12:08:52 2025-10-16 : اخر تحديث
12:08:52 2025-10-16 : نشر في
سعد عواد ـ شبكة الساعة
في صباحٍ بدا عاديًا للعاصمة بغداد، دوّى انفجارٌ عنيف أنهى حياة عضو مجلس المحافظة والمرشح النيابي عن تحالف السيادة صفاء المشهداني، وأصاب 3 من أفراد حمايته بجروحٍ خطيرة، عبوة لاصقة استهدفت سيارته في قضاء الطارمية فحوّلت صوته الإصلاحي إلى صمت دائم.
لم يكن اغتياله حادثًا عابرًا في سجلّ العنف، بل جاء في اليوم نفسه الذي نُشر فيه قرار مجلس محافظة بغداد بوقف منح الإجازات الاستثمارية في الأراضي الزراعية الواقعة بأطراف العاصمة، وهو القرار الذي كان المشهداني من أبرز الداعمين لإقراره.
تزامنُ التفجير مع القرار أثار موجة من التساؤلات: هل كانت المصادفة وحدها وراء انفجار الطارمية، أم أن يدًا ما أرادت إسكات آخر الأصوات التي تصدت لاستباحة الأرض باسم الاستثمار؟
القرار الذي أصدره مجلس محافظة بغداد، ونشرته جريدة الصباح الحكومية في 15 تشرين الثاني / نوفمبر، جاء بعد تجريف نحو 28 ألف دونم من الأراضي الزراعية وتحويلها إلى مشاريع استثمارية تجارية لا تراعي الصالح العام.
كانت الفكرة بسيطة: إيقاف نزيف الأرض ومنع استغلالها بقرارات مشبوهة لكنّ التنفيذ كان مكلفًا، إذ أعقب الإعلان مباشرة اغتيال المشهداني في قضاء الطارمية، إحدى أكثر المناطق تعقيدًا أمنيًا في حزام العاصمة، حيث تتقاطع فيها صلاحيات أمنية متعددة بين قيادة عمليات بغداد، وفوج حشد الطارمية العشائري المقرّب منه، واللواء 12 في الحشد الشعبي التابع لحركة النجباء، كما توجد خلايا لـ"داعش"، ما يثير تساؤلات حول الجهة المستفيدة من إسكات صوته.
ما بدا كجريمة جنائية في لحظتها الأولى، تحوّل سريعًا إلى لغزٍ سياسيٍّ واقتصاديٍّ، بعدما تبيّن أن الرجل كان رأس الحربة في مواجهة مصالح كبرى، وأن صوته الأخير في المجلس لم يرق لكثيرين.
تواصلت شبكة "الساعة" منذ الساعات الأولى للحادث مع عائلة الراحل، التي أكدت أن اغتيال صفاء المشهداني لم يكن مجرد حادثٍ أمني عابر، بل نتيجة مباشرة لمواقفه الصلبة في الدفاع عن الأراضي الزراعية داخل حدود بغداد ومناطق شمالها، ولا سيما في قضاء الطارمية الذي يشهد منذ سنوات محاولات تغيير ديموغرافي متدرّجة وممنهجة.
وقال أحد أفراد العائلة، مفضلاً عدم الكشف عن اسمه، إن "هناك مخططًا مستمرًا للاستحواذ على أراضي الطارمية وتغيير صفتها الزراعية تقوده جهات نافذة تمتلك أذرعًا سياسية وعسكرية داخل الدولة وخارجها"، مشيرًا إلى أن "قيمة تلك الأراضي تُقدّر بمليارات الدنانير، ما يجعلها هدفًا مغريًا لشبكات النفوذ".
وأضاف أن "المشهداني لم يكن يملك سوى صوته داخل مجلس المحافظة، لكنه كان الصوت الذي أقلق منظومةً كاملة، بعدما طالب مرارًا بسنّ قانون يمنع التلاعب بهذه الأراضي ويخضعها لإشرافٍ مباشر من مجلس المحافظة".
وفي بلدٍ تُغتال فيه الملفات قبل أصحابها، بدا اغتيال صفاء المشهداني حلقةً جديدة في سلسلةٍ من الأحداث التي تتقاطع فيها المصالح السياسية والاقتصادية مع غياب الحسم الأمني فالجريمة لم تُغلق باب الأسئلة، بل فتحته على اتساعه أمام الرأي العام حول دوافعها وتوقيتها والجهات المستفيدة من إسكات صوتٍ كان يطالب بتنظيم الاستثمار وحماية الأرض من الاستحواذ.
اغتيال عضو مجلس بغداد جاء بعد كشفه عمليات تجريف وتهديدات تلقاها إثر مواقفه وانتقاده لتحويل الطارمية إلى "جرف الصخر ثانية".. هل أودت تصريحاته لاغتياله؟
— الساعة (@alssaanetwork) October 15, 2025
#العراق #الساعة #اخبار_الساعة #على_مدار_العراق #إنفو #بغداد #صفاء_المشهداني pic.twitter.com/lZO0MzXSpl
الباحث في الشأن السياسي عبد القادر النايل يرى أن اغتيال المشهداني لم يكن صدفة، بل مرتبط مباشرة بموقفه من استيلاء فصائل مسلحة على الأراضي الزراعية في الطارمية.
وقال النايل في حديثه لشبكة "الساعة"، إن "المشهداني قاد جهودًا داخل المجلس لوقف منح تراخيص استثمارية وتحويل مساحات زراعية إلى فنادق ومشاريع سياحية على ضفاف دجلة كان يعلم أن وراء تلك المشاريع شبكات مالية ضخمة لها امتدادات سياسية وأمنية".
وأشار إلى أنّ "أطرافًا محلية مقربة من الحرس الثوري الإيراني وشركات تابعة لفصائل مسلحة، بينها النجباء، متورطة في مشاريع استثمارية تستهدف مناطق حزام بغداد"، مؤكدًا أن "بعض النواب والسياسيين يروّجون لتكرار تجربة تجريف جرف الصخر في الطارمية، بذريعة التنمية، لكنها في حقيقتها عملية إزاحة ممنهجة للسكان الأصليين واستبدالهم بمشاريع استثمارية مشبوهة".
وتابع النايل قائلاً: "إذا أردت أن تعرف القاتل، فتّش عن المستفيد، المشهداني كان يقف في وجه مليارات وموته خدم من أرادوا إسكات هذا الصوت الصادق".
وأضاف أن "اللجان التحقيقية التي أُعلنت بعد الجريمة لا تملك سلطة حقيقية، لأنها لا تستطيع دخول الطارمية، ومسرح الجريمة تم العبث فيه مسبقًا، لذا فإن الحقيقة ستبقى بعيدة ما لم يُستكمل مشروعه في إيقاف الاستيلاء ونزع سلاح الفصائل المسلحة المنتشرة في القضاء".
من جهته، يرى المحلل السياسي رمضان البدران أن ما يجري في العراق أعمق من مجرد تغوّل فصيلٍ مسلّح أو جهة محددة، موضحًا أن البلاد دخلت في مرحلة الإقطاعيات السياسية التي تتجاوز شكل الميليشيا إلى ما هو أوسع.
وأوضح البدران في تصريح خاص لشبكة "الساعة"، قائلاً: "هذه الإقطاعيات لا تقتصر على تشكيلات عسكرية فقط، بل تشمل أحزاباً تتحكم بمؤسسات، ومحافظين يهيمنون على مشاريع، ومديريات تُدار كأنها شركات خاصة، إضافة إلى عوائل نافذة تمسك ببوابات اقتصادية جميعها تتنافس على مكاسب تتراوح بين أراضٍ ومشاريع استثمارية ومطاعم ومنتجعات، بهدف تحويلها إلى أدوات ربحية ومناطق نفوذ مغلقة".
وأضاف أن "تلك الإقطاعيات تستخدم الطائفية والهوية غطاءً لمصالح اقتصادية ضيقة"، مبيناً أنها "تتقاطع عبر المكونات لا على أساس طائفي، بل على أساس مصالح تتبادل فيها الأدوار والأرباح".
وختم بالتحذير من أن "استمرار تمدد هذه الإقطاعيات سيقود حتماً إلى تعميق الانقسام وربما إلى مواجهة داخلية أوسع، ما لم تستعد الدولة مؤسساتها وتُفعَّل آليات المحاسبة والعدالة"، مؤكداً: "إذا لم يُوقف نزيف الإقطاعيات السياسية، فإن الصراع على المكاسب المحلية سيتفاقم وقد ينزلق المشهد إلى احتدام خطير بين هذه الجماعات يصل حد الاحتراب".
وفي وقت سابق حذر النائب كاظم الشمري من "عمليات تغيير ديموغرافي في مناطق حزام بغداد، تُنفذها جهات مسلحة تدّعي الانتماء إلى الأجهزة الأمنية، مستخدمةً التهديد بالسلاح أو تلفيق التهم الكيدية لإجبار المزارعين على ترك أراضيهم".
وتضم هذه المناطق أكثر من مليون نسمة، وتشمل الطارمية وأبو غريب واليوسفية والرضوانية والتاجي وجسر ديالى، وتعد من أخصب الأراضي الزراعية في العراق، وتقطنها قبائل عربية عريقة مثل زوبع والدليم والجبور، والمشاهدة والجنابيين والعبيد.
لكنها اليوم تواجه موجة استحواذ خفية، تحت عناوين الاستثمار، وبتسهيلات رسمية وغير رسمية، تُعيد رسم الخريطة الاجتماعية حول العاصمة، وتحوّل الأراضي الزراعية إلى مصدر تمويلٍ غير مشروعٍ لأجنحة سياسية واقتصادية متنفذة.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على التليكرام2024-07-24 11:29:54
محامية عراقية ضمن حملة ترامب!
2024-07-24 11:25:30
الحكومة العراقية تنفي صلتها بصفحات "التطبيل"
2024-07-24 11:21:23
طائرات مسيرة تجوب سماء العاصمة بغداد وتقصف مخزن أسلحة يتبع فصيلا مسلحا
2024-07-24 11:17:27
اتهامات للسياسيين السنة بالمتاجرة بنازحيهم