يشهد العراق حراكا جديدا للتعامل مع سلاح الفصائل المسلحة والذي يعد الملف الأكثر وعورة في ظل نفوذ شبه كامل لتلك الفصائل على مؤسسات الدولة العراقية، كما يأتي بالتزامن مع ضغوط أمريكية متصاعدة لنزع السلاح خارج إطار الدولة، وهو ذات الشعار الذي تتحدث به الجهات الرسمية منذ سنوات لكن دون تنفيذ.
وشددت واشنطن في أكثر من مناسبة على منع إشراك الفصائل العراقية الحليفة لطهران في التشكيلة الحكومية المقبلة، محذرة من تداعيات ذلك على مستوى العلاقات الثنائية، وما قد يترتب عليه من إجراءات سياسية واقتصادية وربما أمنية.
ويصف مراقبون للشأن العراقي الحديث الحالي والحراك الجاري مؤخرا لنزع سلاح الفصائل بأنه مناورة سياسية القصد منها الالتفاف على الضغوط الأمريكية بهذا الخصوص، وربما يأتي بمشورة إيرانية لتفادي استهداف أذرعها المسلحة في العراق وسط الصراع والتصعيد الدائر في المنطقة.
وخلال الأيام القليلة الماضية، كشف في العراق عن تحركات داخل الإطار التنسيقي الحاكم لتشكيل لجنة عليا مهمتها نزع سلاح الفصائل وإعادة هيكلية الحشد الشعبي لتفادي أي موقف أمريكي سلبي تجاه العراق، كما أشارت المعلومات إلى استحداث وزارة جديدة تحت مسمى وزارة الأمن للشؤون الاتحادية تضم الفصائل المسلحة والحشد الشعبي في وزارة واحدة تحت إشراف القائد العام للقوات المسلحة وتعمل بأمرة الدولة، الأمر الذي بقي محل تشكيك للكثير من المراقبين للشأن العراقي، على اعتبار أنها شعارات بعيدة عن الواقع، ودليلهم في ذلك أن الفصائل العراقية كانت تتحدث عن كونها تعمل تحت مظلة الدولة وبأمر القائد العام للقوات المسلحة لكنها في الحقيقة تعمل بأوامر مباشرة من إيران وحرسها الثوري.
لجنة لنزع السلاح
وكشفت مصادر داخل الإطار التنسيقي عن اتفاق داخل الإطار مع رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي لتشكيل لجنة موسعة مهمتها إدارة خطة لحل ونزع سلاح الفصائل المسلحة، وأوضحت أن اللجنة ستكون مكونة من مستشارية الأمن القومي والمخابرات ووزارتي الداخلية والدفاع وهيئة الحشد الشعبي.
وبحسب المصادر فإن خطة حل ونزع سلاح الفصائل العراقية ستشمل في بادئ الأمر 3 فصائل مسلحة وهي حركة العصائب وكتائب الإمام علي وحركة أولياء الله الأوفياء، وتضاربت المعلومات بشأن شمول سلاح الحشد الشعبي في الخطة من عدمه، لكن المصادر رجحت عدم شمول الحشد فيها كونها جزءا من منظومة الدفاع الرسمية العراقية، وتستند إلى قانون مشرع من البرلمان.
وتشمل الخطة نزع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة وإعادة هيكلة الحشد الشعبي بالتزامن مع تغييرات مرتقبة في أجهزة أمنية حساسة، لكن مصادر سياسية شككت في قدرة الحكومة على تنفيذ المشروع، معتبرة أنه قد يهدف إلى شراء الوقت، لا سيما وأن فصائل بارزة بينها كتائب حزب الله والنجباء أعلنت مرارا رفضها تسليم السلاح مهما كان الثمن.
وزارة الأمن للشؤون الاتحادية
وتزامن الحديث عن تشكيل اللجنة، الحديث عن مشروع موازٍ وهو إنشاء وزارة الأمن للشؤون الاتحادية، والتي من المفترض أن تنخرط فيها بحسب التسريبات العديد من الفصائل المسلحة والحشد الشعبي إلى جانب قوات رسمية مثل الشرطة الاتحادية وحرس الحدود وقوات الرد السريع وهي جميعا قوات تابعة لوزارة الداخلية، فيما أفادت التسريبات أن الوزارة يمكن أن يقودها ليث الخزعلي شقيق زعيم حركة العصائب قيس الخزعلي.
وفي تصريح سابق، كشف النائب عامر عبد الجبار عن وجود خطة قيد الدراسة لتحويل هيئة الحشد الشعبي إلى وزارة مستقلة، وذلك نتيجة الضغوط الأمريكية الرامية لحل الفصائل وكذلك الحشد الشعبي، حسب تعبيره.
محاولة لشراء الوقت
ورجح الباحث في الشأن العراقي غانم العابد أن يكون الحراك بشأن اللجان الخاصة بنزع السلاح واستحداث وزارة الأمن للشؤون الاتحادية مجرد محاولة لكسب الوقت من القوى المسلحة والسياسية القريبة من إيران من جهة، ومحاولة للالتفاف على الضغوط الأمريكية على العراق.
وقال العابد في حديث لشبكة "الساعة": إن "المعلومات المسربة بشأن اللجان الخاصة بنزع السلاح واستحداث وزارة الأمن الجديدة إن صحت وتأكدت فإن الغرض منها لن يكون إلا كسب الوقت ومحاولة الالتفاف على العقوبات والشروط الأمريكية التي ركزت على نزع سلاح الفصائل وتفكيكها".
وأوضح أن "التعامل العراقي مع ملف السلاح بهذه الصيغة وعدم الجدية من شأنه أن يقود إلى المغامرة والمقامرة بمصير العراق، إذ سيتعرض العراق إلى الحرمان من الدولار وربما فرض عقوبات أمريكية اقتصادية عليه، إلى جانب احتمالية تعرضه لضربات عسكرية، فضلا عن احتمالية تطويق العراق سياسيا واعتباره دولة راعية للإرهاب".
ونوه إلى أن "ما يجري حاليا لا يعالج مشكلة حصر السلاح وتفكيك الفصائل، بل يفاقم من مشكلة عسكرة المجتمع، في حين أن العراق قد عانى طيلة العقود الخمسة الماضية من الحروب، بينما يمتلك اليوم نحو مليون ونصف المليون عسكري في قواته وأجهزته الأمنية المختلفة من الجيش والشرطة والحشد وغيرها وهو عدد عدة أضعاف عن جيوش عالمية متقدمة كالجيش البريطاني والجيش الفرنسي".
وشدد العابد على أن "الحلول الواقعية والجدية لمعالجة مشكلة الفصائل والسلاح في العراق تتمثل في 3 حلول، الأول عبر إحالة المقاتلين في الحشد الشعبي كبار السن على التقاعد، والثاني عبر إحالة المقاتلين متوسطي الأعمار إلى الوظائف المدنية، والثالث، عبر إحالة مقاتلي الحشد صغار السن إلى وزارتي الدفاع والداخلية"، مبينا أن "هذه المحاور من شأنها أن تجنب العراق العقوبات الاقتصادية أو الضربات العسكرية المقبلة، وبالتالي حماية أرواح مقاتلي الحشد وتجنيب العراق الضغوط والعقوبات الأمريكية المتصاعدة لا سيما وأن واشنطن مهتمة جدا بالملف العراقي ودليل ذلك تدخلها المباشر في تسمية رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي رغم أنه لم يك من الشخصيات المعروفة على الصعيد السياسي".
نسخة من الباسيج!
وبهذا الصدد أيضا، كتب الصحفي العراقي عمر الجنابي في منصة "إكس" أن "الترويج لإنشاء وزارة الأمن للشؤون الاتحادية، أخطر بكثير من مشروع الحشد الشعبي بوصفه قوة عسكرية عقائدية"، مبيناً أن "المشروع الذي يروج له في الرأي العام، يضم مجموعة قوات ترتبط بفصائل مسلحة، مثل منظمة بدر والجناح العسكري لحزب الدعوة وغيرها"، ولفت إلى أنه "في حال المضي بهذا المشروع، سنكون أمام نسخة متطورة جداً من قوات الباسيج الإيرانية".
الصدر يدعو لحل الفصائل
في الأثناء، دعا زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر الحكومة الجديدة إلى تحويل الفصائل المسلحة إلى تشكيل إنساني باسم "جند الشعائر الدينية" مرتبط بهيئة الحج والعمرة، يمارس نشاطه للإغاثة والمعونات الإنسانية.
وقال الصدر في تدوينة على منصة "إكس": إن "من يرفض منهم هذا التشكيل فيعتبر خارجا عن القانون، وإن فعلوا فأنا على استعداد لحل لواء اليوم الموعود وتسليم سرايا السلام إلى القائد العام للقوات المسلحة، وعلى الجميع فعل ذلك بأسرع وقت ممكن".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام