منذ اندلاع الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، أصبح تطوير القدرات العسكرية، ولا سيما الصاروخية منها، أحد الأعمدة الثابتة في الاستراتيجية الإيرانية، وقد تعزز هذا التوجه خلال الحرب العراقية الإيرانية بين عامي 1980 و1988، حين كشفت الحرب محدودية القدرات الجوية الإيرانية التقليدية، ودَفعت طهران إلى البحث عن أدوات ردع أقل كلفة وأكثر قدرة على تجاوز التفوق الجوي لدى الخصوم.
ومع مرور الوقت، لم يعد البرنامج الصاروخي مجرد مشروع دفاعي، بل صار جزءًا من تصور أوسع لدور إيران الإقليمي وأداة مركزية في بناء الردع وفرض الحضور السياسي والعسكري.
وتشير قاعدة "Missile Threat" التابعة لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن إيران تمتلك اليوم واحدة من أكبر وأكثر الترسانات الصاروخية تنوعًا في الشرق الأوسط.
قاد الحرس الثوري الإيراني هذا المسار في مراحله الأولى، مستفيدًا من الخبرات والتقنيات المستوردة، ثم انتقل البرنامج تدريجيًا إلى التصنيع المحلي والتطوير الداخلي، ومع الزمن توسع من صواريخ قصيرة المدى إلى منظومات متوسطة وأبعد مدى، بما جعل الصواريخ الإيرانية جزءًا رئيسيًا من معادلة الردع في الخليج وشرق المتوسط، ووسيلة لإيصال الرسائل العسكرية والسياسية إلى الخصوم الإقليميين والدوليين.
لهذا لم تعد الصواريخ في الحالة الإيرانية مجرد سلاح، بل أصبحت أداة استراتيجية لتعويض أوجه القصور في القوة الجوية التقليدية، ولرفع كلفة أي مواجهة محتملة مع الولايات المتحدة أو الاحتلال الإسرائيلي أو بعض القوى الإقليمية.
أنواع الصواريخ ومدى تأثيرها
يتسم البرنامج الصاروخي الإيراني بتنوع واضح من حيث المدى ونوع الوقود وطبيعة الاستخدام، ففي فئة الصواريخ القصيرة المدى تبرز عائلة فاتح-110، التي يقدَّر مداها بين 200 و300 كيلومتر، وتندرج ضمنها نسخ مطوّرة مثل فاتح-313 بمدى يصل إلى 500 كيلومتر، إضافة إلى ذو الفقار الذي يبلغ مداه نحو 700 كيلومتر.
وهذه الفئة تمنح إيران قدرة على ضرب أهداف قريبة ومتوسطة في الإقليم بسرعة أعلى ومرونة تشغيلية أكبر، خاصة مع اعتماد عدد من هذه الصواريخ على الوقود الصلب.
أما في فئة الصواريخ المتوسطة المدى، فيبرز شهاب-3 بوصفه من أهم محطات البرنامج الإيراني، إذ يبلغ مداه نحو 1300 كيلومتر، بينما تصل إلى 2000 كيلومتر بالنسخ المطورة من هذه العائلة مثل قدر-1، وبالصاروخ سجيل العامل بالوقود الصلب، والذي يصل مداه إلى نحو 2000 كيلومتر.
وفي مجال صواريخ الكروز، تبرز عائلة سومار وهويزة، وقد أشارت تقديرات منشورة لدى CSIS إلى أن مدى هويزة المعلن يتجاوز 1350 كيلومترًا، ويعني هذا التنوع أن إيران لا تعتمد على نوع واحد من التهديد، بل على مزيج من الصواريخ الباليستية والكروز بما يعقّد مهمة الرصد والاعتراض ويرفع مستوى الضغط على منظومات الدفاع المعادية.
إلى جانب ذلك، لا تكمن خطورة البرنامج في عدد الصواريخ أو مدياتها فحسب، بل أيضًا في قدرته على البقاء والتكيف، فخلال الأشهر الأخيرة من حرب 2026، أظهرت تقديرات استخبارية وإعلامية غربية أن إيران ما تزال تحتفظ بآلاف الصواريخ، وأن بعض القواذف المدفونة أو المعطلة يمكن استعادتها أو إصلاحها رغم الضربات الواسعة.
وهذا يعني أن بنية البرنامج الصاروخي لا تقوم فقط على الإطلاق المباشر، بل على التحصين، والتوزيع، والقدرة على إعادة التكوين بعد الاستهداف.
ردود الأفعال الإقليمية والدولية: سياسية واقتصادية
أثارت تطورات البرنامج الصاروخي الإيراني قلقًا واسعًا في الخليج العربي، إذ تنظر دول الخليج إلى هذه الترسانة بوصفها تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي ولمنشآت الطاقة والموانئ والقواعد العسكرية.
لذلك اتجهت هذه الدول خلال السنوات الماضية إلى تعزيز قدراتها الدفاعية عبر أنظمة مثل "باتريوت" و"ثاد"، مع بقاء الحاجة قائمة إلى مزيد من التكامل الإقليمي في الإنذار المبكر والاعتراض، خصوصًا مع تنامي دقة الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية.
أما الاحتلال الإسرائيلي فيعامل البرنامج الصاروخي الإيراني باعتباره تهديدًا استراتيجيًا مباشرًا، وهو ما يفسر تطويرها المستمر لمنظومات دفاعية متعددة الطبقات، إلى جانب استمرارها في تبني خيار الضربات الاستباقية.
وقد عكست العمليات الإسرائيلية خلال عام 2026 هذا التوجه، إذ لم تعد تستهدف منصات الإطلاق فحسب، بل توسعت لضرب مواقع التخزين والتحصين والإنتاج، في محاولة لمنع إيران من الحفاظ على قدرتها الصاروخية أو إعادة بنائها لاحقًا.
من جهتها، واصلت الولايات المتحدة ربط البرنامج الصاروخي الإيراني بالملف النووي وبالسلوك الإقليمي لطهران، وجعلته جزءًا من سياسة الضغط السياسي والاقتصادي والعسكري، عبر عقوبات تستهدف شبكات التمويل والتوريد والإنتاج.
في المقابل، تؤكد إيران باستمرار أن برنامجها الصاروخي دفاعي الطابع، وأنه يمثل جزءًا من سيادتها الوطنية ومن حقها في الردع لكن هذا التبرير لا يخفف من حجم التوتر المحيط بالبرنامج، لأن خصومها لا ينظرون إليه بوصفه أداة دفاع فحسب، بل كوسيلة ضغط إقليمي ورافعة عسكرية يمكن توظيفها في ساحات متعددة بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ولذلك بقي البرنامج الصاروخي الإيراني أحد أكثر الملفات اشتعالًا في علاقة طهران بجوارها العربي وبالولايات المتحدة وإسرائيل.
التداعيات المستقبلية
لم يعد أثر البرنامج الصاروخي الإيراني محصورًا في إطار الردع العسكري أو التوازنات الإقليمية، بل تحوّل خلال الأسابيع الماضية إلى عامل مباشر في اضطراب الأمن البحري والطاقة والتجارة الدولية.
فالحرب التي اندلعت في 28 شباط/فبراير 2026، وما رافقها من إغلاق فعلي أو تعطيل واسع لحركة الملاحة في مضيق هرمز، أظهرت أن تهديد الصواريخ والطائرات المسيّرة لم يعد احتمالًا نظريًا، بل بات كلفة يومية محسوسة على أسواق النفط، وأسعار الشحن، والتأمين البحري، وسلاسل الإمداد العالمية.
كما أن استمرار انخفاض المرور البحري وظهور مقترحات إيرانية تتعلق بتنظيم العبور أو فرض رسوم عليه عكسا حجم التحول الذي أصاب أمن الممرات الاستراتيجية في الخليج.
وفي الوقت نفسه، أكدت التطورات العسكرية أن الضغط على البرنامج الصاروخي لا يقتصر على اعتراض الهجمات، بل بات يستهدف البنية العميقة للبرنامج نفسه، فقد انتقلت "إسرائيل"، وفق رويترز، إلى مرحلة تركز على المواقع الصاروخية تحت الأرض بعد استهداف مئات القواذف فوق الأرض، بينما وسّعت الولايات المتحدة ضغوطها الاقتصادية عبر عقوبات استهدفت في 25 شباط/فبراير 2026 شبكات تمويل ونقل وإمداد مرتبطة بإعادة تكوين إنتاج الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والأسلحة المتقدمة.
وهذا يعني أن أي جهد مستقبلي لاحتواء الخطر الإيراني لن يدور فقط حول وقف الإطلاق، بل حول تعطيل القدرة على التخزين والتحصين وإعادة البناء بعد الضربات.
وبناءً على ذلك، من المرجح أن يبقى هذا الملف حاضرًا بقوة في أي تفاوض مقبل يتعلق بالنووي الإيراني أو أمن الخليج أو ترتيبات الملاحة في هرمز لكن التجربة الجارية تشير أيضًا إلى أن شدة الضغط العسكري والاقتصادي لا تعني تلقائيًا إنهاء البرنامج أو تفكيكه بالكامل، بل قد تدفع إلى مسارات أكثر تعقيدًا تجمع بين الردع، وإعادة التموضع، ومحاولات فرض وقائع جديدة في البحر والإقليم.
لذلك فإن التداعيات المستقبلية لا تتعلق فقط بما تبقى لدى إيران من قدرات صاروخية، بل كذلك بقدرة خصومها على تحمّل كلفة المواجهة الطويلة، وبمدى نجاحهم في تحويل الضغط الراهن إلى تسوية أمنية أكثر استقرارًا.
تأثير عودة ترامب على برنامج الصواريخ الإيرانية
مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في كانون الثاني/يناير 2025، دخل البرنامج الصاروخي الإيراني مرحلة جديدة من الضغط ففي 4 شباط/فبراير 2025 أعلن البيت الأبيض رسميًا استعادة سياسة "الضغط الأقصى" على إيران، مع التأكيد على حرمانها من جميع المسارات المؤدية إلى السلاح النووي، ومواجهة نفوذها الإقليمي، والتصدي لتطويرها الصواريخ وغيرها من القدرات العسكرية.
ومنذ ذلك الحين، لم يعد أثر إدارة ترامب الثانية مجرد افتراض سياسي، بل تحول إلى مسار عملي انعكس في العقوبات، وفي تشديد الضغوط على شبكات التمويل والنقل، وفي ربط البرنامج الصاروخي الإيراني بصورة أوضح بالتهديدات الإقليمية والدولية.
وفي نيسان/أبريل 2026، وبعد حربين مباشرتين تعرضت خلالهما البنية الصاروخية الإيرانية، بما في ذلك مواقع الإطلاق والمنشآت المحصنة، لضربات واسعة، دخل الطرفان في مسار تفاوضي لمحاولة احتواء التصعيد.
لكن بعد تعثر هذه المحادثات وفشلها، انتقل الضغط الأميركي إلى مستوى أعلى، عندما أعلنت واشنطن فرض حصار بحري على السفن الداخلة إلى الموانئ الإيرانية والخارجة منها، وأعلنت القيادة المركزية الأميركية في 12 نيسان/أبريل 2026 أن الحصار يبدأ في 13 نيسان/أبريل ويشمل حركة السفن من وإلى الموانئ الإيرانية، فيما أكدت رويترز لاحقًا أن هذه الخطوة جاءت بعد انهيار المحادثات، وأن بريطانيا وفرنسا رفضتا الانضمام إليها وفضّلتا مسارًا دفاعيًا منفصلًا لضمان الملاحة.
وبذلك لم تقتصر عودة ترامب على تشديد العقوبات، بل أسهمت أيضًا في نقل المواجهة مع إيران من مستوى الضغط الاقتصادي إلى مستوى الضغط البحري والعسكري المباشر، وهو ما جعل الملف الصاروخي الإيراني أكثر التصاقًا بأزمة الملاحة والطاقة والأمن الإقليمي.
ويمثل البرنامج الصاروخي الإيراني اليوم عنصرًا رئيسيًا في ميزان القوى في الشرق الأوسط، وليس مجرد ملف تسليحي منفصل، فالتقدم التقني الذي حققته طهران في هذا المجال منحها قدرة أكبر على الردع والمناورة، لكنه في الوقت نفسه زاد من مخاوف خصومها، ورفع مستوى الاستنفار العسكري في الخليج و"إسرائيل" والولايات المتحدة.
وبينما يبقى الخيار الدبلوماسي هو المسار الأقل كلفة لتخفيف المخاطر، فإن وقائع 2025 و2026 تُظهر أن المنطقة ما تزال بعيدة عن تسوية مستقرة، وأن الصواريخ الإيرانية ستظل في صلب أي معادلة أمنية أو سياسية مقبلة.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام