شهد الموقف العربي من القضية الفلسطينية تحولات جذرية خلال العقود الأخيرة، فبعد أن بلغ ذروة تماسكه بين عامي 1947 و1980، بدأت أولى ملامح التراجع تظهر مع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات، ثم تعمقت عقب حرب الخليج الثانية إثر احتلال العراق للكويت، ورغم تلك المتغيرات، بقيت القضية الفلسطينية والمسجد الأقصى في صدارة الاهتمام السياسي العربي والعراقي.

نقطة التحول الحقيقية جاءت مطلع تسعينيات القرن الماضي، عندما فرضت الولايات المتحدة، بدعم عدد من الدول العربية، حصارًا اقتصاديًا شاملاً على العراق. مثّل الحصار بداية مرحلة جديدة في النظام الإقليمي العربي، انتهت بالغزو الأمريكي للعراق عام 2003، وهو الحدث الذي أعاد تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط.

أدى احتلال العراق إلى انهيار مؤسسات الدولة، بعدما اتخذت سلطة الاحتلال قرارًا بحل الجيش العراقي وأجهزة الأمن، الأمر الذي فتح الباب أمام الفوضى وانتشار الميليشيات والجماعات المسلحة، وتصاعد أعمال العنف والانقسام الطائفي وغياب سلطة القانون.

سقوط العراق لم يكن مجرد تغيير في نظام الحكم، بل شكّل نقطة انعطاف في الموقف العربي تجاه القضية الفلسطينية، فمنذ ذلك الوقت بدأت دول عربية بإعادة صياغة سياساتها الخارجية، وصولًا إلى مسار التطبيع مع إسرائيل، في ظل إدراك أن المواجهة مع الغرب أو مع الاحتلال الإسرائيلي قد تحمل كلفة مشابهة لما تعرض له العراق.

قرار "إسرائيلي" بالدفع نحو غزو العراق

قبل الغزو الأمريكي، لعب عدد من الساسة الإسرائيليين دورًا بارزًا في الدعوة إلى إسقاط نظام الرئيس العراقي صدام حسين، وكان أبرزهم بنيامين نتنياهو، الذي مثّل في ذلك الوقت أحد أبرز الأصوات الداعمة للتدخل العسكري الأمريكي.

ففي شهادته أمام الكونغرس الأمريكي في 12 سبتمبر/أيلول 2002، أكد نتنياهو أن إسقاط نظام صدام حسين سيؤدي إلى "تغييرات إيجابية هائلة" في الشرق الأوسط، واعتبر أن العراق يشكل أخطر تهديد للولايات المتحدة وللاستقرار الإقليمي.

واستند نتنياهو في مرافعاته إلى مزاعم امتلاك العراق برنامجًا نوويًا وأسلحة دمار شامل، مؤكداً أن بغداد تسعى إلى "تغيير التاريخ" عبر امتلاك السلاح النووي، وربط هذا الادعاء بهجمات 11 سبتمبر، معتبراً أن تأجيل الحرب على العراق سيقود إلى هجمات مشابهة في المستقبل.

كما أعاد التذكير بالغارة الإسرائيلية على المفاعل النووي العراقي عام 1981، وقدمها باعتبارها خطوة وقائية هدفت إلى منع العراق من إنتاج البلوتونيوم اللازم لصناعة قنبلة نووية، مؤكداً أن العملية جاءت دفاعًا عن أمن "إسرائيل" وليس ردًا على عمل عسكري عراقي.

وفي ختام شهادته، دعا الإدارة الأمريكية إلى التحرك سريعًا لإسقاط نظام صدام حسين، محذرًا من أن امتلاك العراق أسلحة نووية سيهدد أمن العالم بأسره.

وبعد نحو 6 أشهر فقط، بدأت القوات الأمريكية والبريطانية غزو العراق تحت شعار القضاء على أسلحة الدمار الشامل، وهي الذريعة نفسها التي دافع عنها نتنياهو أمام الكونغرس، قبل أن تثبت لجان التفتيش لاحقًا عدم وجود تلك الأسلحة.

نتائج الغزو وضعت الأنظمة العربية أمام واقع سياسي جديد، تمثل في خيارين: إما التكيف مع التحولات التي فرضتها الولايات المتحدة وحلفاؤها، أو مواجهة مصير مشابه لما تعرض له العراق.

جهد استخباراتي "إسرائيلي" لدعم غزو العراق

لم يقتصر الدعم الإسرائيلي لغزو العراق على المواقف السياسية، بل امتد – وفق تقارير ودراسات إسرائيلية – إلى الجانب الاستخباري، فقد استندت تل أبيب في ترويجها للحرب إلى معلومات زعمت امتلاك بغداد برنامجًا نشطًا لأسلحة الدمار الشامل، وهو الادعاء الذي شكّل أحد أبرز مبررات الغزو الأمريكي عام 2003.

وفي دراسة بعنوان "احتلال العراق.. فشل استخباراتي"، قال العميد الإسرائيلي المتقاعد "شلومو بروم"، إن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية كانت شريكًا كاملًا مع الولايات المتحدة وبريطانيا في بناء صورة استخباراتية مبالغ فيها حول قدرات العراق العسكرية، ولا سيما ما يتعلق بأسلحة الدمار الشامل.

وأضاف بروم أن "إسرائيل" بالغت في تقدير مستوى التهديد الذي يمثله العراق، وأسهمت في ترسيخ القناعة لدى واشنطن ولندن بأن بغداد تمتلك برامج نووية وكيماوية متطورة، مؤكدًا أن تقديم تقييم استخباراتي مغاير كان من الممكن أن يؤثر في القرار السياسي الأمريكي والبريطاني بشأن الحرب.

وبعد أكثر من عقدين على الغزو، عاد الملف إلى الواجهة عندما أقر رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في تصريحات أدلى بها عام 2025، بأن "إسرائيل" لم تكن تمتلك دليلًا على أن الرئيس العراقي صدام حسين كان يعمل على تطوير سلاح نووي، وهو ما يتناقض مع شهادته أمام الكونغرس الأمريكي عام 2002، عندما أكد أنه "لا يوجد أي شك على الإطلاق في سعي العراق إلى امتلاك أسلحة دمار شامل".

المعارضة العراقية والرغبة الإسرائيلية.. تقاطعٌ مهّد للحرب 2003

التقت توجهات المعارضة العراقية مع توجهات، بنيامين نتنياهو و"إسرائيل" في دعم خيار الحرب لإسقاط نظام صدام حسين، والترويج لخطر أسلحة الدمار الشامل وربط إسقاط النظام بالديمقراطية واستقرار المنطقة، مع اختلاف الدوافع؛ إذ سعت المعارضة للوصول إلى الحكم وتغيير بنية الدولة، بينما ركز نتنياهو على إضعاف القوة العسكرية العراقية وتعزيز التفوق الاستراتيجي لـ "إسرائيل"، وأدت المعارضة دورًا واضحًا بمسارين هما:

أولاً: الغطاء القانوني والسياسي

أسهمت مؤتمرات المعارضة العراقية في الخارج، ولا سيما مؤتمري فيينا 1992 ولندن 2002، في توحيد قوى المعارضة والضغط على واشنطن، وصولًا إلى إصدار قانون تحرير العراق عام 1998 الذي جعل إسقاط النظام هدفًا رسميًا للسياسة الأمريكية، ثم طرح تصورات لإدارة العراق بعد سقوط النظام.

ثانياً: الدعم الاستخباراتي والميداني

قدمت فصائل المعارضة معلومات استخباراتية ودعمًا ميدانيًا للقوات الأمريكية، وساهمت بالترويج لروايات أسلحة الدمار الشامل، ثبت لاحقًا عدم دقتها، وبعد سقوط بغداد في نيسان 2003، انتقلت قيادات المعارضة إلى المشاركة في إدارة الدولة عبر مجلس الحكم الانتقالي.

العراق.. بوابة إعادة تشكيل الشرق الأوسط

استهداف العراق لم يكن هدفًا معزولًا، بل جاء ضمن رؤية أوسع لإعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط، فبعد خروجه من الحرب العراقية الإيرانية عام 1988، امتلك العراق جيشًا يعد من أكبر الجيوش في المنطقة، إلى جانب قاعدة صناعية وعسكرية متنامية، ما جعله – وفق الرؤية الإسرائيلية – يمثل تهديدًا استراتيجيًا طويل الأمد.

لذا كان إسقاط العراق يحقق ثلاثة أهداف رئيسية من منظور صناع القرار لدى الاحتلال الإسرائيلي.

أولاً: إخماد قوة عربية فاعلة  في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي

شكّل العراق منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة، أحد أبرز أركان القوة العربية في مواجهة الاحتلال سواء سياسيًا أو عسكريًا، فقد شارك الجيش العراقي في جميع الحروب العربية ضد الاحتلال الإسرائيلي تقريبًا، واحتفظ بموقف سياسي رافض للاعتراف به أو توقيع اتفاقيات سلام معه.

حرب فلسطين 1948: شارك العراق في الحرب بقوة بدأت بنحو 2500 جندي قبل أن ترتفع إلى قرابة 18 ألفًا، وكان أبرز إنجازاته استعادة مدينة جنين بعد معارك عنيفة، كما كان العراق الدولة العربية الوحيدة التي رفضت توقيع اتفاقية هدنة دائمة مع الاحتلال بعد الحرب.

حرب يونيو 1967: دفعت بغداد بسلاحها الجوي للمشاركة في العمليات العسكرية، حيث نفذت طائرات "هوكر هنتر" و"سوخوي-7" هجمات على قاعدة "رمات ديفيد" الجوية للاحتلال كما تحرك اللواء المدرع الثامن نحو الجبهة الأردنية لدعم القوات العربية قبل توقف العمليات العسكرية.

حرب أكتوبر 1973: أرسل العراق نحو 30 ألف جندي، وأكثر من 500 دبابة و300 عربة مدرعة، إضافة إلى 5 أسراب مقاتلة، وفق وثائق سورية وتقارير لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA).

ولعبت القوات العراقية دورًا مهمًا في تعزيز الجبهة السورية، وساهمت في وقف تقدم الاحتلال الإسرائيلي باتجاه دمشق، كما شاركت الطائرات العراقية في العمليات الجوية على الجبهتين السورية والمصرية.

حرب الخليج الثانية 1991: خلال حرب تحرير الكويت، أطلق العراق ما بين 39 و42 صاروخًا باليستيًا من طرازي "الحسين" و"العباس"، المطورين عن صواريخ "سكود" السوفيتية، واستهدفت تلك الصواريخ مدينتي تل أبيب وحيفا، في محاولة للتصعيد وجر الدول العربية إلى الحرب وإحداث تحول في مسار الصراع.

ثانيًا: إضعاف الموقف العربي تجاه القضية الفلسطينية

شكّل انهيار الدولة العراقية نقطة تحول في النظام العربي، بعدما أدى إلى اختفاء أحد أبرز مراكز القوة العسكرية العربية، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة اتسمت بتراجع أولويات الصراع العربي الإسرائيلي لصالح أزمات داخلية وحروب أهلية.

ومع انشغال العراق بإعادة بناء مؤسسات الدولة، واندلاع الصراعات الداخلية، وتوسع النفوذ الإقليمي لقوى متعددة، بدأت دول عربية بإعادة صياغة سياساتها الخارجية، لينتقل المشهد تدريجيًا من مرحلة المقاطعة السياسية للاحتلال الإسرائيلي إلى مسارات الحوار ثم اتفاقيات التطبيع.

هذه التحولات عُرفت بمفهوم "الفوضى الخلاقة"، وهو المصطلح الذي ارتبط بسياسات الإدارة الأمريكية في الشرق الأوسط، والقائم على إعادة تشكيل المنطقة عبر تغيير بنية الأنظمة السياسية وإعادة توزيع موازين القوة.

ثالثًا: من التوافق إلى المواجهة.. التمهيد للصدام مع إيران

لم يكن العراق الهدف النهائي للاستراتيجية الإسرائيلية، بل كان يمثل المرحلة الأولى في مشروع أوسع يستهدف إعادة تشكيل الشرق الأوسط عبر أستعمال إيران لتكون عراب الفوضى الخلاقة ثم زجها بحرب ضد أمريكا.

فإقامة نظام عراقي ضعيف ومنقسم بمساعدة إيرانية بعد عام 2003 خلق بيئة إقليمية أكثر تعقيدًا، وأسهم في تحويل العراق إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح الولايات المتحدة وإيران بما يجعل أي مواجهة مستقبلية بين واشنطن وطهران ذات آثار إقليمية واسعة.

المخططات الإسرائيلية لحرب إيرانية أمريكية والتى اعترف بها بنيامين نتنياهو عام 2025، إذ كشف عن حوار دار بينه وبين وزير الدفاع الأمريكي آنذاك دونالد رامسفيلد قبيل غزو العراق.

وبحسب تلك التصريحات، قال نتنياهو لرامسفيلد إن إسقاط نظام صدام حسين سيكون سريعًا، إلا أن الهدف الاستراتيجي الأهم يتمثل في النظام الإيراني، الذي كان – بحسب وصفه – يسعى منذ ذلك الوقت إلى تطوير برنامج نووي، جاءت رغم التعاون الإيراني الكبير الذي قدمته إيران لتسهيل احتلال العراق.

فالدعم الإيراني للقوى الشيعية والدعم الإسرائيلي للقوى الكردية شكّلا مسارين مختلفين لتحقيق هدف متشابه، تمثل في إضعاف الدولة العراقية واستنزاف سلطة بغداد والحد من قدرتها على فرض سيطرتها الكاملة على البلاد؛ فقد بدأت إيران، بعد الثورة الإسلامية عام 1979، بدعم المعارضة الشيعية العراقية، وتأسس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق عام 1982 بدعم إيراني، بينما دعمت إسرائيل الحركة الكردية، خصوصًا خلال 1965–1975. وكشفت وثائق CIA و وزارة الخارجية الأمريكية هذا الدعم، وتشير إحداها صراحة إلى أن دعم الأكراد كان يهدف إلى إبقاء الحكومة العراقية منشغلة والحد من قدرتها على التحرك عسكريًا.

بينما أكد الإيرانيون هذا الدعم، ففي عام 2009، قال الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد، خلال المناظرات الرئاسية وخطابات لاحقة، إن الولايات المتحدة صنّفت إيران ضمن "محور الشر" رغم أنها – بحسب تعبيره – كانت "الدولة الأكثر تعاونًا مع الأمريكيين في ملفي أفغانستان والعراق"، منتقدًا ما وصفه بتجاهل واشنطن لهذا التعاون.

وسبق ذلك بخمس سنوات تصريح أكثر وضوحًا لنائب الرئيس الإيراني الأسبق محمد علي أبطحي، خلال مشاركته في مؤتمر "الخليج وتحديات المستقبل" في أبوظبي عام 2004، إذ قال: "لولا التعاون الإيراني لما سقطت كابل وبغداد بهذه السهولة، لقد قدمت إيران الكثير من التسهيلات والدعم اللوجستي للأمريكيين لإسقاط النظامين".

كما أكد رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام الإيراني الأسبق، علي أكبر هاشمي رفسنجاني، في أكثر من خطاب ومقابلة، أن القوات الأمريكية كانت ستواجه صعوبات أكبر في أفغانستان والعراق لولا التسهيلات والمواقف التي اتخذتها طهران خلف الكواليس، والتي ساعدت – بحسب وصفه – في تسهيل المهمة الأمريكية.

هذه التصريحات تعكس قناعة إسرائيلية مبكرة بأن الحرب على العراق تمثل خطوة تمهيدية قبل الانتقال إلى مواجهة إيران، وأن التعاون مع طهران ما هو إلا مرحلة تكامل أهداف ومشاريع سياسية ستتصادم في مرحلة معينة،  وهو ما يفسر استمرار الضغوط الإسرائيلية على الإدارات الأمريكية المتعاقبة لتشديد سياساتها تجاه طهران.

  تصعيد "إسرائيلي" يتداخل مع مسار التفاوض الأمريكي الإيراني

تجنبت الإدارات الأمريكية، رغم تصاعد التوتر مع إيران، خوض حرب شاملة مشابهة لغزو العراق، خاصة بعد التداعيات السياسية والعسكرية التي ترتبت على حرب عام 2003، وفشل العثور على أسلحة الدمار الشامل التي كانت المبرر الرئيسي للغزو.

وفي المقابل، استمر الاحتلال الإسرائيلي في انتهاج سياسة تقوم على زيادة الضغط العسكري والأمني على إيران، بالتوازي مع أي مسار تفاوضي بين واشنطن وطهران، في محاولة للحيلولة دون التوصل إلى اتفاق

2013 - 2015.. اعتراض "إسرائيلي" يتحول لاغتيالات

خلال الفترة بين عامي 2013 و2015، وبينما كانت إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما تقود مفاوضات مكثفة مع إيران انتهت بتوقيع الاتفاق النووي، نُسب إلى "إسرائيل" تنفيذ سلسلة من عمليات الاغتيال والتخريب التي استهدفت البرنامج النووي الإيراني، في وقت عارضت فيه "الحكومة الإسرائيلية" الاتفاق بشكل علني واعتبرته تهديدًا لأمنها القومي.

2018 - 2022.. محاولة عرقلة استئناف المفاوضات

مع انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018، وبدء محاولات العودة إليه، شهدت الأعوام 2020 و2021 تصعيدًا جديدًا تمثل في استهداف منشأة نطنز النووية أكثر من مرة، واغتيال العالم النووي الإيراني محسن فخري زاده، إلى جانب هجمات بطائرات مسيرة استهدفت مواقع عسكرية داخل إيران، في وقت كانت فيه واشنطن وطهران تحاولان استئناف المفاوضات بصورة غير مباشرة.

2023.. تصعيد متزامن مع الاتصالات السياسية

خلال عام 2023، استمرت الاتصالات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، بالتوازي مع استمرار العمليات العسكرية "الإسرائيلية" ضد أهداف إيرانية وحلفاء طهران في المنطقة.

ورغم أن هذه العمليات لم تؤدِ إلى انهيار المسار الدبلوماسي، فإنها أسهمت في رفع مستوى التوتر بين الطرفين، وأصبحت المفاوضات تجري في ظل بيئة أمنية أكثر تعقيدًا.

2024.. أعلى مستوى من التصعيد

في عام 2024، شهدت المواجهة بين "إسرائيل" وإيران تطورًا غير مسبوق، بدأ باستهداف القنصلية الإيرانية في دمشق، ثم الرد الإيراني المباشر على "إسرائيل"، أعقبه تنفيذ "إسرائيل" ضربات داخل الأراضي الإيرانية، إلى جانب استمرار عملياتها في سوريا ولبنان واليمن.

ورغم هذا التصعيد، استمرت قنوات الاتصال غير المباشرة بين واشنطن وطهران، إلا أن الملف النووي تراجع تدريجيًا أمام أولوية احتواء المواجهة العسكرية ومنع توسعها إلى حرب إقليمية شاملة.

