صورة الخبر

01:30:37 2026-04-22 : اخر تحديث

19:33:09 2026-04-21 : نشر في

خدمة العلم في العراق.. ما تداعياتها سياسياً واجتماعياً واقتصادياً؟

حجم الخط

سيف العبيدي - شبكة الساعة

أثار قانون خدمة العلم أو ما يعرف بالتجنيد الإلزامي جدلا واسعا في العراق على الصعيدين الشعبي والرسمي، فانقسمت الآراء بشأن القانون بين مؤيد ومعارض، وبين مطالب بتمريره ومحذر من تداعياته.

ويرى المدافعون عن القانون أن خدمة العلم من شأنها تعزيز الانتماء الوطني والقضاء على الطائفية ورفد المؤسسة العسكرية بدماء جديدة خاصة وأن غالبية الموجودين اليوم في صفوف القوات العراقية هم ممن يتجاوز عمره الـ 40 عاما.

أما المعارضون للقانون فيرون فيه عودة لعسكرة المجتمع كما في عهد النظام السابق، إضافة إلى فرض الخدمة ولو بالإكراه على الشباب، والأهم من ذلك التكلفة الاقتصادية والمالية لتنفيذ خدمة العلم، إلى جانب إمكانية استغلال هذا الموضوع كملف رئيسي من ملفات الفساد.

والأحد الماضي، أنهى البرلمان العراقي القراءة الأولى لمقترح قانون خدمة العلم، ومن المقرر تقديمه للقراءة الثانية لغرض الدراسة والتعديل والإضافة على المشروع قبل التصويت النهائي عليه، وبحسب أعضاء في لجنة الأمن والدفاع البرلمانية فإنهم يرجحون سحب القانون خلال أو عقب القراءة الثانية، بسبب تصاعد الأصوات المعارضة للقانون داخل قبة البرلمان.

والأسبوع الماضي، أعلن رئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي تبنيه طرح مقترح قانون خدمة العلم بعد مباحثات مع قادة الجيش، مشيراً إلى أن تبني القانون يأتي بعد التشاور مع رؤساء الكتل النيابية وأعضاء مجلس النواب، باعتباره ضرورة أمنية واجتماعية في البلاد.

وأكد الحلبوسي أن قانون خدمة العلم لن يكون إلزاميا ولا يهدف إلى عسكرة المجتمع، بل إلى تعزيز شعور الشباب بالانتماء إلى الوطن، مبينا أنه وخلال زيارته الى وزارة الدفاع وجد أن أعمار المنتسبين في الوزارة يتجاوز الـ 45 وصعودا وهو ما يؤكد الحاجة الضرورية لزج دماء جديدة.

ومنذ العام 2005، طرح ملف إعادة التجنيد الإلزامي لكنه لم يمرر في البرلمان العراقي، كما لاقت محاولات إعادة التجنيد اعتراضات سياسية من أطراف مختلفة في العملية السياسية.

انقسام نيابي بشأن القانون

عضو لجنة الأمن والدفاع خالد العبيدي أكد دعمه لقانون خدمة العلم، وقال العبيدي إن "طرح قانون الخدمة الإلزامية في هذا الوقت مهم، وضرورة وطنية قصوى، ويعد رافداً من روافد الجيش العراقي يمكن أن يعوض النقص في الموارد البشرية خلال السنوات الماضية".

وأضاف أن "هناك جلسات حوارية ونقاشات ستعقد مع المختصين في وزارة الدفاع لمعالجة جميع الملاحظات"، لافتاً إلى أن "العمر المشمول في القانون يتراوح بين 18 إلى 45 عاماً، إلا أن هناك نقاشات لتقليله إلى 30 أو 35 عاماً بهدف استقطاب فئة الشباب والاستفادة من قدراتهم"، ولفت إلى أن "مدة الخدمة حددت بسنة ونصف السنة لغير الحاصلين على شهادة، وقد تقل أو تزيد بحسب متطلبات وزارة الدفاع، فيما تكون سنة واحدة لحملة الإعدادية والبكالوريوس، و6 أشهر للماجستير، و3 أشهر للدكتوراه، وهذه المدد ليست قطعية وقابلة للتعديل".

وتابع أن "الرواتب ستوازن وفق احتياج الجيش، ومن خلال موازنة وزارة الدفاع، إذ يمكن تحويل مبالغ التطوع لتغطية أعداد أكبر من المكلفين، لأن رواتبهم ستكون أقل من رواتب المتطوعين الذين يتقاضون مخصصات إضافية".

وأكد أن "القانون يتضمن إيجابيات عدة، أبرزها معالجة البطالة وتعزيز التكاتف الاجتماعي وترسيخ الانضباط لدى الشباب"، منوهاً بأن "ديباجة القانون تؤكد الضرورة الوطنية القصوى، بما يسهم في تحقيق التلاحم الوطني بين أبناء المحافظات المختلفة ودعم وزارة الدفاع والجيش".

واستدرك العبيدي: أن "القانون مقترح من الحكومة وموجود في مجلس النواب منذ سنوات، وكان يطرح ويسحب بسبب بعض الخلافات، ولكن جرى مؤخرا اتفاقا مع رؤساء الكتل السياسية على عرض القانون".

في المقابل، يؤكد سعود الساعدي النائب عن كتلة حقوق المقربة من كتائب حزب الله رفضه لمشروع القانون، معتبراً أن القانون يتضمن جنبة مالية، في وقت تعمل فيه الحكومة بصفة تصريف أعمال.

وقال الساعدي: إن "الأولوية في المرحلة الحالية يجب أن تتركز على شراء منظومات الدفاع الجوي وتعزيز الحماية الأمنية للبلاد، ولا سيما بعد الاعتداء الأخير وما رافقه من اختراق للأجواء العراقية"، وبين أن "الأولوية ينبغي أن تكون لتفعيل صلاحيات السلطات الاتحادية ورسم سياسة أمن وطني واضحة، بما يضمن توفير الحماية ومنظومات الدفاع الجوي، بدلاً من التوجه نحو التجنيد الإلزامي".

وأشار الساعدي إلى أن "الأجدر إقرار قانون الحشد الشعبي، بدلاً من المضي في قراءة قانون قد يضيف أعباءً على الأجهزة الأمنية"، معتبراً أن "طرح قانون التجنيد الإلزامي في الوقت الراهن سابق لأوانه، وأن المبررات التي استند إليها إدراجه غير واقعية".

وتواجه المؤسسة العسكرية العراقية بعد العام 2003 مشكلة غياب التوازن، فالمؤسسة تخضع مكوناتيا وبالأغلبية للمكون الشيعي، فيما تواجه المكونات الآخرى ما تقول أنه تهميشا لها في المؤسسات الأمنية والعسكرية ولا سيما في إدارة تلك المؤسسات، ولذلك يرى المدافعون عن القانون أن تمريره يعني إعادة نوعا من التوازن إلى المؤسسة العسكرية، ومقابل ذلك يخشى أصحاب النفوذ في المؤسسة العسكرية من تراجع نفوذهم في المؤسسات الأمنية حال إقرار قانون خدمة العلم.

تداعيات القانون اجتماعيا

ويرى الباحث المختص في الشأن الاجتماعي صالح العمري أن قانون خدمة العلم له انعكاسات إيجابية وسلبية، وذلك مرهون بطريقة تنفيذ القانون وتطبيقه على أرض الواقع.

وقال العمري في حديث لشبكة "الساعة": إن "خدمة العلم يمكن أن تساهم في تغذية شعور الانتماء الوطني وتقليص حالة التوتر والاحتقان الطائفي المتصاعد في البلاد".

وأضاف: أنه "لا يمكن ربط القانون بمفهوم عسكرة المجتمع، فعسكرة المجتمع قائمة في العراق دون وجود تجنيد إلزامي، بينما مظاهر العسكرة غير موجودة في تركيا مثلا وهي تطبق هذا التجنيد منذ عشرات السنين".

ونوه العمري إلى أن "التعامل الطائفي والطبقي وتعزيز الفروقات بين المجندين في حال تطبيق القانون واستغلال الموضوع مستقبلا في ملاحقة الرافضين للخدمة، من شأنها أن تفرغ القانون من محتواه وتحوله إلى قانون سلبي يزيد من حالة التأزم التي يعيشها العراق على مختلف الصعد ومن بينها الاجتماعية".

خدمة العلم من منظور اقتصادي

ويتفق أستاذ الاقتصاد محمد مثنى مع ما سبق بأن القانون له العديد من الإيجابيات والسلبيات، ولكن هذه المرة من زاوية اقتصادية.

وقال مثنى في تصريح لشبكة "الساعة": إن "خدمة العلم مشروع كبير يتطلب كلفة كبيرة، تبدأ بوضع الميزانية للخدمة الإلزامية التي تتضمن رواتب المجندين وكسوتهم وإعاشتهم ونقلهم، إلى جانب المعسكرات والمقرات التي تحوي الأعداد الكبيرة من المجندين"، وأوضح أن "الموازنة لن تتوقف عند هذا، وإنما تتطلب تسليح المقاتلين وتدريبهم والمراكز العلاجية الخاصة بهم، وكذلك مراكز استقبال وتجنيد الفئات المشمولة بالتجنيد، وهي تتطلب ميزانية كبيرة لتنفيذها، بينما العراق في الوقت الحالي عاجز عن دفع رواتب موظفي الدولة لا سيما في حال استمرار الصراع الأمريكي الإيراني وغلق مضيق هرمز".

ونوه استاذ الاقتصاد إلى "الجنبة الإيجابية التي يمكن أن تنظر لها الحكومة هي إمكانية الحصول على إيرادات واسعة من التجنيد الإلزامي، وذلك لأن الكثير سيسعى إلى دفع بدل مالي عن إداء الخدمة العسكرية، وهو ما سيعد رافدا جديدا للميزانية، على اعتبار أن أعدادا كبيرة من العراقيين من المتوقع أن تلجأ لدفع بدل مالي عن الخدمة".

ولفت إلى أن "قانون خدمة العلم إضافة إلى مزاياه التي ذكرت سابقا من تعزيز الانتماء الوطني وتجاوز الخلافات الطائفية، فهو يشكل ورقة يمكن أن تنقذ العراق من مشكلة غير ظاهرة في الوقت الحالي ويمكن أن تبدو ملامحها خلال السنوات العشر المقبلة".

واستدرك قائلا: إن "المشكلة التي يمكن أن تظهر قريبا هي أن المتطوعين في الجيش العراقي حاليا تتجاوز أعمارهم الـ 40 سنة في الغالب، وهؤلاء بعد 10 سنوات سيكونون غير قادرين على إداء الخدمة العسكرية، في حين أن الدولة من المؤكد أنها ستكون عاجزة عن فتح التطوع في الجيش مستقبلا بسبب الأزمة المالية التي بدأت تتفاقم في الأعوام الأخيرة دون معالجات حكومية".

وختم مثنى حديثه قائلا: إن "خدمة العلم خلال سنوات قليلة سيكون له مردود اقتصادي إيجابي أكثر من فتح التطوع على المؤسسات الأمنية بين الحين والآخر، حيث أن التطوع الذي يتطلب رواتب شهرية كبيرة من شأنه أن يضغط على ميزانية الدولة ويستنزفها مستقبلا".

تفاصيل قانون خدمة العلم

ويتألف مقترح قانون خدمة العلم المقدم من قبل الحكومة العراقية من 13 فصلاً تبدأ بالتعريفات والمصطلحات القانونية، وتنتهي بالأسباب الموجبة لتشريعه.

ومن أبرز ما ورد في المقترح، أن خدمة العلم تترتب على كل عراقي لم يتجاوز عمره 45 عاماً، وبحسب النص، تبدأ مدة الخدمة الإلزامية من 18 شهراً لمن لم يلتحق بالمدرسة، ثم تتناقص تدريجياً وفق التحصيل الدراسي، لتصل إلى 3 أشهر فقط للحاصل على شهادة الدكتوراه.

كما ينظم القانون حالات التأجيل لطلبة الجامعات والمعاهد، والإعفاء لأسباب صحية أو أسرية، إلى جانب أحكام تتعلق بخدمة الاحتياط والاستدعاء عند الحاجة وفق الضوابط القانونية.

ونص المقترح أيضاً على عقوبات بحق المتخلفين عن أداء الخدمة، تتراوح بين غرامة مالية من 250 ألف دينار إلى مليون دينار عراقي، أو الحبس لمدة لا تزيد على سنة، مع تشديد العقوبة على من يتم القبض عليه بعد تجاوزه السن القانونية المحددة.

ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات

اشترك بقناتنا على التليكرام

اخترنا لك