صورة الخبر

16:11:18 2026-02-01 : اخر تحديث

11:34:25 2026-02-01 : نشر في

لماذا لم يتحرر العراق من تبعية أمواله المحتجزة لدى الفيدرالي الأمريكي؟

حجم الخط

سيف العبيدي - شبكة الساعة

أعاد الموقف الأمريكي الرافض لترشيح الإطار التنسيقي (الكتلة البرلمانية الأكبر) لنوري المالكي لمنصب رئيس الوزراء، والتلويح باتخاذ إجراءات ضد العراق ملف الأموال العراقية المحتجزة لدى البنك الفيدرالي الأمريكي إلى الواجهة، بوصفه أحد أهم أوجه عدم الاستقلالية العراقية سياسيا واقتصاديا عن الولايات المتحدة.

فعقب ترشيح المالكي من قبل الإطار التنسيقي ورفض الرئيس ترامب لهذا الترشيح، ثم إصرار بعض القوى الإطارية على المالكي مرشحا لرئاسة الوزراء، كثر الحديث عن إمكانية فرض واشنطن عقوبات مالية واقتصادية على العراق تتمثل بحرمان العراق من الدولار واحتجاز أمواله المقيدة لدى البنك الفيدرالي الأمريكي، وهو ما جعل الإطار يخشى تلك العقوبات، وبالتالي مراجعة قراره بشأن الترشيح ومحاولة تجنب مخالفة الرأي الأمريكي بهذا الخصوص.

فوجود الأموال العراقية في ظل هيمنة الفيدرالي الأمريكي، يجعله في مأزق مالي واقتصادي كبير كلما حاول مخالفة السياسة الأمريكية أو الخروج عن نهج واشنطن، وهذا يعني تبعية سياسية وإن كان العراق غير راغب فيها بالوقت الحالي، بالرغم من أن الطبقة السياسية الحاكمة ذاتها اليوم ومنذ مجيئها للسلطة بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 كانت قد باركت الإجراءات الأمريكية تجاه الأموال العراقية المتأتية من إيرادات النفط.

احتجاز الأموال العراقية

ففي مايو/أيار 2003، أصدر مجلس الأمن قرارا يحمل الرقم 1483 والذي قضى بإيداع الإيرادات المتأتية من صادرات العراق من النفط والغاز في حساب خاص لدى الفيدرالي الأميركي تحت اسم صندوق تنمية العراق، وقد خُصص جزء من هذه الإيرادات -بنسبة 5% من مجمل الصادرات النفطية والغازية- لتعويض الكويت عن أضرار غزو 1990، وهو ما استمر حتى عام 2022 حين أكمل العراق سداد تعويضاته التي بلغت نحو 52.4 مليار دولار، بينما كانت باقي الأموال تُحوّل إلى حساب البنك المركزي العراقي، الذي يتولى تمويل الحكومة ووزارة المالية بالسيولة، باعتبار أن الدينار العراقي مسعّر بالدولار.

ويأتي الإجراء الأممي السابق تجاه الأموال العراقية من أجل توفير حماية قانونية لهذه الأموال بموجب القرار 1483، إلى أن انتهى العمل بها عام 2011، عقب تنفيذ قرار مجلس الأمن 1956، لكن الرئيس الأمريكي آنذاك باراك أوباما أصدر قرارا تنفيذيا يحمل الرقم 13303 لحماية الأموال العراقية، وهو قرار لا يزال ساريا حتى اليوم رغم بعض التعديلات.

وتتمثل أهداف الحماية الأميركية للأموال العراقية بحسب الحكومة العراقية حينها في ضمان إعادة إعمار العراق، وتحصين أمواله من مطالبات تعويضية من شركات وأفراد، إضافة إلى تجنب الحجز القضائي على الأموال العراقية في قضايا مرفوعة منذ التسعينيات.

ويستغرب الكثير من العراقيين من بقاء الأموال العراقية رهينة البنك الأمريكي طيلة العقدين الماضيين، رغم العلاقة القوية والتحالف غير المسبوق بين النظام العراقي الجديد ما بعد 2003 والولايات المتحدة، إذ يثير عدم تحرك الجانب العراقي لتحرير أمواله الكثير من علامات الاستفهام عن دور الحكومات المتعاقبة وكيف غفلت أو تغافلت أحد أهم الملفات التي بسببها يعاني العراق من تبعية مالية واقتصادية وسياسية للولايات المتحدة الأمريكية.

إيران أبرز الأسباب

ويبدو أن تورط بعض الأطراف الفاعلة والمتنفذة في السلطات العراقية في التعامل غير القانوني مع إيران وتهريب الدولار لها ودعم أنشطتها المسلحة في المنطقة شكل أحد العوامل الرئيسية في بقاء الأموال العراقية تحت رهينة البنك الفيدرالي الأمريكي، خاصة وأن واشنطن لم تلمس جدية عراقية في إنهاء العلاقات المالية المشبوهة مع إيران، وهو ما يراه الباحث في الشأن السياسي والاقتصادي أحمد عيد.

وقال عيد في حديث لشبكة "الساعة": إن "بقاء الأموال العراقية المودَعة لدى البنك الفيدرالي الأميركي يشكّل مخاطرة سيادية مزدوجة، سياسية واقتصادية، في آن واحد، فعلى الصعيد السياسي، يحدّ هذا الواقع من هامش القرار المالي العراقي، ويجعل السياسة النقدية عرضة للتأثر المباشر بالتحولات في الموقف الأميركي والعقوبات والضغوط الدولية، أما اقتصاديا، فيُبقي الاقتصاد العراقي مكشوفا أمام أي قيود مفاجئة على حركة الدولار، ما ينعكس مباشرة على الاستقرار النقدي وسوق الصرف والقدرة على تمويل الاستيراد".

وأضاف عيد: أن "عجز العراق عن التحرر من هذه الهيمنة، رغم مرور أكثر من عقدين على عام 2003، يعود إلى أسباب داخلية بالدرجة الأولى، أبرزها ضعف الثقة الدولية بالنظام المالي والإداري العراقي، وتفشي الفساد، وتعدد مراكز القرار، إضافة إلى نشاط شبكات تهريب العملة والمكاتب الاقتصادية المرتبطة بالأحزاب، وهي عوامل أفقدت العراق القدرة على تقديم نفسه كشريك مالي موثوق".

وشدد الباحث الاقتصادي العراقي على أن "تحرير الأموال لا يتحقق بقرار سياسي منفرد، بل يتطلب إصلاحا جذريا للنظام المصرفي العراقي، وبناء منظومة شفافة لمكافحة غسل الأموال، وتوحيد إدارة السياسة النقدية بعيدا عن النفوذ الحزبي"، محذرا من أنه "ومن دون ذلك، سيبقى العراق مضطرا للإبقاء على أمواله خارج سيطرته المباشرة، ليس ضعفا في علاقته بواشنطن، بل نتيجة اختلالات داخلية لم تُعالج حتى اليوم".

وتجدر الإشارة إلى أن غالبية الدول النفطية تودع أموالها في الفيدرالي الأميركي كون النفط يُباع بالدولار، لكن العراق يعاني من تبعية كاملة لعائدات النفط دون وجود موارد بديلة معتبرة.

الفساد والتبعية لإيران

وفي تفسير لعدم تحرك الجانب العراقي لحل هذه التبعية والإشكالية المالية، يرى الصحفي والباحث في الشأن السياسي جرجيس توما أن الأحزاب العراقية المتنفذة منشغلة بتقاسم الغنائم بدل الانشغال بإدارة الدولة بالشكل الصحيح، وهو السبب الذي جعل العراق مكبلا ماليا لغاية الآن وأمواله تحت تصرف الفيدرالي الأمريكي.

وأضاف توما في حديث لشبكة "الساعة": أن "واشنطن تدرك جيدا أن الأحزاب العراقية النافذة أغلبها موالٍ لإيران، وكانت طيلة سنوات العقوبات الأمريكية على إيران مصدرا لتهريب الدولار إلى إيران، حيث كانت تلك الأموال مصدرا لتمويل الأنشطة الإرهابية للحرس الثوري الإيراني وأذرعه في المنطقة".

وأشار إلى أن "الفساد في العراق وسرقة الأموال العامة ورغم عدم اكتراث الأحزاب العراقية بعواقبه، يجري تحت أنظار الولايات المتحدة وبسببه لا يمكن تحرير الأموال العراقية لأن واشنطن تدرك أن مصير تلك الأموال سيكون للسرقة أيضا، وهو سبب آخر يدفع نحو عدم التحرك لتحرير أموال العائدات العراقية".

خارطة طريق لتحرير الأموال العراقية

وفي هذا الصدد، وضع الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي مقترحات من أجل تحرير الأموال العراقية من هيمنة البنك الفيدرالي الأمريكي.

 وقال المرسومي في تدوينة على منصة "فيسبوك": إن "الولايات المتحدة تسيطر فعلياً على عائدات النفط العراقي منذ عام 2003 من خلال إدارتها عبر مجلس الاحتياطي الفيدرالي"، مبينا أن "أهداف الحماية الأمريكية للأموال العراقية تتمثل في حماية أموالها من مطالبات تعويضية من شركات وأفراد، إضافة إلى تجنب الحجز القضائي على الأموال العراقية في قضايا مرفوعة منذ التسعينيات".

وأكد أنه "على الرغم من انتهاء العديد من الأسباب القانونية التي فرضت هذا الترتيب المالي، فإن العراق لا يزال خاضعاً لمراقبة مالية مشددة من واشنطن، تختلف عن الإجراءات المعتادة في النظام المصرفي الدولي"، وأشار إلى أن غالبية الدول النفطية تودع أموالها في الفيدرالي الأمريكي لأن النفط يُباع بالدولار، لكن العراق يعاني من تبعية كاملة لعائدات النفط دون وجود موارد بديلة"، موضحا أن "هذا يعني أن المشكلة ليست في إيداع الأموال لدى الفيدرالي الأمريكي، بل في القيود المفروضة على إمكانية التصرف بها بحرية، على عكس ما تتمتع به الدول الأخرى".

وتابع المرسومي: أن "هناك قضايا مرفوعة على العراق من قبل عشرات أو مئات من الشركات التي تضررت من غزو العراق للكويت، ولم يحضر ممثلون عن العراق في حينها جلسات المحاكم ليدافعوا أو يخفضوا من التعويضات، وبالتالي المحاكم أصدرت أحكاماً غيابية بمبالغ باهظة جداً"، لافتا إلى أن "ربط مسألة حماية الأموال العراقية من الملاحقات القضائية بأمريكا يمنح واشنطن نفوذاً كبيراً على بغداد، ويحتاج حل الأزمة إلى قرار سياسي، كما حصل مع اليونان والأرجنتين، وذلك عبر الاستعانة بشركة محاماة رصينة تُعطى صلاحيات كاملة مهمتها ستتمثل بجرد القضايا المرفوعة على العراق بشكل دقيق وكم هو حجم المبالغ التي صدرت فيها أحكام".

وخلص المرسومي إلى أن "العراق غير قادر على اللجوء إلى المحاكم بسبب اكتساب الأحكام الدرجة القطعية، لكن يمكن التوصل إلى صفقة مع المستفيدين على إسقاط الدعاوى مقابل إعطائهم نسبة من الأموال وهو ما يسمى شراء الديون، وعلى الأغلب سيقبلون لأنهم سيحصلون على أموال بدلاً من الانتظار واحتمال عدم الحصول على أي شيء".

ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات

اشترك بقناتنا على التليكرام

اخترنا لك