2025.. توقف المفاوضات بعد اندلاع الحرب

في 12 أبريل/نيسان 2025، انطلقت في عُمان جولة جديدة من المفاوضات الأمريكية الإيرانية، وعقد الطرفان 5 جولات تفاوض، بينما كانت الجولة السادسة مقررة في 15 يونيو/حزيران.

إلا أن "إسرائيل" شنت، في 13 يونيو/حزيران، عملية عسكرية واسعة استهدفت منشآت نووية وقواعد صاروخية ومقار عسكرية، إضافة إلى اغتيال عدد من القادة العسكريين والعلماء النوويين الإيرانيين.

وأدى هذا التصعيد إلى إلغاء الجولة السادسة من المفاوضات، قبل أن تتطور الأحداث إلى مواجهة عسكرية استمرت 12 يومًا، تبادل خلالها الطرفان الضربات الجوية والصاروخية، لتتوقف المفاوضات بصورة مباشرة نتيجة اندلاع الحرب.

2026.. من التفاوض النووي إلى إدارة الحرب

في 28 من فبراير/شباط 2026، تصاعدت المواجهة إلى مرحلة جديدة مع بدء حملة عسكرية واسعة استهدفت منشآت نووية وقواعد عسكرية داخل إيران، بمشاركة الولايات المتحدة إلى جانب الاحتلال الإسرائيلي.

وأدى اندلاع الحرب إلى انهيار مسار التفاوض غير المباشر الذي كان يُجرى بوساطة إقليمية، وانتقلت الأولوية لدى جميع الأطراف من مناقشة الملف النووي إلى احتواء الحرب، وتأمين الملاحة في الخليج ومضيق هرمز، والتوصل إلى ترتيبات لوقف إطلاق النار.

كما انعكس التصعيد على طبيعة المطالب الأمريكية، إذ توسعت أجندة واشنطن لتشمل، إلى جانب البرنامج النووي، البرنامج الصاروخي الإيراني، ونفوذ طهران الإقليمي، والعلاقة مع الفصائل المسلحة الحليفة لها في المنطقة.

خلاصة

احتلال العراق عام 2003 لم يكن حدثًا منفصلًا عن التحولات اللاحقة في الشرق الأوسط، بل مثّل نقطة مفصلية أعادت رسم موازين القوى في المنطقة؛ إذ أدى إسقاط الدولة العراقية إلى إضعاف أحد أبرز مراكز القوة العربية، وأسهم في تغيير البيئة السياسية التي حكمت الموقف العربي من القضية الفلسطينية، بالتزامن مع انتقال عدد من الدول العربية نحو مسارات التطبيع مع "إسرائيل".

ترتبط الحرب على العراق بالاستراتيجية "الإسرائيلية" تجاه إيران؛ إذ أن إزالة النظام العراقي فتحت الطريق أمام مرحلة جديدة تركزت فيها الضغوط السياسية والعسكرية على طهران، بشكل تدريجي بعد أنتهاء مرحلة تكامل المصالح، بالتوازي مع محاولات متكررة للتأثير في مسار المفاوضات الأمريكية الإيرانية عبر التصعيد العسكري والعمليات الأمنية.

وبذلك، فإن مسار الأحداث منذ عام 2003 يكشف ترابطًا بين التحولات الجيوسياسية في العراق، والتغيرات التي شهدها الموقف العربي من القضية الفلسطينية، والتطورات اللاحقة في الملف الإيراني، بوصفها حلقات متصلة ضمن مشهد إقليمي واحد أعاد تشكيل توازنات الشرق الأوسط خلال العقدين الماضيين.

 

 

أنظر أيضا

  1. القضية الفلسطينية.. تفاعل صفقة القرن مع طوفان الأقصى

  2. القضية الفلسطينية..حقيقة السردية الدينية للحركة الصهيونية 

        4. القضية الفلسطينية.. ما مصير الأردن في سيناريو صفقة القرن؟