في مثل هذا الشهر من عام 2014، كانت بغداد تقف على حافة الانهيار السياسي، بعد أن انهار أمنها بشكل مدوٍ إثر سقوط الموصل بيد تنظيم "داعش" في 10 حزيران/يونيو.
المشهد كان أشبه بزلزال سياسي–عسكري هزّ البنية المؤسساتية للدولة العراقية، بعدما انسحبت وحدات عسكرية بأكملها دون قتال يُذكر، في أكبر انتكاسة أمنية منذ 2003.
الهزة الأمنية تحوّلت بسرعة إلى أزمة حكم، إذ بدأت الضغوط تتزايد داخلياً وخارجياً لإجبار رئيس الوزراء آنذاك نوري المالكي على التنحي، وسط قناعة آخذة في الاتساع لدى المرجعية الدينية في النجف، وقوى شيعية وسنية وكردية، فضلاً عن الولايات المتحدة وإيران، بأن بقاء المالكي يُعقّد فرص توحيد الصفوف لمواجهة الخطر الداهم.
في هذا السياق، برز اسم حيدر العبادي، نائب رئيس البرلمان وعضو حزب الدعوة، كمرشح توافقي لتشكيل حكومة جديدة تعيد ترميم وحدة الدولة المنهارة، وتستعيد زمام المبادرة الأمنية.
الخلفية السياسية والدستورية
أزمة حزيران كشفت هشاشة المؤسسة العسكرية التي بُنيت على المحاصصة والولاءات، وأظهرت عجز البرلمان عن إنتاج معادلة حكم مستقرة، المرجع الشيعي الأعلى في العراق علي السيستاني أرسل إشارات واضحة برفضه ولاية ثالثة للمالكي، وهو ما تبنّته معظم قوى التحالف الوطني، التكتل البرلماني الشيعي الأكبر حينها، بدافع من ضغط شعبي شيعي متصاعد، خصوصاً في محافظات الجنوب.
وفي 11 آب/أغسطس 2014، كلف رئيس الجمهورية فؤاد معصوم، حيدر العبادي رسميًا بتشكيل الحكومة، مستندًا إلى المادة 76 / أولاً من الدستور العراقي التي تمنحه صلاحية تكليف مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً خلال 15 يومًا من الجلسة الأولى للبرلمان.
المالكي رفض التكليف وعدّه انقلابًا دستوريًا، وأعلن نيته الطعن به، ولوّح باستخدام القوة للحفاظ على موقعه، في واحدة من أخطر اللحظات السياسية بعد 2003، لكن التأييد الدولي لتكليف العبادي، لا سيما من واشنطن وطهران والأمم المتحدة، عجّل بعزلة المالكي، الذي أعلن في 14 آب تنازله عن الترشح.
محاور البرنامج الحكومي
العبادي قدّم في أيلول/سبتمبر 2014 برنامجًا طموحًا، تمحور حول ثلاثة ملفات أساسية:
· إعادة بناء المؤسسة العسكرية: بدءًا من تطهيرها من الجنود الوهميين، إلى تعزيز كفاءتها القتالية وتعاونها مع التحالف الدولي.
· محاربة الفساد: عبر دعم هيئة النزاهة وتشريعات جديدة، أبرزها كشف وجود 50 ألف جندي وهمي نهاية 2014، في أول اعتراف رسمي بحجم الفساد المتجذر في المؤسسة الأمنية.
· الشراكة الوطنية: بدعم الحوار مع إقليم كردستان وتوقيع اتفاق نفطي لتسليم 550 ألف برميل يوميًا مقابل تخصيصات الموازنة ورواتب البيشمركة، في محاولة لتثبيت وحدة الدولة.
السياسات والأداء بين 2014–2018
· مكافحة "داعش": انطلقت حملة "العزم الصلب" بعد قبول العراق دعم التحالف الدولي، وتم تحرير تكريت (آذار 2015)، ثم الموصل (تموز 2017)، وأُعلن النصر النهائي في كانون الأول من العام نفسه.
· الإصلاح المؤسسي: رغم الخطوات الأولى القوية، إلا أن مقاومة الطبقة السياسية وشبكات المصالح حدّت من فعالية الإصلاحات، ولم تشهد البلاد تحسناً ملموساً في مؤشرات الشفافية حتى نهاية 2018.
· الاقتصاد والصدمة النفطية: تراجع أسعار النفط إلى أقل من 50 دولارًا أدّى إلى عجز مالي كبير، اضطر الحكومة إلى تبني حزمة تقشفية وتأخير الرواتب وخفض الإنفاق العام.
· الانفتاح الخارجي: أعادت السعودية فتح سفارتها في بغداد بعد قطيعة دامت 25 عامًا، وبدأت بغداد بتحسين علاقاتها مع أنقرة والقاهرة، ضمن محاولة لبناء توازنات إقليمية جديدة.
مفارقة اللحظة: انسحاب ائتلاف العبادي من الانتخابات 2025
في تطوّر سياسي لافت، أعلن ائتلاف النصر بقيادة العبادي انسحابه من المشاركة في الانتخابات البرلمانية المقبلة، في بيان صدر بتاريخ 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2025. وجاء في البيان أن الائتلاف "يرفض خوض انتخابات تقوم على المال السياسي وغياب الحزم القانوني"، مشيرًا إلى أن "مصداقية الكيان السياسي تُقاس بسلوكه، لا بشعاراته".
الناطق باسم الائتلاف عقيل الرديني أكد في تصريح تابعته شبكة "الساعة" أن "أي مرشح يتطلب اليوم أكثر من مليار دينار للترشح، وهذا لا يتناسب مع نهج القوى السياسية النظيفة"، داعيًا إلى "تدخل المفوضية للحد من استغلال موارد الدولة من قبل بعض الأحزاب".
وبعد 11 عامًا على تكليف العبادي، ما تزال تحديات تلك اللحظة حاضرة في بنية الدولة العراقية ورغم النجاح العسكري الكبير، لم تُستكمل عملية إصلاح النظام السياسي أو إعادة إنتاجه على أسس حوكمة فعالة.
ويبدو أن قرار ائتلاف النصر بالانسحاب من الانتخابات يعكس فقدان الأمل بإمكانية الإصلاح من داخل النظام، ما يستوجب إعادة التفكير بطبيعة العملية الديمقراطية في العراق وآليات إنقاذها من دورة الانهيار المتكررة.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام