يُعد مضيق هرمز أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، لأنه يشكّل المنفذ البحري الوحيد الذي يربط الخليج العربي بخليج عُمان ثم بحر العرب والمحيط الهندي، ولهذا لم يكن المضيق مجرد معبر جغرافي، بل تحول عبر الزمن إلى نقطة ارتكاز للتجارة والطاقة والردع العسكري.
ومع حرب 2026 لم تعد أهميته مسألة نظرية؛ إذ أظهرت الأحداث أن مجرد تعرّضه للتهديد يكفي لإرباك أسواق الطاقة العالمية وتعطيل حركة الشحن ورفع كلفة التأمين والنقل.
الأهمية التاريخية والجغرافية
يقع المضيق بين الساحل الإيراني شمالًا وشبه جزيرة مسندم العُمانية جنوبًا، ويتراوح عرضه بين نحو 55 و95 كيلومترًا، بينما تمر السفن في مسارين ملاحيين بعرض ميلين بحريين لكل منهما يفصل بينهما نطاق عازل مماثل، وقد استُخدم هذا الممر منذ العصور القديمة في التجارة بين الشرق والغرب ثم اكتسب أهمية أكبر في العصور الإسلامية مع ازدهار الملاحة بين الهند وشبه الجزيرة العربية وشرق إفريقيا.
وفي القرن السادس عشر سعت البرتغال إلى السيطرة عليه للهيمنة على طرق التجارة البحرية، ثم عاد المضيق في العصر الحديث إلى واجهة الصراع خلال حرب الناقلات في الثمانينيات، حين تعرضت أكثر من مئة ناقلة لهجمات في سياق الحرب العراقية الإيرانية، ما استدعى تدخلًا دوليًا لحماية الملاحة.
كما أن المرور فيه يخضع في الأصل لقواعد القانون البحري الدولي، وهو ما يفسر الحساسية الكبيرة لأي محاولات لفرض قيود أحادية على العبور.
الأهمية الاقتصادية
اقتصاديًا، يبقى مضيق هرمز شريانًا لا غنى عنه للطاقة العالمية، فبحسب إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، شكّلت التدفقات المارة عبره في عام 2024 والربع الأول من 2025 أكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا في العالم، ونحو خُمس استهلاك العالم من النفط والمنتجات النفطية، كما مر عبره نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال، ولا سيما من قطر.
وتشير التقديرات نفسها إلى أن 84% من النفط الخام والمكثفات، و83% من الغاز المسال الذي عبر هرمز في 2024، اتجه إلى الأسواق الآسيوية، خاصة الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية.
ورغم امتلاك السعودية والإمارات بعض البنية التحتية التي تسمح بتجاوز المضيق، فإن الطاقة الفائضة المتاحة للالتفاف عليه قُدرت بنحو 2.6 مليون برميل يوميًا فقط، وهي أقل بكثير من حجم التدفقات المعتادة، ما يعني أن أي اضطراب واسع فيه يبقى كفيلًا بإرباك السوق العالمية.
وقد أكدت تطورات 2026 هذه الحقيقة بوضوح فمع اندلاع الحرب في 28 شباط/فبراير 2026، ثم تعثر المفاوضات وفرض الولايات المتحدة حصارًا بحريًا على السفن الداخلة إلى الموانئ الإيرانية والخارجة منها اعتبارًا من 13 نيسان/أبريل 2026، تعرضت حركة الطاقة عبر المنطقة لهزة عنيفة.
وفي 16 نيسان/أبريل 2026 أشارت رويترز إلى أن الاضطراب المستمر في هرمز ما زال يؤثر في نحو 13 مليون برميل يوميًا من الإمدادات، بينما ارتفع خام برنت إلى 96.61 دولارًا للبرميل وسط شكوك في قرب عودة الملاحة إلى طبيعتها.
