صورة الخبر

19:13:05 2025-05-23 : اخر تحديث

19:13:05 2025-05-23 : نشر في

عقود كردستان النفطية تفجر خلافاً قانونياً.. هل يثير رفض بغداد غضباً أمريكياً؟

حجم الخط

فريق التحرير- شبكة الساعة

فجّر إبرام حكومة إقليم كردستان اتفاقيتين في مجال النفط والطاقة مع شركات أمريكية دون علم الحكومة المركزية أو موافقتها خلافا قانونيا وإداريا وسياسيا بين حكومتي بغداد وأربيل، لينذر هذا الخلاف بعودة التوتر في العلاقة بين الجانبين والتي تلاشت خلال الحقبة الحالية وتسلم السوداني رئاسة الحكومة الاتحادية.

ورغم دفاع الإقليم عن الاتفاقيتين على اعتبار أنها تدخل ضمن حقه القانوني والدستوري في استغلال موارده وتطويرها، إلا أن الحكومة العراقية ورأي خبراء الطاقة والقانون يؤكدون أن تلك العقود جاءت خلافا للقانون العراقي وخلافا لقرار المحكمة الاتحادية بشأن عقود استثمار النفط في كردستان.

واللافت في إبرام العقود الأخيرة والتي وقع عليها رئيس وزراء إقليم كردستان مسرور بارزاني أنها أعدت ووقع عليها في الولايات المتحدة وليس في أربيل، وهو ما يشير إلى رسائل سياسية تؤكد محاولة كردستان الاستقواء بالولايات المتحدة في هذا الملف من جهة، كما يؤشر من جهة أخرى غضبا أمريكيا على اعتراض بغداد على تلك العقود كونها تأتي ضمن جهود إنهاء الاعتماد العراقي على الطاقة الإيرانية من خلال استغلال الغاز والنفط على الأراضي العراقية.

وأعلن مسرور بارزاني توقيع اتفاقيتين في مجال الطاقة بقيمة إجمالية 110 مليارات دولار مع شركتي "إتش كيه إن إنرجي" و"ويسترن زاغروس" الأميركيتين.

وينص الاتفاق على أن تطور شركة "إتش كيه إن إنرجي" حقل "ميران" للغاز، الذي يقدر احتياطيه بثمانية تريليونات قدم مكعبة قياسية من الغاز الطبيعي.

كما ستطور شركة "ويسترن زاغروس" -وفق الاتفاق- منطقتي "توبخانة" و"كوردمير"، اللتين تحتويان على 5 تريليونات قدم مكعبة قياسية من الغاز و900 مليون برميل من النفط، وهو ما يكفي لتزويد ملايين السكان في جميع أنحاء إقليم كردستان والعراق بالطاقة.

بغداد تبطل اتفاقيات أربيل

وعقب إعلان بارزاني، أكدت وزارة النفط العراقية بطلان الاتفاقيتين بين الشركتين الأميركيتين وحكومة إقليم كردستان العراق، لعدم حصولهما على موافقة الحكومة الاتحادية.

وقالت الوزارة في بيان: إن "أي اتفاقات استثمارية يجب أن تتم عبر الحكومة الاتحادية"، وأفادت بأن "هذه الإجراءات مخالفة للقرارات الصادرة من محكمة التمييز الاتحادية، التي أشارت إلى عدم شرعية العقود المبرمة بعد صدور قرار المحكمة الاتحادية العليا".

وأشارت الوزارة إلى أن "الإجراءات التي اتخذتها حكومة الإقليم تعد مخالفة صريحة للقانون العراقي، فالثروات النفطية ملك لجميع أبناء الشعب العراقي، وأن أي إجراء لاستثمار هذه الثروات يجب أن يكون من خلال الحكومة الاتحادية".

وفي حكم صدر في 2022، عدّت المحكمة الاتحادية العراقية قانونا للنفط والغاز ينظم قطاع النفط في كردستان العراق غير دستوري، وطالبت سلطات الإقليم بتسليم إمداداتها من النفط الخام.

كردستان تدافع عن عقودها

من جهتها دافعت وزارة الثروات الطبيعية في حكومة إقليم كردستان عن الاتفاقيتين المبرمتين مع الشركتين الأمريكيتين، واكدت أنهما ليستا جديدتين، بل هما نافذتان منذ سنوات، مشددة على أن التغييرات التي طرأت تتعلق فقط بالشركة المشغّلة لهذه العقود، التي تم التعاقد معها وفقاً للإجراءات القانونية والتعاقدية المنصوص عليها في الاتفاقيات الأصلية.

وفي توضيح رسمي صادر عن الوزارة، شددت على تمسكها الكامل بحقوقها وصلاحياتها الدستورية ككيان اتحادي ضمن إطار الدستور العراقي الدائم، الذي يحدد بوضوح اختصاصات إقليم كردستان وحقوقه.

وأشار البيان إلى أن "المحاكم العراقية أقرت سابقاً بمشروعية وقانونية هاتين الاتفاقيتين، وأنه لا تشوبهما أي شائبة قانونية"، مبيناً أن "الشركتين تعملان في قطاع النفط والغاز في إقليم كردستان منذ سنوات عدة، وتُعدان من المنتجين الرئيسيين، وليستا مستثمرين جديدتين".

