في الثالث عشر من شهر تموز/يوليو عام 2003 تأسس في العراق مجلس الحكم الانتقالي، الذي مثل واجهة الحكم العراقية الشكلية في ظل الاحتلال الأمريكي، الذي فرض سيطرته على البلاد في التاسع من نيسان/أبريل 2003.

تشكل مجلس الحكم بأمر من سلطة الاحتلال الأمريكي (سلطة الائتلاف المؤقتة برئاسة بول بريمر)، ومنح بريمر لهذا المجلس صلاحيات شكلية وجزئية في إدارة البلاد، حيث كانت الصلاحيات متركزة بيد الجانب الأمريكي، وامتدت فترة الصلاحيات المحدودة لمجلس الحكم الانتقالي من تاريخ تشكيله في 13 تموز 2003، ولغاية 1 حزيران/يونيو 2004، حيث تم حل المجلس ليحل بدلا منه الحكومة العراقية المؤقتة، التي رأسها إياد علاوي واستمرت صلاحيتها الشكلية أيضا لغاية الأول من كانون الثاني عام 2005.

نظام المجلس وأعضائه

ضم مجلس الحكم الانتقالي خلال تشكيله الأحزاب العراقية المعارضة للنظام العراقي قبل الغزو الأمريكي، وضم المجلس 25 شخصية سياسية مثلوا معظم الطوائف والاتجاهات السياسية والدينية والعرقية الموجودة في العراق.

في 30 يوليو/ تموز 2003 قرر مجلس الحكم التزام نظام دورية رئاسة مجلس الحكم، وتم حصر الرئاسة في تسع شخصيات فقط من بين الأعضاء، على أن تكون مدة الرئاسة شهرا واحدا لكل منهم، وتولى رئاسة المجلس كل من إبراهيم الجعفري عن حزب الدعوة (شيعي)، وأحمد الجلبي عن حزب المؤتمر الوطني (شيعي)، ومحمد بحر العلوم عن جماعة أهل البيت (شيعي)، وعبدالعزيز الحكيم عن المجلس الأعلى للثورة الإسلامية (شيعي)، وجلال طالباني عن حزب الاتحاد الوطني الكردستاني (كردي)، ومسعود بارزاني عن الحزب الديمقراطي الكردستاني (كردي)، وإياد العلوي عن حركة الوفاق الوطنية (شيعي)، وعدنان الباجه جي عن تجمع الديمقراطيين (سني)، ومحسن عبدالحميد عن الحزب الإسلامي (سني).

أما باقي أعضاء المجلس الـ 25 فهم عقيلة الهاشمي ورجاء الخزاعي وأحمد ألبو سلطان (شيعة)، وحميد مجيد عن الحزب الشيوعي العراقي (شيعي)، وغازي عجيل الياور ونصير الجادرجي وسمير شاكر (سنة) ومحمود عثمان وصلاح الدين بهاء الدين ودارا نور الدين (كرد) ويونادم كنا (مسيحي) وصون جول جابوك (تركمانية) وموفق الربيعي عن حزب الدعوة (شيعي) وعزالدين سليم عن حزب الدعوة (شيعي) ووائل عبد اللطيف وكريم المحمداوي (شيعة).

ويلاحظ من أسماء أعضاء مجلس الحكم الـ 25 أن عدد المنتمين للمذهب الشيعي في المجلس 13 عضوا، و عدد المنتمين للمذهب السني من العرب 5 أعضاء، وعدد المنتمين للقومية الكردية 5 أعضاء، وعضو مسيحي وآخر تركماني.

المجلس نواة الطائفية السياسية

يعتبر مجلس الحكم في العراق النواة الأولى للعملية السياسية الحالية في العراق، وبحسب شهادات سياسيين عراقيين خاضوا تجربة الحكم بعد العام 2003، فإن فترة حكم المجلس الانتقالي اتسمت بوضع بذرة المحاصصة السياسية وتقاسم المناصب على أسس طائفية وعرقية وقومية بعيدا عن الكفاءة والاستحقاق الوظيفي، على الرغم من أن عمل المجلس لم يستمر سوى عام واحد.

وتؤكد تلك الشهادات أن فترة مجلس الحكم الانتقالي تمثل خط الشروع في تمزيق النسيج العراقي طائفيا وعرقيا، من منطلق خدعة حقوق الأقليات، ومظلومية الأكراد والشيعة.

أرسى المجلس مبدأ "المحاصصة الطائفية" من خلال تشكيلة اعتمدت التمثيل العرقي والمذهبي، إذ جعل هذا التقسيم الهوية المذهبية والعرقية معياراً أساسياً للتمثيل السياسي وتوزيع المناصب، بدلاً من الكفاءة والمواطنة.

الأغلبية الطائفية والتهميش

كانت الأغلبية في مجلس الحكم للأحزاب والقوى الشيعية، حيث رسخ المجلس بقرار أمريكي فكرة الأغلبية السياسية الشيعية في الحكم.

كما كان المجلس يمثل فكرة التحالف الشيعي الكردي القائمة على أساس تهميش السنة العرب باعتبارهم أقلية في البلاد لا يزيد تمثيلهم عن 17% ، وهي فكرة زائفة ابتدعها وروج لها بول بريمر وتناغمت معها القوى السياسية الشيعية والكردية.

وعلى عكس ما موجود في باقي بلدان العالم، فإن سلطة الاحتلال الأمريكية مع مجلس الحكم الانتقالي والشخصيات التي مثلت المجلس روجت لفكرة الأغلبية والأقلية الطائفية، التي رسخت فيما بعد فكرة حكم الطائفة الأكبر وتهميش باقي الطوائف والمكونات، رغم افتقار هذه الفكرة على أسس علمية أو إحصائية دقيقة.

قرارات مجلس الحكم

لم يكن لمجلس الحكم الانتقالي في العراق دورا فاعلا في قيادة الدولة، لكنه كان يبارك الخطوات الأمريكية التي رسمها بول بريمر والتي أسس من خلال للطائفية السياسية.

ورغم ذلك أتخذ مجلس الحكم بعض القرارات والقوانين الشكلية ومنها:

-           إصدار قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية والذي كان كدستور مؤقت للبلاد حتى إقرار الدستور الدائم.

-           إقرار علم عراقي جديد (لم يستمر استخدامه طويلاً) ونشيد وطني، إلى جانب اتخاذ قرار باعتماد التاسع من نيسان/أبريل عطلة وطنية.

-           مباركة خطوات اجتثاث البعث وحل الجيش العراقي وباقي الأجهزة الأمنية وحظر حزب البعث والبدء بملاحقة المنتمين له تحت مسمى المساءلة والعدالة.

-           وضع جدول زمني لنقل السلطة إلى العراقيين، وتأسيس المحكمة الجنائية العراقية العليا لمحاكمة رموز النظام السابق.

-           حجز ومصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة العائدة لأركان النظام السابق وكبار مسؤولي حزب البعث.

-           إلغاء قانون الأحوال المدنية الذي كان يطبق إبان حكم الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين واستبداله بقانون آخر يتوافق مع قوانين الشريعة الإسلامية، كان النواة الأولى لقانون الأحوال الشخصية الحالي المعروف باسم القانون الجعفري.

-           السماح بالتحرك لشراء الطاقة الكهربائية من الدول المجاورة، والتي الخطوة التي مهدت لاحقا لشراء الكهرباء من إيران.

-           حل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية وإنشاء دواوين للأوقاف لكافة المذاهب والطوائف.

-           تخصيص مبالغ من حسابات النظام السابق تزيد عن مئتي ألف دولار لجهود اجتثاث البعث، وغالبا ما كانت تنتهي تلك الأموال وغيرها بقضايا اختلاس وسرقة وفساد.

-           بارك مجلس الحكم خطوات الجانب الأمريكي التي اعتبرت المعارضين لوجودها في العراق بأنهم إرهابيين، إذ كان المجلس يستنكر عمليات استهداف القوات الأمريكية ويعتبرها إرهابية، وهي ما مهدت فيما بعد إلى تشريع قانون مكافحة الإرهاب وملاحقة فئة معينة من العراقيين بموجب هذا القانون.

ولاقت العديد من قرارات مجلس الحكم الانتقالي رفض وغضب الشارع العراقي، ولا سيما تلك التي احتفلت بذكرى التاسع من نيسان وعدتها عطلة رسمية.

الاعتراف بمجلس الحكم دوليا

على الرغم من أن أغلب بلدان العالم كانت رافضة للاحتلال الأمريكي للعراق وفرض القوة العسكرية في دخول العراق وإسقاط نظام صدام حسين، إلا أن أغلب تلك البلدان وجدت نفسها مضطرة لمباركة الوجود الأمريكي، ووجدت من إنشاء مجلس الحكم الانتقالي مدخلا لإقرار ما جرى من تغييرات أمريكية، حيث بارك مجلس الأمن والأمم المتحدة ثم جامعة الدول العربية، ودول جوار العراق ثم بلدان العالم تشكيل مجلس الحكم، في خطوة وصفت بأنها جاءت استجابة للضغوط الأمريكية للاعتراف بنظام الحكم الجديد الذي فرضته واشنطن في العراق.

ما يؤخذ على مجلس الحكم؟

توجه لمجلس الحكم الانتقالي في العراق العديد من التهم، والتي ما يزال العراق يواجه تباعتها رغم مرور أكثر من عقدين على حل المجلس، ومن أبرز المؤاخذات على عمل المجلس:

تشريع نظام المحاصصة، وذلك من خلال التأسيس لتقسيم إداري وسياسي يوزع الوزارات والمناصب العليا وفقاً للانتماء المذهبي والقومي، مما حول الدولة إلى مغانم مقسمة بين القوى السياسية المتنفذة.

طرح نظام المكونات، وذلك من خلال التعامل مع المجتمع العراقي كمجموعة طوائف وأعراق منفصلة بدلاً من كونه مجموعة أفراد متساوين في الحقوق والواجبات الدستورية، مما رسخ الاصطفاف الطائفي على حساب الهوية الوطنية.

شرعنة النفوذ الحزبي والديني، حيث أُسندت عضوية المجلس إلى قادة الأحزاب الدينية والسياسية بناءً على خلفياتهم المذهبية، مما أعطى هذه القوى غطاءً رسمياً لإدارة مؤسسات الدولة وفقاً لأجنداتها الخاصة.

تغييب الإحصاء الدقيق، إذ بنيت التقديرات والنسب التمثيلية داخل المجلس على تقديرات غير رسمية لسلطة الاحتلال، مما أدى لاحقاً إلى نزاعات سياسية مستمرة حول النسب السكانية الفعلية للطوائف.