وهذا يوضح أن قيمة المضيق لا تُقاس فقط بحجم النفط الذي يمر فيه، بل أيضًا بقدرته على نقل أثر أي أزمة محلية إلى الاقتصاد العالمي كله خلال أيام قليلة.
الأبعاد السياسية والمخاطر
سياسيًا، ظل المضيق أداة ضغط حاضرة في التوتر بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وحلفائها الخليجيين والغربيين من جهة أخرى فموقع إيران على الضفة الشمالية، وقرب موانئها وجزرها الرئيسية من خط الملاحة يمنحها قدرة كبيرة على التهديد أو التعطيل حتى من دون إغلاق كامل وطويل الأمد.
وهذا ما ظهر بوضوح خلال حرب 2026، حين أدى التهديد والهجمات إلى هبوط حركة المرور بأكثر من 95% وفق "بريتانيكا"، كما طُرحت أفكار إيرانية تتعلق بفرض رسوم عبور أو تنظيم المرور من منظور سيادي، وهو ما أثار جدلًا قانونيًا واسعًا لأن مضيق هرمز يُعامل في القانون البحري بوصفه مضيقًا دوليًا يتمتع فيه العابرون بحق المرور العابر.
وفي المقابل، جاء الرد الأمريكي في صورة حصار بحري يستهدف الموانئ الإيرانية تحديدًا، مع الإبقاء نظريًا على عبور السفن غير المتجهة إلى إيران، الأمر الذي كرّس المضيق بوصفه ساحة اشتباك قانوني وعسكري واقتصادي في آن واحد.
العراق وعلاقته بمضيق هرمز
أما العراق، فرغم أنه لا يطل مباشرة على المضيق، فإن اعتماده عليه كبير جدًا من الناحية الاقتصادية، فإدارة معلومات الطاقة الأمريكية تؤكد أن جميع صادرات العراق البحرية في عام 2024 خرجت من محطاته الجنوبية في الخليج العربي، وهو ما يجعل أي اضطراب في هرمز تهديدًا مباشرًا لإيرادات الدولة.
وقد ظهر ذلك بصورة حادة في نيسان/أبريل 2026، حين قالت شركة نفط البصرة، بحسب رويترز، إن إغلاق المضيق دفع العراق إلى خفض إنتاجه النفطي بنحو 80% بعد امتلاء الخزانات، وإنه لن يستطيع استعادة صادراته إلى مستوى يقارب 3.4 مليون برميل يوميًا إلا إذا أُعيد فتح هرمز.
صحيح أن بغداد تحدثت خلال السنوات الماضية عن تنويع منافذ تصدير النفط، إلا أن هذه المساعي بقيت محدودة ومتعثرة عمليًا بفعل التعقيدات السياسية والأمنية، إذ لم يتحول أي مسار بديل إلى منفذ استراتيجي فعّال قادر على تقليل الاعتماد على الخليج ومضيق هرمز.
فعلى سبيل المثال، واجه مشروع أنبوب البصرة–العقبة اعتراضات حادة من قوى سياسية وفصائل مسلحة مقربة من إيران، وصلت إلى حد التهديد العلني باستهداف الخط، كما حدث مع تهديدات أطلقها النائب مصطفى سند بشأن مشروع الأنبوب مع الأردن.
كذلك، لم يتحرك الانفتاح على المسار السوري بصورة جدية إلا بعد إغلاق مضيق هرمز، فيما بقي خط كركوك–جيهان التركي معطلًا فعليًا لفترات طويلة ولم يعد إلى واجهة التفعيل إلا تحت ضغط أزمة الملاحة الأخيرة.
لذلك، ما يزال العراق يعتمد بصورة شبه كاملة على المنفذ الجنوبي عبر الخليج، وهو ما يجعل أي اضطراب طويل في مضيق هرمز تهديدًا مباشرًا للإيرادات النفطية وبالتالي للموازنة العامة وسعر الصرف والإنفاق الحكومي والاستقرار الاقتصادي الداخلي.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام