

وبفضل موقعه الجغرافي، ظل الزبير عبر التاريخ محطة رئيسية للتجارة البرية والبحرية، وممرًا يربط العراق بدول الخليج وشبه الجزيرة العربية، الأمر الذي أكسبه أهمية اقتصادية متواصلة بفضل القطاعات التالية: 

أولًا: القطاع الزراعي

يمتلك قضاء الزبير مساحات زراعية واسعة تمتد من شماله الغربي حتى جنوبه، وتتميز تربته بالرمال المختلطة بطبقات صخرية متكلسة صالحة للزراعة.

وتشتهر مزارع القضاء بإنتاج محاصيل الخضروات، وفي مقدمتها الطماطم والبصل والثوم والخيار والبطيخ، فيما تنتشر الأراضي الزراعية في مناطق البرجسية والمسقوفية والمنسية والجري والضليعات، إضافة إلى السلمانية جنوب شرقي الشعيبة، وصولًا إلى سفوان التي تُعد من أكثر المناطق الزراعية خصوبة بعد البرجسية.

وتسهم هذه الأراضي في دعم الإنتاج الزراعي لمحافظة البصرة، إلا أن القطاع يواجه تحديات متزايدة، أبرزها شح المياه وتوسع النشاطات النفطية على حساب الأراضي الزراعية، فضلًا عن نقص الدعم الحكومي للمزارعين.

ثانيًا: الثروة النفطية 

لا تقتصر أهمية قضاء الزبير على موقعه الجغرافي، بل يمتلك واحدة من أكبر الثروات النفطية في العراق، إذ يضم حقولًا تُعد هي الأكبر عالميًا، وفي مقدمتها حقلا الرميلة الشمالي والجنوبي، إضافة إلى حقل الزبير النفطي، ما يجعل القضاء أحد أهم مراكز إنتاج النفط في البلاد.

1- حقل الرميلة: يقع حقل الرميلة على بعد نحو 50 كيلومترًا غرب مدينة البصرة، ويمتد على مساحة تقارب 1,600 كيلومتر مربع، بطول يصل إلى 80 كيلومترًا من الشمال إلى الجنوب، ونحو 20 كيلومترًا من الشرق إلى الغرب.

وينقسم الحقل إلى منطقتين هما الرميلة الشمالية والرميلة الجنوبية المحاذية للحدود الكويتية، ويُصنف ضمن أكبر الحقول النفطية المنتجة في العالم، كما يُعد من أهم مصادر النفط العراقي، إذ يبلغ معدل إنتاجه نحو 1.3 مليون برميل يوميًا، أي ما يقارب 40% من إجمالي إنتاج العراق من النفط الخام.

2- حقل الزبير: يُعد حقل الزبير من الحقول الاستراتيجية في محافظة البصرة، إذ تبلغ طاقته الإنتاجية نحو 220 ألف برميل يوميًا، ويسهم بشكل كبير في دعم صادرات العراق النفطية وإيراداته المالية، حيث يتكون من أربع قباب يشكل كل منها حقلًا نفطيًا ضمن حقل الزبير الكبير وهي قبة الحمار والتي تمثل الامتداد التركيبي الشمالي الأقصى لحقل الزبير.

والقبة الثانية هي قبة الشعيبة وتأتي مباشرة جنوب قبة الحمار (الشمالية) وشمال قبة الرافضية والتي تمثل المقطع الثالث ضمن حقل الزبير، وتأتي جنوب قبة الشعيبة ومباشرة شمال قبة سفوان والذي يمثل الامتداد الجنوبي المباشر لتركيب حقل الزبير داخل الأراضي العراقية قبل أن يجتاز الحدود إلى الجانب الكويتي ليُعرف هناك باسم حقل العبدلي، حيث يكون حقل سفوان العبدلي النفطي. 

وتجعل هذه الحقول من قضاء الزبير أحد أهم المراكز النفطية في الشرق الأوسط، لما تمتلكه من احتياطيات كبيرة ودور محوري في الاقتصاد الوطني.

ثالثًا: الموانئ والمنافذ التجارية

إلى جانب الثروة النفطية، يحتضن قضاء الزبير أهم الموانئ والمنافذ البرية التي تربط العراق بالعالم الخارجي، وهو ما يعزز مكانته الاقتصادية والتجارية.

1- ميناء أم قصر: يُعد ميناء أم قصر أكبر الموانئ العراقية وأكثرها أهمية، ويقع بالقرب من الحدود العراقية الكويتية في منطقة أم قصر.

ويتميز الميناء بقدرته على استقبال السفن والبواخر ذات الغاطس العميق، التي يصعب دخولها عبر شط العرب، ما جعله المنفذ البحري الرئيس للعراق.

وفي عام 2010 أعادت وزارة النقل تنظيم الميناء، فقسمته إلى ميناء أم قصر الشمالي وأم قصر الجنوبي، ثم استحدثت ميناء أم قصر الأوسط، وأصبحت الموانئ الثلاثة تعمل بإدارات مستقلة.

ويمر عبر هذه الموانئ ما يقارب 80% من الواردات العراقية، وتعتمد عليها وزارة التجارة في استيراد المواد الغذائية والسلع الأساسية، ما يمنحها أهمية اقتصادية واستراتيجية كبيرة.

2- خور عبد الله: يشكل خور عبد الله الممر البحري الرئيس الذي يربط العراق بالخليج العربي، إذ يقع بين جزيرتي بوبيان ووربة الكويتيتين وشبه جزيرة الفاو العراقية، ويمتد شمالًا حتى خور الزبير.

وبموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 833 لسنة 1993، جرى تنظيم الحدود البحرية بين العراق والكويت في هذا الممر وفق خط الوسط، مع ضمان حق الملاحة البحرية لكلا البلدين.

3- خور الزبير: يُعد خور الزبير امتدادًا طبيعيًا لخور عبد الله، ويقع بين قضاءي الفاو وأبي الخصيب شرقًا، وقضاء الزبير غربًا، ويضم الخور ميناء خور الزبير وميناء أم قصر، اللذين يشكلان شريانًا حيويًا لحركة التجارة العراقية، فضلًا عن دورهما في تصدير النفط واستيراد البضائع المختلفة.

4- منفذ سفوان: ويضم القضاء أيضًا منفذ سفوان الحدودي، أحد أهم المنافذ البرية بين العراق والكويت، حيث يقابل منفذ العبدلي الكويتي، ويشهد حركة مستمرة للمسافرين والبضائع، ما يجعله من أبرز منافذ التبادل التجاري بين البلدين، فضلًا عن دوره في دعم النشاط الاقتصادي لمحافظة البصرة والعراق عمومًا.

وبفضل هذه المنافذ البرية والبحرية، يحتفظ قضاء الزبير بمكانته بوصفه أحد أهم المراكز اللوجستية والتجارية في البلاد، إذ يجمع بين الثروة النفطية والموقع الجغرافي الذي يربط العراق بدول الخليج والأسواق العالمية.

رابعًا: الإرث الحضاري 

إلى جانب مكانته الاقتصادية، يحتفظ قضاء الزبير بإرث تاريخي وثقافي غني يجعله من أبرز المدن ذات الأهمية الحضارية في جنوب العراق، إذ يضم مواقع دينية وأثرية ارتبطت بمراحل مختلفة من التاريخ الإسلامي والحديث.

ومن أبرز معالم القضاء مرقد الصحابي الزبير بن العوام، أحد كبار الصحابة، والذي حملت المدينة اسمه، إضافة إلى مرقد الصحابي طلحة بن عبيد الله، الذي شُيّد فوقه مسجد تاريخي يُعد من أقدم المراقد الإسلامية في العراق.

كما تحتضن الزبير مقبرة الحسن البصري، التي يزيد عمرها على أربعة عشر قرنًا، وتُعد من أقدم المقابر الإسلامية في البلاد. وسُمّيت باسم الإمام الحسن البصري، الذي توفي عام 110هـ (728م)، قبل أن يُدفن فيها عدد من العلماء والشخصيات البارزة، من بينهم الفقيه محمد بن سيرين.

أهمية المقبرة لا تقتصر على بعدها الديني، بل تمثل سجلًا تاريخيًا يضم رفات شخصيات أدبية وفكرية وسياسية تركت بصمة واضحة في تاريخ العراق الحديث.

ومن بين أبرز المدفونين فيها الشاعر بدر شاكر السياب، أحد رواد الشعر الحر، والشاعر محمود البريكان، والأديب عبد الغفار الأخرس، والروائي محمود عبد الوهاب، فضلًا عن عدد من رجال الدولة الذين شاركوا في تأسيس الدولة العراقية الحديثة.

وتضم المقبرة أيضًا قبور وزراء من حكومة عبد الرحمن النقيب، أول حكومة وطنية في العراق، منهم عبد اللطيف باشا المنديل، وقاسم باشا الزهير، ومحمود باشا آل عبد الواحد، و طالب باشا النقيب.

وفي القضاء عدد من الأبنية التاريخية التي تعكس الطراز العمراني القديم، من أبرزها قصر مضحي، الذي شيده تجار من أبناء الزبير المنحدرين من نجد والحجاز قبل أكثر من قرن، مستخدمين الطين والحجر في بنائه، وما تزال أجزاء من القصر قائمة حتى اليوم.

كما يضم القضاء برج المفتول، وهو حصن طيني يتكون من أربعة أبراج، شُيد خلال العهد العثماني لمراقبة الطرق القادمة من جهة الحجاز، وحماية آبار المياه التي كانت تمثل مصدرًا رئيسيًا لإمداد المدينة بالمياه.

وتحتضن الزبير كذلك بقايا مدينة البصرة القديمة، التي أسسها الصحابي عتبة بن غزوان في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، والتي تُعد من أهم المواقع التاريخية في العراق، لما تمثله من قيمة حضارية ودينية كبيرة.

واقع خدمي متراجع رغم الثروات

رغم المقومات الاقتصادية والتاريخية التي يتمتع بها قضاء الزبير، فإن سكانه يؤكدون أن القضاء ما زال يعاني تراجعًا ملحوظًا في مستوى الخدمات العامة والبنى التحتية، الأمر الذي يتناقض مع مكانة القضاء بوصفه أحد أهم المراكز الاقتصادية في العراق.

ويشير الأهالي إلى أن مشكلات الكهرباء، وشبكات المياه، والطرق، والصرف الصحي، وتراكم النفايات، إلى جانب ضعف الخدمات الصحية والتعليمية، ما تزال تمثل أبرز التحديات التي تواجه القضاء، رغم ما يوفره من موارد نفطية وتجارية تسهم في دعم الاقتصاد الوطني. 

أولاً: مطالبات بتحسين الخدمات

خلال السنوات الماضية، وجّه أهالي الزبير والإدارة المحلية العديد من المطالب إلى الحكومة المحلية في محافظة البصرة والحكومة الاتحادية، داعين إلى تنفيذ مشاريع البنى التحتية وتحسين مستوى الخدمات بما يتناسب مع أهمية القضاء الاقتصادية والاستراتيجية.

ويرى السكان أن الزبير، بما يضمه من حقول نفطية وموانئ ومنافذ حدودية وأراضٍ زراعية، تستحق اهتمامًا أكبر وخططًا تنموية تواكب حجم إسهامها في الإيرادات العامة للدولة.

ثانيًا: الزراعة في مواجهة التوسع النفطي

يواجه قطاع الزراعة  تحديات متزايدة نتيجة التوسع في العمليات النفطية، رغم امتلاك القضاء مساحات زراعية واسعة، وكانت مديرية زراعة البصرة قد حذرت في مناسبات سابقة من أن توسع النشاطات النفطية يؤدي إلى تقليص الرقعة الزراعية، ويحد من إمكانية استثمار الأراضي الصالحة للزراعة، إلى جانب تأثير عوامل أخرى، أبرزها شح المياه، ونقص المستلزمات الزراعية، وفي مقدمتها الأسمدة، ما ينعكس سلبًا على الإنتاج الزراعي.

ويطالب المزارعون بإيجاد توازن بين الاستثمار في القطاع النفطي والحفاظ على الأراضي الزراعية، باعتبارها أحد أهم مصادر الأمن الغذائي وفرص العمل في القضاء.

ثالثًا: تحديات البنية التحتية

تبرز مشكلة الكهرباء بين أكثر الملفات التي يطالب الأهالي بمعالجتها، من خلال زيادة ساعات التجهيز، وتعزيز الشبكة الوطنية، ونصب محولات إضافية تستوعب التوسع السكاني.

كما يطالب السكان بتطوير شبكات الطرق، وإنشاء مشاريع متكاملة لتصريف مياه الأمطار، وتحسين خدمات جمع النفايات، وإنجاز مشاريع الماء والمجاري، بما يسهم في رفع مستوى الخدمات وتحسين البيئة الحضرية.

رابعًا: حماية الآثار التاريخية 

ولا تقتصر التحديات على الجانب الخدمي، بل تمتد إلى المواقع الأثرية والتراثية التي تواجه خطر الاندثار نتيجة التجاوزات العمرانية والزحف السكاني.

ودعت الإدارة المحلية في الزبير، في أكثر من مناسبة، الحكومة العراقية ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) إلى التدخل لحماية المواقع التاريخية، ولا سيما بقايا مدينة البصرة القديمة، التي تُعد من أقدم المدن الإسلامية في العراق.

وأكدت الإدارة المحلية أن استمرار التجاوزات يهدد بفقدان جزء مهم من الإرث الحضاري للمدينة، مطالبةً بتطبيق القوانين الخاصة بحماية الآثار، واتخاذ إجراءات قانونية بحق المتجاوزين، إلى جانب تنفيذ مشاريع لترميم وتأهيل المواقع التاريخية

بين الإمكانات والواقع

يمثل قضاء الزبير نموذجًا واضحًا للتباين بين وفرة الموارد وتحديات التنمية، فهو يحتضن حقولًا نفطية عملاقة، وموانئ استراتيجية، ومنافذ حدودية نشطة، وأراضي زراعية واسعة، فضلًا عن إرث تاريخي يمتد لقرون، إلا أن هذه المقومات لم تنعكس حتى الآن بصورة متوازنة على واقع الخدمات ومستوى التنمية المحلية.

ويرى مراقبون أن استثمار هذه الإمكانات يتطلب رؤية تنموية شاملة توازن بين استغلال الموارد الطبيعية، والحفاظ على القطاع الزراعي، وصون المواقع الأثرية، وتحسين البنى التحتية والخدمات الأساسية، بما يحقق تنمية مستدامة تواكب المكانة الاقتصادية والتاريخية التي يتمتع بها القضاء، وتعزز دوره بوصفه أحد أهم المراكز الحيوية في محافظة البصرة والعراق.