يقع حقل مجنون النفطي في محافظة البصرة جنوب العراق، على مقربة من الحدود مع إيران، ويمثل أحد أضخم الحقول النفطية في العالم، إذ تُقدّر احتياطياته بنحو 38 مليار برميل من النفط الخام ويُصنف الحقل ضمن قائمة الحقول المشتركة مع إيران، حيث يمتد خزان النفط الجوفي عبر الحدود، ليصبح واحدًا من 5 حقول نفطية مشتركة بين البلدين.

لا يكتسب الحقل أهميته من حجمه فقط، بل من موقعه الجيوسياسي الحساس، إذ يقف عند تقاطع المصالح بين الاستثمار الدولي، والضغوط الإقليمية، والعقوبات الدولية المفروضة على الشريك الإيراني.

من الاكتشاف إلى الحروب: مسار متعثر لتطوير الثروة


تعود قصة اكتشاف الحقل إلى عام 1975 حين قامت شركة "براسبترو" البرازيلية، التي أصبحت لاحقًا جزءًا من "بتروبراس"، بتحديد ملامح الحقل العملاق لكن مسار التطوير لم يكن سلسًا، فقد جاء الاكتشاف في لحظة سياسية حساسة، ولم تلبث أن انفجرت الحرب العراقية الإيرانية عام 1980، فتعطّل المشروع طوال ثمانينات القرن الماضي.

ورغم محاولات لاحقة للاستئناف، لم يبدأ الإنتاج الفعلي إلا في عام 2002، من قبل شركة نفط الجنوب العراقية، لكن هذا الإنتاج ظل محدودًا بسبب تداعيات الحصار والعقوبات الدولية، ثم الاحتلال الأمريكي وما تبعه من انهيار البنية التحتية في قطاع الطاقة وهكذا، بقي الحقل دون استغلال حقيقي لقدراته.

"شل" و"بتروناس".. تجربة طموحة لم تكتمل

في إطار خطة الحكومة العراقية لجذب الاستثمارات الأجنبية وتطوير حقولها العملاقة، منحت وزارة النفط عام 2009 عقدًا لتطوير حقل مجنون لتحالف يضم شركتي "شل" الهولندية و"بتروناس" الماليزية.

وبدأ العمل فعليًا في المشروع عام 2010، وكان الهدف المعلن الوصول إلى إنتاج يبلغ 1.8 مليون برميل يوميًا، وهو رقم ضخم كان سيضع الحقل في مصاف كبار المنتجين عالميًا.

لكن سرعان ما ظهرت عوائق بيروقراطية وأمنية، فضلًا عن تحديات بيئية وتكنولوجية، جعلت "شل" تُعيد تقييم المخاطر، وفي عام 2017 قررت الشركة الانسحاب رسميًا من المشروع مما شكّل انتكاسة كبيرة لخطط التطوير، وأعاد الحكومة إلى نقطة البداية في إدارة الحقل.

عودة إلى الإدارة الوطنية وشراكات تكتيكية


عقب انسحاب "شل"، تولت شركة نفط البصرة الحكومية إدارة حقل مجنون اعتبارًا من عام 2018، في محاولة لإعادة تنظيم المشروع بعيدًا عن الشركاء الأجانب الكبار.

وبدلاً من منح المشروع بالكامل إلى شركة عالمية، قررت بغداد اتباع نموذج الشراكة الجزئية، عبر التعاقد مع شركات متخصصة لتقديم خدمات تقنية وإدارية.

من أبرز هذه الشركات:
•    "أنطون أويلفيلد سيرفيسز" الصينية
•    "كي بي آر" الأمريكية

وتعمل هذه الشركات حاليًا على تنفيذ خطط تطوير متوسطة المدى، تستهدف رفع الإنتاج إلى 600 ألف برميل يوميًا بحلول عام 2026، هذه الوتيرة المتدرجة تعكس محاولة لتقليل المخاطر وتعزيز الاعتماد المحلي خاصة بعد انسحاب الشركاء الكبار بسبب بيئة الاستثمار المعقّدة في العراق.

التعاون مع إيران: بين الواقع والقيود الدولية

رغم أن الحقل يُعد مشتركًا مع إيران جغرافيًا، فإن التعاون الثنائي بين البلدين في تطويره ما زال محدودًا بفعل العقوبات الدولية المفروضة على طهران، والتي تُقيّد بشدة قدرتها على نقل التكنولوجيا أو التمويل أو حتى الدخول في شراكات رسمية.

كما أن عدم القدرة على جذب الشركات العالمية الكبرى للعمل إلى جانب إيران داخل الحقول المشتركة، يجعل مشاريع التعاون محصورة بشركات محلية أو صينية لا تخضع للعقوبات الغربية بشكل مباشر.

ورغم هذه التحديات، تمكن العراق وإيران من توقيع اتفاقيات مبدئية لتطوير بعض الحقول الحدودية، مثل حقل "أزادغان"، وهو ما يفتح الباب لاحتمالات شراكة تقنية محدودة في مجنون أيضًا، لكن ضمن حدود ضيقة.

مجنون في معادلة الطاقة العراقية

يمثل حقل مجنون ورقة استراتيجية في خطط العراق لزيادة إنتاجه النفطي خلال العقد القادم، وهو حجر أساس في سعي البلاد لتحقيق التوازن بين الإنتاج من الحقول القديمة والناضبة، وتوسيع الاعتماد على الحقول العملاقة الجديدة.

كما أن الحقل، رغم تعقيداته يمنح العراق فرصة لتوسيع دوره التفاوضي مع الشركات الدولية، خاصة مع ارتفاع الطلب العالمي على النفط في ظل تقلبات أسعار الطاقة.

لكن مستقبل الحقل يبقى مرهونًا بتحقيق الاستقرار الأمني والسياسي، وتحييد تأثير العقوبات الإقليمية، وتعزيز الحوكمة داخل وزارة النفط العراقية، وهي تحديات لا تزال قائمة حتى اليوم.