وأوضحت أن "الهدف من هذه الاتفاقيات والعقود هو تلبية الاحتياجات المحلية من خلال زيادة إنتاج الغاز الطبيعي لتزويد محطات توليد الطاقة الكهربائية بالوقود، بما يسهم في ضمان استمرارية تأمين الكهرباء لجميع أنحاء العراق".

مراجعة عقود كردستان السابقة

وعلى خلفية الموضوع، دعا نواب أغلبهم من الإطار التنسيقي منضوين في ما تسمى جبهة نواب الوسط والجنوب الحكومة العراقية إلى ضبط سياسة الدولة وعلاقاتها الخارجية، فليس من المعقول ألا تعرف السلطات الاتحادية بسفر مسؤولي الإقليم ولا بقراراتهم ولا اتفاقاتهم، حسب بيان صدر عن النواب.

وأكد النواب رفضهم لهذه العقود مع الشركات الأمريكية دون علم وموافقة بغداد، لمخالفتها أحكام الدستور وتجاوزها على صلاحيات السلطات الاتحادية، وصدورها من حكومة منتهية الصلاحية على مستوى الإقليم، والتي تأتي استكمالا لتعاقدات غير شرعية سابقة وقعتها حكومة الإقليم.

وحمّل نواب الجبهة البرلمانية الحكومة الاتحادية ووزارة النفط مسؤولية التنازلات المستمرة عن الحقوق السيادية في التعامل مع حكومة الإقليم، وآخرها تعديل قرارات القضاء بشأن إبطال عقود الإقليم والتراجع عنها وتعديل المادة 12 من قانون الموازنة دون الأخذ بالملاحظات والمقترحات التي قدمت سابقا فكان من نتيجة ذلك حصول الإقليم على إقرار بشرعية عقوده السابقة وإبطال الدعاوى القضائية ضده.

وتابع النواب: في حين كان دعاة التعديل يروجون لفكرة ضرورة التعديل لاستئناف تصدير النفط عبر تركيا، وهو ما لم يحصل لغاية الآن، وبينوا أن حكومة إقليم كردستان تنصلت من مسؤولياتها وأدخلت العراق في مشكلة تعاقدات جديدة واستمرار تهريب النفط وافتعال ذرائع للتهجم على الحكومة الاتحادية التي تسميها حكومة بغداد.

كما طالب نواب جبهة الوسط والجنوب رئيس الوزراء بمفاتحة إيران لوقف تسهيل تهريب النفط من الإقليم عن طريق أراضيها، والطلب من واشنطن ودول الاتحاد الأوروبي عدم توقيع أي اتفاق أو قبول زيارة لمسؤولي الإقليم دون إذن السلطات الاتحادية.

نواب كرد يؤكدون قانونية العقود

بالمقابل يرى نائب رئيس لجنة النفط والغاز في البرلمان العراقي نهرو رواندزي دستورية الاتفاق الذي أبرمه رئيس وزراء الإقليم في الولايات المتحدة.

وقال رواندزي في تصريح صحفي إن: "قانون النفط والغاز لم يصل بعد إلى البرلمان العراقي للتصويت عليه، وأنه لم يتم التوصل إلى أي اتفاق سياسي بشأنه".

وأضاف أن "الحكومة الاتحادية وقعت عشرات العقود في مجال إنتاج النفط والغاز في الحقول التي لديها في المحافظات العراقية منذ عام 2008، إلا أنها لا تهتم بالناس في إقليم كردستان".

وتابع: "تنص الفقرة 12 من المادة 2 من الدستور، على أن إقليم كردستان وبغداد يجب أن تشتركان في سياسة النفط من أجل زيادة صادرات العراق"، مبينا أن "العراق لم يفعل أي شيء لكردستان حتى الآن، لذا نعده حقاً دستورياً، والخطوة التي اتخذها رئيس وزراء إقليم كردستان مسرور بارزاني في الوقت المناسب هي قضية دستورية تمامًا ولا يوجد فيها شيء غير قانوني".

أربيل تستقوي بواشنطن

يرى الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي، في توقيع إقليم كردستان عقوداً نفطية جديدة مع شركتين أمريكيتين دون الرجوع إلى الحكومة الاتحادية خرقاً واضحاً لقرارات المحكمة الاتحادية.

وقال المرسومي في حديث لشبكة "الساعة": إن "العقود التي وقعها الإقليم مؤخراً لاستغلال النفط والغاز تمّت دون مشورة الحكومة الاتحادية، وهو ما يمثل تجاوزاً على قرار المحكمة الاتحادية التي تعد الثروات النفطية أصولاً اتحادية لا يمكن التصرف بها بشكل منفرد"، محذرا من "تداعيات هذا الإجراء على العلاقة بين بغداد وأربيل".

وأضاف أن "هذا التصعيد سيؤخر كثيراً إعادة تصدير نفط الإقليم عبر خط جيهان التركي، ويعقّد فرص التوصل إلى اتفاق نفطي شامل بين المركز والإقليم".

وأشار إلى أن "الإقليم يوقع العقود بشكل منفرد، فيما تتحمل بغداد مسؤولية دفع رواتب موظفيه، وهو ما يعكس خللاً في آلية توزيع الصلاحيات والموارد ويستلزم وقفة جادة لإعادة تنظيم العلاقة على أساس دستوري".

وأوضح أن "التطور في إبرام العقد من قبل حكومة كردستان أنه تم في واشنطن للمرة الأولى وليس في أربيل على عكس العقود السابقة الـ 57 التي وقعتها حكومة الإقليم في مجال النفط والغاز"، مبينا أن "توقيع العقد في واشنطن يحمل رسالة سياسية ويشير إلى محاولة أربيل الاستقواء بالولايات المتحدة على اعتبار أنها الحاضنة والداعمة للإقليم".

ولفت إلى أن "العقد جاء في وقت يشهد سخاء واسعا من حكومة بغداد تجاه أربيل في تلبية مطالب كردستان من خلال منحها ترليون دينار شهريا  حصتها من الموازنة رغم أن أربيل لم تسلم دولارا واحدا من عائدات النفط المصدر من كردستان والبالغ 200 ألف برميل يوميا".

مخالفة للقانون العراقي والقانون الدولي

الخبير القانوني علي التميمي أكد أن توقيع الاتفاقيات المباشرة مع شركات عالمية بشأن قضايا سيادية مثل النفط من قبل حكومة إقليم كردستان يُعد مخالفاً للدستور العراقي وقواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، مشيراً إلى أنّ المواد (1) و(2) و(18) من الميثاق الأممي تؤكد مبدأ سيادة الدول ووحدة تمثيلها الخارجي.

وقال التميمي في حديث لشبكة "الساعة": إن "المادة (110) من الدستور العراقي توضح بشكل صريح أن الاختصاصات السيادية، ومنها رسم السياسة الخارجية والتمثيل الدبلوماسي والتفاوض بشأن المعاهدات الدولية وتوقيعها، هي من الصلاحيات الحصرية للحكومة الاتحادية".

وأضاف أن "قضايا النفط تُعد من الشؤون السيادية، ولا يحق لحكومة محلية أو إقليمية توقيع اتفاقيات استخراج أو تطوير أو استثمار هذه الثروات خارج إطار الحكومة الاتحادية، خصوصاً أن كل اتفاقية دولية تُسجل وتوثق في الأمم المتحدة بموجب المادة (102) من ميثاقها، ما يعني أن التعاقد يجب أن يجري بين دولتين وليس بين دولة وجزء منها".

وتابع التميمي: أن "العلاقة بين إقليم كردستان والحكومة الاتحادية هي علاقة فيدرالية وليست كونفيدرالية، والإقليم يُعد جزءاً من العراق، ولذلك فإن إبرام الاتفاقيات الدولية لا يكون إلا من خلال مجلس الوزراء الاتحادي، استناداً إلى المادتين (80) و(81) من الدستور العراقي".

وشدد على أن "حكومة إقليم كردستان الحالية منتهية الولاية وتُعد حكومة تصريف أعمال يومية، وهي بذلك مقيدة قانونياً، ولا تمتلك الصلاحية لتوقيع أي اتفاقات ذات طابع مالي أو سيادي"، مبينا أن "مفهوم تصريف الأعمال هو مفهوم ضيق جداً في القانون الإداري، ويقتصر على الأمور الإجرائية اليومية، خاصة في ما يخص الخدمات العامة داخل الإقليم".

وشدد التميمي على "حق الحكومة الاتحادية والبرلمان العراقي في الاعتراض ومقاضاة الدول والشركات التي أبرمت مثل هذه العقود خارج إطار الشرعية، وفقاً للقانون الدولي، وعبر مدارس التحكيم الدولي، كما نوه إلى حق بغداد في مقاضاة ومحاسبة حكومة الإقليم على خلفية تحركها المخالف للدستور والقانون العراقيين".

غضب أمريكي

ويبدو أن الرفض العراقي لإجراءات حكومة إقليم كردستان دفع نحو إغضاب جهات تمتلك الصوت العالي في الولايات المتحدة، وهو ما عبر عنه النائب الأمريكي جو ولسن أحد المشاركين في صياغة مشروع قانون تحرير العراق من إيران والذي يتضمن ملاحقة ومعاقبة جهات متنفذة في الدولة العراقية سياسيا وأمنيا وقضائيا.

وفي تغريدة للنائب الأمريكي جو ولسن عقب لقائه مسرور بارزاني رئيس وزراء الإقليم أكد أنه "يشعر بالغضب من معارضة رئيس وزراء الحكومة العراقية وحكومته للاستثمارات الأمريكية لتطوير الغاز العراقي، في حين هو أمرٌ ضروري لوقف الواردات الإيرانية"، مؤكدا أن "الولايات المتحدة ستظل داعمةً دائمًا للاستثمارات الأمريكية في كردستان".

ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات

اشترك بقناتنا على التليكرام

اخترنا لك