تتزامن الذكرى السنوية لتوقيع ميثاق سعد آباد في الثامن من تموز/يوليو 1937، مع منعطف لافت في تاريخ القضية الكردية، تمثّل في إعلان زعيم حزب العمال الكردستاني "بي كا كا"، عبد الله أوجلان، من داخل سجنه، انتهاء الكفاح المسلّح ضد الدولة التركية، داعيًا إلى العمل السياسي والديمقراطي كبديل.

ويأتي هذا التحول بالتوازي مع سلسلة متغيرات إقليمية وداخلية تعيد ترتيب أولويات الفاعلين في ملف الصراع الكردي، وتسلّط الضوء مجددًا على جذور التعامل الأمني مع هذه القضية، بدءًا من ميثاق سعد آباد.

نشأة الميثاق ودوافعه

بعد انتهاء الانتداب البريطاني في 1932، واجهت الدولة العراقية الوليدة تحديًا كبيرًا في ضبط حدودها الشمالية مع تركيا وإيران، في ظل نشاط الحركات الكردية التي رأت في انحسار النفوذ البريطاني فرصة لانتزاع وضع ذاتي.

تمردا الشيخ محمود الحفيد وأحمد بارزاني شكّلا إنذارًا مبكرًا لعجز الجيش العراقي عن مواجهة الجماعات المسلحة في تضاريس جبلية وعرة.

وفي هذا الإطار اتجهت بغداد بالتنسيق مع أنقرة وطهران نحو معالجة جماعية للمسألة الكردية، فبدأت مفاوضات ثلاثية أسفرت عن توقيع ميثاق سعد آباد في طهران عام 1937، بمشاركة العراق، إيران، تركيا وأفغانستان.

نصوص الميثاق ووظيفته الأمنية

رغم طبيعته المعلنة كمعاهدة عدم اعتداء، تضمّن الميثاق، لا سيما في ملحقه الثاني، التزامات أمنية عميقة، أبرزها:

•          تبادل المعلومات حول الأنشطة المسلحة العابرة للحدود.

•          عدم إيواء الجماعات المتمردة.

•          السماح للقوات الحدودية بملاحقة المطلوبين حتى عمق 20 كيلومترًا داخل أراضي الدول الموقعة.

شكل هذا البند الأخير أداة مركزية في الحد من نشاط الجماعات الكردية، خصوصًا تلك التي كانت تنتقل بين العراق وتركيا وإيران.

التطبيق الميداني وانعكاساته

بين عامي 1938 و1943، أنشأت مديرية الحدود العراقية مفارز ثابتة في مناطق حاج عمران وسيدكان، وأُغلقت المعابر الجبلية شتاءً بالتعاون مع الدرك التركي وسجّلت تقارير عسكرية انخفاضًا في التسلل المسلح بنسبة 40% مقارنة بالأعوام السابقة.

من جهة أخرى، استُخدم سلاح الجو الملكي لقصف معاقل أحمد بارزاني في جبال برادوست عام 1940، بالتنسيق مع الفيلق التركي في حكاري، وسط حملة إعلامية صوّرت التمرد الكردي كمؤامرة خارجية.

من سعد آباد إلى حلف بغداد

أعاد حلف بغداد عام 1955 إنتاج منطق الميثاق ضمن إطار دولي غربي أوسع، حيث وُضعت مسألة التنسيق الأمني بوجه الجماعات الكردية ضمن أولويات الحلف، مما عزّز المقاربة الإقليمية المشتركة باعتبار القضية الكردية خطرًا يتجاوز الحدود الوطنية.

ورغم تغير الأنظمة في العراق وإيران، بقيت أفكار سعد آباد حيّة في السياسات الأمنية، وتجلّت بوضوح بعد إعلان حكومة إقليم كردستان نيتها إجراء استفتاء الاستقلال عام 2017، حين أصدرت بغداد وأنقرة وطهران مواقف متزامنة رافضة متوعدة بإجراءات ردعية.

تحول في نهج الصراع

في تموز 2025، وبعد 26 عامًا من العزلة، أطلّ عبد الله أوجلان بخطاب مفاجئ من سجنه، أعلن فيه انتهاء زمن الكفاح المسلّح وحرب التحرير الوطنية، داعيًا إلى خيار ديمقراطي قائم على العمل السياسي ونبذ السلاح، مبيناً أن "بي كا كا" لم يعد يسعى لإقامة دولة قومية، بل يتبنّى الآن نموذجًا جديدًا.

هذا التحول، الذي ترافق مع مؤشرات داخل الحزب وتبدلات في المزاج الإقليمي، يعكس من جهة نهاية طور المواجهة العنيفة، ومن جهة أخرى استيعاب أوسع لفشل الرهان على العمل المسلح في ظل تنسيق أمني إقليمي واسع الجذور.

استمرارية المقاربة الأمنية

رغم السياقات السياسية المتغيرة ظلّ الإطار الأمني الذي أرسته معاهدة سعد آباد حاضرًا بقوة في تعاطي الدول الثلاث مع القضية الكردية، متجاوزًا تغير الأنظمة والتحالفات، واليوم مع خطاب أوجلان الأخير، تُطرح تساؤلات حول إمكانية فتح صفحة جديدة أكثر انفتاحًا، لكن ما يزال الثقل الأكبر لدى صناع القرار الإقليميين في ترجمة هذه اللحظة إلى مسار تفاوضي حقيقي، لا مجرد تحول خطاباتي.