شكلت مجزرة جامع سارية التي وقعت في مدينة بعقوبة، مركز محافظة ديالى العراقية، في ١٧ أيار/مايو عام 2013، حدثًا مأساويًا بارزًا في سياق الاحتجاجات العراقية التي شهدها عام 2013 والتصاعد الحاد في التوترات الطائفية التي كانت تعصف بالبلاد آنذاك.

خلفية الأحداث في محافظة ديالى

شهد العراق في أوائل عام 2013 خصوصًا محافظة ديالى، تصاعدًا في الاحتجاجات الشعبية المناهضة لحكومة نوري المالكي، بدأت هذه الاحتجاجات في أواخر 2012 في المناطق السنية ومنها ديالى، مطالبين بالإصلاحات السياسية وإطلاق سراح المعتقلين وإنهاء التمييز الطائفي.

واتخذت الاحتجاجات شكل اعتصامات حاشدة بعد صلاة الجمعة، وأصبحت المساجد مراكز رئيسية لهذه التحركات، وكانت أبرز مطالب المتظاهرين إلغاء قوانين مكافحة الإرهاب والمساءلة وتوسيع حقوق السنة ورفع المظالم.

كما شهد العراق تصاعدًا في العنف والتفجيرات، مما أدى إلى تدهور الأوضاع الأمنية، وتحذيرات من عودة الصراع الطائفي.

ديالى قبل ١٧أيار/مايو 2013

تعد محافظة ديالى من أكثر المحافظات العراقية تنوعًا سكانيًا إذ تضم مختلف الأعراق والطوائف والأديان، مما جعلها عرضة للصراعات الطائفية والعنف، خاصة في السنوات التي تلت الغزو الأمريكي عام 2003.

وبفضل موقعها الاستراتيجي بالقرب من بغداد، كانت ديالى دائمًا منطقة متوترة، إذ شهدت تدهورًا أمنيًا خطيرًا أدى إلى تحذيرات من اندلاع حرب طائفية في بعض الأحيان، مع نزوح مئات العائلات من القرى المختلطة، خصوصًا في قضاء المقدادية.

 هذه الأوضاع المتوترة بما في ذلك التفجيرات المستمرة أضفت عليها طابعًا غير مستقر، مما ساهم في تصاعد التوترات الطائفية في المنطقة، وقبل وقوع مجزرة جامع سارية في أيار/ مايو 2013، تعرض الجامع نفسه لتفجير مروع في نيسان/أبريل من نفس العام، أسفر عن مقتل وإصابة عشرات المصلين، مما زاد من التوتر في ديالى.

 كما أن مجزرة الحويجة في نيسان/ أبريل 2013، حيث قامت قوات حكومية بتفريق اعتصام للمحتجين السنة بالقوة، كانت لها تأثيرات كبيرة على الوضع الأمني في ديالى، إذ عُدت هذه الحوادث جزءًا من حملة القمع المستمرة التي قادها رئيس الوزراء نوري المالكي.

مجزرة جامع سارية

وقعت مجزرة جامع سارية في الـ ١٧ من أيار/مايو 2013 في يوم الجمعة، في منطقة السراي بمدينة بعقوبة، مركز محافظة ديالى، وذلك بعد انتهاء صلاة الجمعة الموحدة التي كانت جزءًا من احتجاجات عام 2013 العراقية.

وأقيمت الصلاة في جامع سارية تحت شعار "خيارنا حفظ هويتنا"، مما يدل على الارتباط الوثيق بين المسجد وحركة الاحتجاج السنية ومخاوفها بشأن هويتها في العراق.

وكانت صلوات الجمعة الموحدة هذه قد أصبحت سمة منتظمة للاحتجاجات، وكانت تمثل منصة للتعبير عن المظالم وإظهار التضامن بين المجتمعات السنية.

وقع الهجوم عندما انفجرت عبوتان ناسفتان بالقرب من المسجد بعد انتهاء الصلاة، مستهدفة بشكل خاص المصلين أثناء خروجهم، ويشير توقيت وموقع الانفجارات بوضوح إلى أن المصلين كانوا الهدف المقصود للهجوم، وقد أدى استخدام عبوتين ناسفتين إلى إلحاق أضرار جسيمة وإيقاع عدد كبير من الضحايا بين المصلين العزل.

كما وردت تقارير تفيد بأن إطلاق نار استهدف أيضًا الجرحى وأولئك الذين حاولوا الفرار من مكان الحادث، هذا التفصيل يشير إلى جهد متعمد من قبل الجناة لضمان وقوع أكبر عدد ممكن من الضحايا ومنع الناجين من الهرب.

اتهامات متضاربة حول الجهة المنفذة

أشارت تقارير رسمية إلى أن التحقيقات الأولية حمّلت تنظيم القاعدة مسؤولية تفجير جامع سارية، إذ أعلنت قيادة شرطة ديالى، في بيان نقلته قناة العربية بتاريخ 18 أيار/مايو 2013، عن اعتقال 4 عناصر من التنظيم قالت إنهم نفذوا الهجوم، وذلك خلال عمليات أمنية نُفذت في مناطق متفرقة من المحافظة.

في المقابل، اتهم الحراك الشعبي في العراق جهات حكومية وميليشياوية بالوقوف خلف المجزرة، عادًّا أن استهداف المصلين جاء ضمن سياسة منهجية لقمع المكوّن السني، وربط بين ما جرى في بعقوبة ومجزرة الحويجة التي سبقتها بأسابيع.

من جهتها، حمّلت حركة "تجديد" التي كان يتزعمها نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي، رئيسَ الوزراء نوري المالكي المسؤولية الكاملة عن الهجوم، مؤكدة في بيان أن "الجهات التي قتلت المتظاهرين في الحويجة والفلوجة والموصل هي ذاتها من نفذت مجزرة سارية".

وأضافت أن الجريمة "وقعت على مرأى ومسمع من الأجهزة الأمنية"، داعية إلى "محاسبة المتورطين محليًا وحكوميًا".

التداعيات السياسية

أدت الاتهامات القوية الموجهة للحكومة من الحراك الشعبي في أعقاب المجزرة إلى تعميق الانقسام السياسي والعداوة القائمة بين المكون السني والحكومة بقيادة نوري المالكي، مما جعل أي احتمال للحوار أو المصالحة أكثر صعوبة.

ساهمت هذه الحادثة والأجواء الطائفية المحتقنة في تفاقم عدم الاستقرار وزيادة العنف الذي شهده العراق في عام 2013 والسنوات التي تلت ذلك.

أسهم هذا الوضع في تأجيج صعود الجماعات المتطرفة مثل تنظيم "داعش"، الذي استغل المظالم السنية والإخفاقات الكبيرة للحكومة في توفير الحماية لهم.

كما إن مجزرة جامع سارية كان لها تأثير اجتماعي عميق، حيث زادت من مشاعر الخوف والغضب داخل المجتمع السني في ديالى وبقية أنحاء العراق.